الخميس 25 شباط/فبراير 2021

الظاهرة الترامبية واوهام الديمقراطية

الأحد 10 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

( ان مصلحة الولايات المتحدة تستدعي ان تكون استراتيجيتها عملية .. اذ ان مصالحنا في الديمقراطية ليست هي وحدها التي ينبغي ان توضع في الاعتبار ) زيجنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي السابق

اشير الى مقالينا اللذين نشرا على موقع كتابات بعنوان ( العرب واهون الشرين بايدن ام تراب ) بجزئين يوم 10 و2020/11/13

هل ماحدث في واشنطن العاصمة يوم 6 و7 فيه مايثير دهشتنا ودهشة العالم باعتبار ان الصورة الامريكية في اذهاننا وفي خلفيتنا الثقافية والسياسية ان امريكا بلد الحرية (وتمثال الحرية شاخصا فيها ) وبلد المساواة والفرص المتساوية والارض التي تنتج عسلا وانها جنة الله الموعودة في الأرض … الجواب كلا لم يدهشني ماحدث. فما حدث ليس ظاهرة معزولة وغريبة عن امريكا وهي المجتمع ( العنصري، الطبقي ، الاثني ، الديني ) واذا كان البعض قد اندهش لما يحدث وحدث والاّخر استنكر وثالثا طالب باحترام نتائج الانتخابات ورابعا حذر من ان ماحدث سيشوه الصورة الامريكية الناصعة البياض ! … اقول علينا ان لانقع اسيري الدهشة ونلجأ للتفسير والتبرير فالعودة الى التاريخ الامريكي يرينا ويخبرنا ان امريكا بلد العنف والابادة الجنسية والعرقية ان ابادة الشعب الهندي الاحمر وحدها تكفي لادانة ( بلد الحرية) انها بلد التمييز العنصري . وبلد تجارة العبيد. ..ان صور الستينات من القرن الماضي ماثلة امامنا وهي شهادة على التمييز العنصري .. المكارثية في خمسينيات القرن الماضي ( نسبة الى جوزيف مكارثي عضو مجلس الشيوخ الامريكي وهو سلوك يقوم بتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون الاهتمام بالادلة )… كل ذلك سيظل خزينا لاينضب وبابا لمزيد من الاضطراب الاجتماعي والطبقي والاثني وسيضع هذا العنف المجتمع الامريكي في مهب تقلبات لايمكن الاّن حسابها وتوقعها وانما المستقبل سيكون كاشفا لها ….ان معركة واقتحام الكابيتول ( مقر الكونجرس ) لم تكن بين بايدن وترامب بل مؤشر حقيقي على معركة المجتمع مع نفسه وانكشافه امام نفسه والعالم …وإذا كان الحزبان قد انقسما حول نتائج الانتخابات ومدى مصداقيتها وعلى راسها النخب الحزبية في كليهما والنخب الامريكية عموما فما بال الجماهير التي اقتحمت مبنى الكابيتول والتي اسماها بايدن (بالغوغاء ) ان في بالها انها ستشارك بالمسرحية تمثيلا واخراجا لكي تقول نحن لن نستسلم وليشاهدنا العالم .. ولانغالي في التوصيف اذا قلنا انها الفوضى الخلاقة التي بشرت بها كونداليزا رايس شعوب المشرق العربي قبل سنوات لقد ارتدت تلك الفوضى التي ارادوها لنا عليهم انها الفوضى الخلاقة التي تجتاحك يا سيدة رايس .. سيعتبر انصار ترامب ( غوغاءه ) ان مرشحهم كان ضحية تزييف الانتخابات ولابد من الرد وهذا ماسيزيد من توترهم واضطرابهم واللجوء الى العنف والتطرف مما سيضطر الطرف الاخر الى اللجوء الى وضع تلك الاعمال تحت عنوان الارهاب .. ان بايدن ليس افضل من ترامب ولكنه يختلف عنه في كيفية تناوله لشؤون امريكا الداخلية والخارجية انهما من طينة واحدة بل وجهان لعملة واحدة ( مراجعة مواقف بايدن خلال السنوات المنصرمة ترينا من هو بايدن ) ان سياسة ترامب على الصعيد الداخلي والخارجي خلقت وقائع على الارض وفي الساحة الدولية وهذا سيضع عراقيل امام بايدن لتنفيذ برنامجه الانتخابي ووعده

ان الديمقراطية لاتتجزأ فاذا كنت ديمقراطيا في الداخل فعليك ان تكون ديمقراطيا في الخارج وهذا بالضبط مالا ينطبق على امريكا ، فامريكا الامبريالية تجلس على قمة الهرم في استعباد الشعوب وتجويعها وافقارها ونهب ثرواتها ( والمثال العراقي ليس علينا ببعيد ثلاثة عشر عاما من الحصار و التجويع والافقار للشعب العراقي وحرق الاخضر واليابس وعندما لم تفلح في ايذاء العراق امام صمود الشعب العراقي قامت بغزوه واحتلاله ) اين ديمقراطيتهم في الخارج فهي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت قد ساندت ابشع الديكتاتوريات في العالم ومارست القمع والغزو بحق شعوب الارض وتحت مسميات وعناوين مختلفة .. ان العنف الامريكي المسلط على رقاب الشعوب ماهو الا تجلي للعنف في الداخل الامريكي هذا العنف الذي هو جزء من تراثهم فهم سرقوا الجغرافية من الهنود الحمر وزيفوا التاريخ وكتبوه كما تشتهي امريكا لقد اتهم الديمقراطيون ترامب بتحريض المتظاهرين على العنف وهو مايدعو للغرابة والشفقة عليهم اليس التحريض بندا مكتوبا ومقروءا في سياسات كلا الفريقين يمارسه مسؤوليهم ليل نهار ( التحريض على النظام العراقي الوطني السابق ، على سوريا ، على الفلسطينيين ، على فنزويلا ، على كوبا على كوريا الشمالية) جميعهم يجيدون التحريض وترامب لايشذ عن القاعدة فالتحريض في الداخل والخارج ضد الخصوم عملية واحدة وهو عصا الابتزاز التي تمارسها امريكا وخصوصا على صعيد سياستها الخارجية فالاعلام المكتوب والمسموع والمرئي ومراكز البحوث والدراسات كلها في خدمة التحريض فما تحرض به امريكا يصبح بندا في الاعلام الصهيوني وماتحرض به اسرائيل يهلل له الاعلام الامريكي .. كلنا يتذكر ما قاله كولن باول امام مجلس الامن قبل غزو العراق بان العراق يمتلك اسلحة جرثومية وتبين لاحقا انها كذبة استخدمت كاداة للتحريض ومقدمة للغزو ..اليس مقولة صراع الحضارات هي قمة التحريض الفكري التي اصبحت من ادبيات السياسة والاعلام قادتها امريكا وسياسييها واعلامييها .

ان الملفت للنظر في معركة الكابيتول ان القوات الامنية والشرطة التي كانت تحرس المبنى لم تمارس العنف المفرط الذي اعتادت عليه الشرطة الامريكية وهو امر يدعو للتساؤل لو ان الذين اقتحموا المبنى من السود او من المكسيكيين او المهاجرين كيف سيكون المشهد اكيد سيكون دراما دموية يرفع ستارها رجال الشرطة والامن .. لنتذكر الشرطة الامريكية ماذا فعلت في ستينيات القرن الماضي ضد المتظاهرين السود الذين طالبوا بالحقوق المدنية لهم لنتذكر ونقارن بين الامس واليوم ..

بالعودة الى الحدث نفسه يمكن تأشير بعض الامور المهمة :

1- جاء في الاخبار المؤكدة ارتفاع مبيعات الاسلحة بين الافراد مما يدل على هاجس الخوف من حدوث مشاكل واضطرابات وضرورة الاستعداد للدفاع عن النفس .

2- يجب عدم نسيان ان من صوتوا لترامب هم اكثر من 70 مليون ناخب وهذا يعني نصف المجتمع الامريكي وهو رقم يدعو الى التوقف عنده

3- ان من دخل الى بناء الكابيتول هم ليسوا غوغاء كما يتصور البعض انهم جماعات منظمة ينتمون الى اقصى اليميين المتطرف وهم جميعا احفاد منظمة (كو كلوكس كلان) وهم جميعا مايطلق عليهم Redneck

4- لقد اثبتت الاحداث ان اعداء ترامب ليس في داخل الولايات المتحدة وانما في الخارج ايضا ومن رؤوساء الدول وحتى الامين العام للامم المتحدة الذي ابدى قلقه ( هو دائما يقلق ) كل ذلك بسبب شغب الرئيس ترامب ومواقفه الفوضوية من امور تخص العالم كله .

5- هناك امر اريد الاشارة اليه وبدون ان اعلق عليه هناك تسجيل صوتي منشور على وسائل الاعلام الامريكية انه والد بايدن يقول لابنه بايدن بالنص ( انت وان كنت مسيحيا لكن تذكر ان ذلك لايمنعك من ان تكون صهيونيا حتى وان لم تكن يهوديا )

6- الامر الغريب في تمسك ترامب بالكرسي شبيه بتمسك نوري المالكي بكرسيه مما يدل ان النفس هي في كل مكان وزمان يستهويها المنصب والكرسي ..

7- لقد فرح الساسة الشيعة في العراق بذهاب ترامب ( لانه كان من النواصب في تصورهم ) وينتظرون قدوم بايدن ( الشيعي) لقد انطلقوا من موقف ترامب من ايران ونسوا مواقف بايدن من العراق ومشروعه في تقسيم العراق .. انه لافرق بينهما !!!!

واخيرا ان معركة الكابيتول معركة امريكية بامتياز وعنف الداخل لايمكن فصله عن عنف الخارج انه الكابوي الامريكي .. الكابوي الذي كان يسحب مسدسه ليقتل وايهما اسرع هو الفائز وبسبب ماذا ؟ لا سبب سوى القتل والتحدي ! الا ان تلك المعركة فتحت بابا ولانعلم متى سيغلق ولاكيف ونعتقد ان الباب فتح على مصرعيه .. وكيف ستراه الاجيال الامريكية الشابة فهذا في رحم المستقبل ان امريكا التي خططت للفوضى الخلاقة في منطقتنا ستدخل في تلك التجربة ومارسمته للآخر من الاضطراب والفوضى ستناله حتما.




الكلمات المفتاحية
ابراهيم محمد الظاهرة الترامبية اوهام الديمقراطية

الانتقال السريع

النشرة البريدية