الأحد 07 آذار/مارس 2021

حب ينهض في زمن الخوف – 4 –

الخميس 07 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

حب ينهض في زمن الخوف – 4 -توطدت العلاقة بينهما لدرجة كبيرة جداً. في يومٍ من ألأيام وبينما كانا منشغلان في تصليح إحدى المولدات قال أمجد ” إسمع ياصديقي العزيز – عفواً ياشقيقي – لدي موضوع هام جداً اتمنى أن تصغي لي بكل إهتمام وتفكر بكل كلمة أقولها..أرجو أن لاتتخذ أي قرار إلا بعد دراسته بصورة جيدة” . نظر إليه طارق بكل إهتمام وهو يقول ” أي شيء تطلبه مني حتى لو كان إقتراح ..سأعتبره أمراً لايمكن الخلاص منه..ما عملته من أجلي يجعلني أقدم لك حياتي ودمي بكل فخر وأعتزاز” . ” أعرف أنك تكن لي بعض التقدير ولكن الذي أطلبه ليس له علاقة برد الجميل والشكر وأي شيء من هذا القبيل..هو مجرد رغبة تجول في خاطري ولاأدري إذا كنت تستطيع تنفيذها. لاأريد تضحيات أو محاولة تقديم شيء مقابل شيء أخر لأن ألأمر لايتحمل هذا” قال أمجد تلك العبارة وهو يعمل لأعادة تصليح المولدة .لم ينتظر كثيراً ودخل في الموضوع. ” مضى على وجودك معنا أكثر من ثلاثة أشهر. تعودنا عليك لدرجة أنني أشعر أنك شقيقي الحقيقي . أنت مثال ألأدب وألاخلاق ولاأستطيع أن أتصور أنك ستتركنا يوماً ما.. لذلك أريد أن أزوجك إحدى شقيقاتي..إختر أي واحدة ومن لاتوافق سأجبرها على ذلك. خذ وقتك في التفكير” . نظر إليه طارق وقد إرتسمت على وجههِ إبتسامة حياء مفرطه. فكر قليلاً ثم قال ” أريد أن أتزوجهن جميعاً هل توافق؟” صرخ أمجد ” ماذا؟ ولكن هذا لايجوز شرعاً” . ضحك طارق بأعلى صوته وهو يقول ” لا عليك..كنتُ أمزح معك..ولكن إسمع جيداً لما سأقوله.” أخذ نفساً عميقاً ثم إستطرد قائلاً” حينما شفيت تماماً بسبب الرعاية التامة التي بذلتها كل من سعاد وساره ..وعدت كما كنتُ سابقاً عاهدتُ نفسي على أن أكون خادماً مخلصاً لهذه العائلة حتى لو كلفني ذلك حياتي.حينما جلبت لي أنت من نقودك الخاصة تلك الكمية من ألأخشاب ..لم أنم تلك الليلة ..بقيت أفكر كيف أرد لك الجميل؟ ولكن ليس لدي نقود في الوقت الحاضر لأعادة نقودك..لذلك قررت التفاني في العمل من أجلك ومن أجل ألأخرين. لازال هناك أمامي طريق طويل لرد الجميل..هو ليس شيء مقابل شيء كما تتصوره ولكن هذا يتعلق بشيء داخلي له علاقة برجولتي. لو خيرتني في هذه اللحظة وقلت لي من تريد أن تكون زوجتك فأنني لن أستطيع ألأختيار من الناحية العاطفية لأن جميع الفتيات – شقيقاتي- جميلات ورائعات ومتفانيات ومخلصات وشريفات..لذلك لا أستطيع ألأختيار ألآن. إعطني سنة كاملة للتفكير وحينما أتخذ القرار فيما إذا أردت الزواج من إحداهن فأنني لن أختار ..أنت تختار لي واحدة..لا..لا..هن يختارن..أقصد انت تجلس معهن وتتحدث عن الموضوع ولاأريد ترغيب أو ترهيب..هن يتفقن على إختيار الزوجة المناسبه لي..وسأقبل بكل سرور..من يدري..أقول من يدري ربما واحده منهن تفكر بي حينما تكون وحيدة وقد أختار أنا غيرها وبذلك ستتألم بصمت وأنا لاأريد أن أكون السبب في تعاسة أي شخص هنا. هل فهمت الفكرة؟” . نظر إليه أمجد طويلاً دون أن ينبس ببنت شفه ثم أطلق زفرة طويلة وهو يقول ” حقاً أنت رجل بكل معنى الكلمة..لم أفكر بهذا أبداً..حسناً لك ماتريد..ولكن هل تريد أن أتحدث معهن هذه الليلة؟” . ” ألأمر متروك لك..ولكن كما قلت لك …يجب فهم الفكرة جيداً من جميع ألأطراف بلا ترغيب أو ترهيب…هن يتفقن على ذلك وليس أنت أو أنا..والجواب يكون بعد سنة منذ هذه اللحظة”. قال طارق تلك العبارة وهو يحاول تشغيل المولدة العاطلة.
حينما جلسن على المقاعد الخشبية التي كان طارق قد صنعها بأتقان وقف أمام السبورة الكبيرة ينظر إليهن بأعتزاز ولكنه قال فورا” وردة” غائبة عن الدرس. لن نأخذ أي درس إلا إذا حضرت.” قالت سعاد ” اليوم تشعر بوعكة صحية..لا تستطيع الحضور..طلبت مني ألأعتذار نيابة عنها هي طريحة الفراش..زينب تعتني بها ألأن” . صرخ طارق” مريضة ؟ لماذا لم تخبريني قبل هذا الوقت؟ أريد أن أراها ألآن..تعالي معي” . وقف عند باب غرفتها كي يفسحوا له المجال للدخول. كان أمجد وزينب يعملان لها كمادات باردة ويضعانها على جبينها بين الحين وألآخر..كانت ترتعش من شدة الحمى. جلس طارق قربها ..حينما وضع يده فوق جبينها صرخ بذعر ” يا إلهي..حرارتها مرتفعة جداً” . نظر إلى أمجد بغضب وهو يقول ” وأنت تجلس قربها فقط؟ لماذا لاننقلها إلى مستشفى المدينة فوراً؟..ستهلك إن بقيت هكذا”. نظر إلى زوجة أمجد وهو يصرخ ” حضري السيارة ألآن ..أنتِ وأمجد ستأخذانها فوراً” . صاحت زينب ” السيارة عاطلة منذ يومين..كيف ننقلها. المسافة من هنا إلى الطريق السريع أكثر من أربعة كيلو مترات. .وحتى لو كانت السيارة غير ذلك..هل ترى العواصف الترابية هذه الليلة..الطريق في الليل هنا خطر جداً..نقلها ألآن شبه مستحيل”. نهض طارق بغضب وهو يصرخ ” لن أقف هنا مكتوف اليدين كعجوزٍ هرم أنتظر شيء قد تكون نتائجه وخيمة” . نظر إلى سعاد وهو يقول” سأركض من هنا إلى الشارع السريع …قد أجد سيارة أجرة..أو حمل أو أي شيء.. لن أدعها تعاني هكذا…أريد فقط مسدس وهاتفك النقال يا أمجد..تحسباً لأي طاريء..خذ هاتف زينب وأنتظر مني مكالمة …أنا سريع الحركة..أركض سريعاً.. سأعتبرها سباق بين الحياة والموت…” صاحت ضحى” تعقل..الطريق خطر وطويل لا نريد أن نفقدك..في الصباح سنجد طريقة أفضل”. صاح بغضب ” إسكتي أنتِ دائماً تعاريضينني..أمجد أعطني مسدسك والهاتف..” قفزت سعاد إلى غرفة أمجد وفي لمح البصر ناولته المسدس وهي تقول باكية ” الله معاك..”. حينما خرج من البوابة كانت جميع الفتيات ينظرن إليه بهلع. كانت الريح قوية جداً لدرجة أنه كاد يسقط على ألأرض قبل أن يبتعد خطوات في الظلام. كان يركض بأقصى سرعة والريح تجعله يتمايل ذات اليمين وذات الشمال. كان العرق يتصبب من جسده بشكل غزير على الرغم من برودة الطقس النسبي. كان الطريق السريع خاليا من العجلات…بين فترة وأخرى تمر شاحنه مسرعة كأنها صاروخ همجي في حربٍ ضروس. بعد مضي أكثر من نصف ساعة شاهد من بعيد عجلة صغيرة تسير بسرعة معتدلة. قفز إلى وسط الشارع وهو يلوح بيديه يطلب منها التوقف. في البداية لم تتوقف وأجتازته بعدة أمتار . عادت السيارة إلى الوراء ودون أن يفتح سائقها كل الزجاجة قال له ماذا تريد؟ شرح له طارق الوضع الحرج الذي تمر فيه إحدى شقيقاته. كانت هناك إمرأة ملتفعة بعباءة سوداء تجلس إلى جانب السائق. قالت ” إذا كنت تقول الحقيقة ..قل إسم الفتاة وأسم أخيها الكبير”. إندفع طارق قائلاً” إسمها وردة وأخيها أمجد وأختها الكبيرة سعاد وراح يعدد لها أسماء كل الفتيات” . صرخت المرأة للسائق” بيت ..دحام.. بيت دحام.. فلنذهب لهم” . قالت لطارق ” تعال معنا ..بسرعة….”. في اللحظة التي إنطلقت السيارة نحو الطريق الترابي..أخرج طارق الهاتف النقال وراح يتحدث إلى أمجد ” لقد جلبت سيارة ..إستعدوا ..سنكون في البيت في غضون دقائق”. كانت السيارة حديثة مريحه جداً. إلتفتت المرأة إلى الوراء وهي تقول ” من أنت. لم أرك من قبل في بيت دحام؟ أمجد لديه سبع شقيقات ولايوجد رجل غيره في البيت”. قال بسرعة ” أنا أحد أقربائهم ..جئتُ إلى بيتهم قبل أيام” . حينما وضعوا ” وردة ” في السيارة ذهب معها أمجد وزوجته وخالدة. لم يدخل طارق أي غرفة ظل واقفاً في الباب الخارجي للدار. حاولت سعاد أن تقنعه بالدخول ولكنه صرخ قائلاً ” إتريكينني هنا أرجوك..لا أستطيع الدخول لحين عودتها..سأقتل نفسي إن حدث لها شيء..أنا مكروه أينما أذهب تحل اللعنه..لقد جلبتُ لكم الشؤوم والنحس”. صرخت به سعاد ” لا تحاول أن تمثل دور المتعب..أنا مثلك كنت أركض خلفك وأنا أحمل الرشاشة…لم ترني لأنني سلكت طريقاً آخر..أكاد أموت من التعب.. كنتُ قلقة وخائفة جداً عليك… لم أفكر بمرض ” وردة” بقدر تفكيري بعودتك وسلامتك.. كنت مستعدة لقتل أي شيء يقترب منك..حينما رجعت السيارة إليك على الطريق السريع كنت متهيأة لأطلاق النار على السائق لأي حركة يقوم بها..كنت خائفة جداً من قطاع الطرق..أنا أكثر منك مرهقة…كنت أحميك من الخلف..كان واجبي الحماية للمقاتل في الظلام”. رجعت إلى الوراء بأتجاه البيت وهي تبكي بصوت مرتفع.
كانت سعاد تجلس في المطبخ أمام المنضدة الكبيرة ألأنيقة التي صنعها طارق قبل عدة أيام في حين جلست كل من سميرة وسارة وضحى صامتات حزينات ينظرن بين الحين وألآخر إلى كل من سعاد وطارق لايعرفن ماذا يقلن أو عن أي شيء يتحدثن. كان الجو كئيباً وصوت الريح يعصف بالنوافذ من كل ألأتجاهات. أراد طارق أن يُلطف الجو قليلاً لذلك صاح بصوتٍ مرتفع” وحدوه..وحدوه..” صحن جميعاً ” لاإله إلا الله..محمد رسول الله”. إبتسمت سميرة وهي تنظر إلى سارة. قال طارق” هل نأخذ درس الآن أم ننتظر الطالبات لحين العودة” قالت سعاد ” بالله عليك كف عن المزاح..سأموت من الحزن على وردة ليس لدي أي مزاج لأي درس”. نظر طارق إلى سارة وهو يقول ” سارة.. هناك بعض الناس يتصورون أنهم الوحيدين الحزينين في هذا العالم.. هناك فئات بشرية في هذه الساعة يعانون من مشاكل وأحزان لايمكن وصفها.. هناك ناس في هذه اللحظة يتمنون أن يجدوا أي شيء يأكلونه لأنهم فقراء.. وهناك ناس في هذه اللحظة يتمنون أن تنير الكهرباء بيوتهم كي يستطيعوا عمل أي شيء.. وهناك ناس في هذه اللحظة يعانون من أمراض قاتلة يتمنون الموت كي يتخلصوا من ألامهم.. وهناك ناس يتمنون أن يتنالوا قطعو واحدة من الحلويات لأنهم مرضى بالسكر..وهناك وهناك ..ناس يركضون في الظلام يحملون الرشاشة خلفي وأنا لا أدري ..لماذا يفعلون ذلك؟ هل أنا صغير ..أم اخاف في الطريق المظلم؟ لو عرفت بأنهم خلفي لغضبتُ كثيراً” نظرت إليه سعاد دون أن تقول أي شيء وهزت يدها . قالت سارة ضاحكة ” وهناك ناس راحوا يصرخون على أمجد حينما خرج بعض الناس في الظلام ليجلبوا سيارة..سأذهب خلفه..قد يكون في حاجةٍ ماسه لشيء..وهناك بعض الناس لم يقبلوا في البداية خوفاً على بعض الناس .. ولكن هناك بعض الناس أخرجوا الرشاشة وتمنطقوا بصف من الرصاص وأنطلقوا في الظلام خلف بعض الناس..لا أعرف هذا النوع من العمل..لم أقرأ هذا في أي رواية..هل هو الحب ألأخوي أم شيء آخر..عجيبٌ لبعض الناس يفعلون أشياء غير منطقية..في نظر بعض الناس هو عين الصواب ولكن في نظر بعض الناس هو الجنون في عينه..ما هو رأي بعض الناس في هذه النظرية في هذا الجو العاصف ونحن ننتظر عودة بعض الناس لنأخذ أي درس؟” صاحت سميرة ” واو..أصبح بعض الناس فلاسفه لأنهم راحوا يتحدثون عن أشياء لايعرفها بعض الناس..ماهذا هل نحن في حوار الطاولة المستديرة التي يديرها بعض الناس..إن هذا لشيء عجيب يقوم به بعض الناس” وراحت تضحك بصوتٍ مدوي. صمتوا جميعاً بعض الوقت ومن ثَم قال طارق” بالمناسبة ..سارة..سمعت أنك قرأتِ عدة روايات ..ماهي هذه الروايات؟”. نظرت إليه وقد إتقد وجهها إشراقاً أحست أن شخصاً ما في هذا الكون يريد أن يدخل عالمها الخيالي الوردي..أصابها الحياء في بداية ألأمر بيدَ أنها تشجعت وراحت تذكر له قسماً منها ” لم أقرأ كثيراً ولكنني قرأت بعضاً من روايات أحسان عبد القدوس مثل…الطريق المسدود, في بيتنا رجل, البنات والصيف, اللون ألأحمر, علبه من صفيح, لن أعيش في جلباب أبي, وغابت الشمس, أنف وثلاث عيون, ثقوب في الثوب ألأسود, الحياة فوق الضباب,العذراء والشعر ألأبيض, النظارة السوداء, , أين عمري, حائر بين الحلال والحرام, رائحة الورد وأنوف لاتشم,زوجات ضائعات,سيدة في خدمتك, قلبي ليس في جيبي, كانت صعبة ومغرورة” صمتت قليلاً ثم أردفت قائلة ” قرأت بعض الروايات المترجمة مثل مغامرات كارلا, إمرأتان, الشيخ والبحر, قصة مدينتين, أنا وهو, عذاب الحب, عشيق الليدي جارلي, أبناء وعشاق, عمال المناجم, وبعضها لم أعد أتذكرها”. صاح طارق ” واو.. كل هذه الروايات ..لابد أنك كنت تعيشين في خيال لاينتهي”. صمتت قليلاً ثم أردفت قائلة ” كنت أطمح أن أنهي أي جامعة تعني بشؤون ألأدب كي أواصل دروسي في هذا المجال ولكن ظروفي الخاصة وموت إبن عمي مزق روحي وجعلني لا أطيق المدرسة..من يدري ربما أستطيع يوماً ما أن أدرس في مدرسة مسائية أو خاصة وأصبح كاتبة..سأكتب عن عن ألألم في كل ميادينه.. الحمد لله في الوقت الحاضر لدي شقيقات وشقيق رائع يجلب أي رواية أطلبها ولو أنه أحياناً يقول لي بأن هذه الروايات سوف تسلخني عن الواقع الذي أعيش فيه وتحول حياتي إلى جحيم من نوع آخر…لا أهتم لكلامه..كلما بدأت في قراءة رواية أشعر أنني أعيش في عالمٍ جميل….”. نظر إليها بأحترام كبير وهو يقول” من يدري قد تكتبين يوماً ما رواية تحصلين عليها جائزة نوبل..ليس ذلك ببعيد..ليس كل من أنهى الجامعة يستطيع أن يكتب رواية..القراءة المتواصلة قد تجعل منك أفضل كاتبة في هذا الكون..صديقيني أنتِ فتاة رائعة وقد تصلين إلى هدفك يوماً ما..حينما تصبح لدي نقود كثيرة سأجلب لك كل الروايات المتوفرة في السوق المترجمة والعربية.” نظرت في أعماق عينيهِ وهي تقول ” إذا كتبت يوماً ما أي شيء فسوف أهديه لك أنت بالذات لأنك تستحق كل الخير..لكنك لم تقل لنا أي رواية قرأت؟”.
نظر نحو النافذه التي كانت تتحرك بسبب الريح القوية. سكت قليلا ثم قال” بالحقيقة لم أقرأ كثيراً من الروايات ولكنني قرأت أغلب أعمال أرنست همنغواي..بعضها مترجم والبعض ألأخر بلغتها ألأصليه..منها ” في وقتنا وهي قصص قصيرة, سيول الربيع, الشمس تشرق أيضاً, رجال بلا نساء, وداعاً أيها السلاح, الطابور الخامس, الموت بعد الظهر, الفائز لاينال شيئاً, تلال أفريقيا, أن تملك وأن لاتملك,لمن تُقرع ألأجراس, رجال عند الحرب, عبر النهر عند ألأشجار, الشيخ والبحر, القتلة, وبعضاً من الروايات ألأخرى المتنوعة بعضها عربي مثل زقاق المدق. وأشياء لا أ تذكرهن..”. صاحت سعاد ” الشيخ والبحر شاهدته قبل سنوات في التلفاز ..كان مجرد شيخ في البحر” وراحت تضحك. نظر إليها بجدية وهو يقول” بالنسبة لي هذه الرواية عظيمة وهي …. تجسد مبدأ صراع الإنسان مع الحياة وذلك من خلال سردها لتجربة حدثت مع صياد عجوز يدعى سنتياجو مصاب بسوء الحظ، فهو لم يصطد أي سمكة منذ أربعة وثمانين يوماً. وقد ظل ولد يساعده لكن أبويه منعاه من أن يخرج مع الرجل العجوز، لذلك كان الرجل العجوز وحيداً حين خرج مبكراً ذات صباح في تيار الخليج الذي يتحرك فوق جزيرة كوبا. عند الظهر تقريباً، اصطاد سمكة مارلين ضخمة سحبت قاربه إلى الشمال والشرق لمدة يومين وليلتين. ثم تعلق بالخيط الثقيل مضاهياً بقوته وتحمله قوة وتحمل السمكة. وفي اليوم الثالث يجذب سمكة المارلين نحو السطح ويقتلها بحربته، ثم يربطها على طول قاربه، وينشر شراعه الصغير ويبدأ رحلة العودة الطويلة حيث تنقض أسماك القرش لتمزيق لحم السمكة ويحاول هو أن يقاتلها ويبعدها، ضارباً بالهراوة وطاعناً إياها فيتهشم مجذافاه و دفة القارب. وحين يعود ليرسو في المرفأ، لا يكون قد بقي شيء من السمكة سوى رأسها والهيكل العظمي والذيل. ثم يرسو بقاربه مبقياً على هيكل السمكة مربوطاً به. يصل إلى كوخه، منهك القوى. يحضر الولد في الصباح، ورغم سوء حظ الرجل العجوز يكون متلهفاً للخروج معه للصيد ثانية، فهو سيجلب له الحظ كما سيتعلم منه الكثير. الشقوق التي في يد الرجل العجوز – من جراء سحب السمكة تمثل الصراع الحقيقي للأنسان وأن لايستسلم أمام الصعاب والمشاكل التي تواجهه كل يوم..هي تمثل صبر ألأنسان وقوته في تحمل الكوارث التي تواجهه وأن لايستسلم من أول فشل قد يصيبه أو مرض عزيز..الصبر..التحمل..ألأصرار..التحدي قد يصنع المستحيل”.
نظرت إليه سعاد بأعجاب وهي تقول ” لقد إعتقدت في البداية أن هذا الفلم تافه لايوجد فيه أي إثاره..ألآن فهمت كم هو عميق….أنت تقول أن الصبر والتحمل وألأصرار يصنع المستحيل..هل يمكن أن أتقن القراءة والكتابة وأن أقرأ كل روايات ساره إذا صبرت وتحملت وجاهدت أم أن هذا مجرد إنشاء يقوله الناس؟” إبتسم لها بهدوء وراح يسبح في بريق عينيها. تأمل لهفتها الطفولية لأتقان القراءة والكتابة. قال بجدية ” صديقينني ..إذا كنتِ جدية في عملك ستقرئين مثلي وربما أحسن مني.. ستكتبين .. ستكونين كاتيه.. إذا كانت لديك الرغية الجامحة والتحمل وعدم اليأس.. هذه هي الحياة ..من يعمل أكثر يحصل على أكثر..طالما أنا على قيد الحياة سأبذل المستحيل لجعلك ..من أفضل القراء..لستِ أنتِ فقط ولكن كل من تريد ذلك.. أمامنا الحياة كلها..بالنسبةِ لي لن أترككن إلا حين أموت..” صاحت سميرة ” بعد الشر عليك..نموت كلنا على أن لاتموت” وراحت تمسح دموعها. حينما إقتربت الساعة من الثانية ليلا قال طارق ” يجب أن ننام.. يبدوأ أنهم سيبقون هناك..” نهض دون أن يلتفت وهو يقول ” تصبحن جميعاً على خير “. حاول أن يخلد إلى النوم ولكن دون جدوى. كانت ألأفكار الكثيرة تهبط عليه من كلِ حدبٍ وصوب. في اللحظةِ التي شعر فيها أن جفناه أصبحتا ثقيلتان سمع صوت سيارة تقترب من البيت. قفز من فراشه متجهاً صوب الباب الخارجي. كانت زوجة أمجد تمسك ناهدة من يدها في حين ظهر ألأرهاق على وجه المريضة. لم يقل أي شيء سوى ” نحمد الله على سلامتك”. نظرت إليه ناهدة مبتسمة وهي تقول ” لا تخف لن أموت”. كان أمجد يحاول أن يجبر السائق وزوجته للدخول إلى البيت ولكنهما أصرا على الذهاب لبيتهما. حاول أن يستفسر من أمجد عن هؤلاء الناس ولكنه أخبره بأنه سيقول له كل شيء فيما بعد. جلسوا جميعاً قرب سرير ناهدة التي إستعادت صحتها بعض الشيء. إندفعت زينب – زوجة أمجد قائلة ” الحمد لله يبدو أن حالتها بسيطة وقد أكد الطبيب أنه لايوجد شيء يدعو للقلق سوى أنها تحتاج إلى الراحة بعض الوقت.” مضت الليلة على خير ما يرام فقد كان الجميع فرحاً بعودة المريضة سالمة. في صباح اليوم التالي عند الثامنة صباحاً وقفت سيارة بيك أب عند بوابة الدار وترجل منها رجلاً في الخمسين من عمره وراح يطرق الباب طرقاتٍ متتالية وكأن هناك ثمة شيء يلوح في ألأفق. ركضت سعاد صوب الباب وفي غضون دقائق قليلة رجعت صوب طارق كي تخبره أن هناك رجلاً يريد التحدث إليه. نظر نحوها بقلق وهو يقول ” كوني مستعدة بسلاحك من يدري قد يكون خطراً ..إذا صرختُ بكلمة
خطر إطلقي النار فوق الرجل وإذا وجه سلاحه نحوي إطلقي الرصاص عليه مباشره.” قالت على الفور ” لاتهتم ..أنا متهيأة لكل طاريء ساكون بقربك لقد خبأتُ المسدس تحت عبائتي ..تعال لنرَ ماذا يريد” . في اللحظةِ التي خرج فيها طارق قال الرجل ” لدينا ماكنة حراثة معطلة على بعد عدة كيلو مترات من هنا هل يمكن أن تلقي عليها نظرة؟ لقد قرأتُ ألأعلان في بداية الطريق – حيث كُتِب هناك ورشة سعاد الميكانيكية – أنا أبا علي صاحب ألأرض القريبة من أرضكم أتمنى أن تتمكن من إصلاحها لأننا في حاجةٍ شديدة لها هذا اليوم..لن نختلف على سعر الصيانة والتصليح “. نظر طارق نحو سعاد وكأنه يريد أن يستشيرها في ألأمر. دون تفكير قالت ” حسناً سأحضر ألأدوات ونذهب سوية وأتمنى أن تكون المهمة سهلة” . في الطريق الترابي المتعرج كانت السيارة تتمايل ذات اليمين وذات الشمال في حين راح الرجل يتحدث بلا إنقطاع. كان طارق يجلس إلى جانبه بينما جلست سعاد في المقعد الخلفي . ” لقد توقف محرك ماكنة الحراثة فجأةً ..لدينا عمل كثير ..لاأدري كيف سيكون الموقف إذا لم تعمل الماكنة هذا اليوم؟ ” قال الرجل تلك العبارة وهو ينظر إلى طارق. إندفعت سعاد قائلة ” سيكون ألأمر على مايرام بأذن الله..المهندس طارق لديه خبرة عالية في تصليح كافة السيارات وستكون المهمة سهلة ” إلتفت طارق صوبها وقد ظهر على وجههِ نوعاً من السرور لأنها كانت تمتدحهُ بطريقةٍ لطيفة. من خلال الحوار الذي كان يدور بينهُ وبين السائق عرف أنه يسكن في المنطقة القريبة من منطقتهم . راح طارق ينظر إلى الطرف البعيد من ألأرض مطلقاً العنان لأفكارهِ المشوشة في تلك اللحظة. دون تفكير سأل السائق الذي كان يركز على الطريق الممتد أمامه ” عفواً أيها العم ..منذ متى وأنتم تسكنون هذه ألأرض؟ ” . نظر الرجل إليه وهو يسحب نفساً عميقاً ” الحقيقة أنا لاأعرف بالضبط متى جئنا إلى هذه ألأرض ولكنني منذ أن أبصرت النور وجدت نفسي أعيش فيها مع أمي وأبي وأشقائي. كانت أمي تقول بأن جد جدي قد سكن هذه ألأرض عن طريق الصدفة . أرض شاسعة لا أعرف إلى أين تنتهي. لم أستطع إستغلالها جميعاً بسبب شحة الماء فيها. حفرنا عدة آبار ولكنها لاتصلح للشرب أو لسقي المزروعات المختلفة. لاأدري لماذا لاتهتم بنا الدولة؟هذه ألأرض بأمكانها أن تغطي كل إحتياجات البلد من المحاصيل الزراعية لو توفر لها الماء.” سكت قليلاً ثم أردف قائلاً ” بأمكان الدولة أن تشق نهر صغير من ” دجلة” يمكن أن يغطي كل المساحات الشاسعة هنا ولكن لا أحد يعير هذه القضية أي أهمية…ملايين الدولارات تُهدر كل يوم ما بين الرشوة والسرقة وألأختلاس والنهب والسلب ولكن ما الفائدة…لا أحد يعرف أن هنا أرضاً طيبة تعاني الجفاف . تلاقح المصالح المختلفة وألأهداف ألأخرى المرسومة لتدمير البلد إقتصادياً هي التي دفعت جهات معينه لنسيان هذا الموضوع. اليس من العار أن نستورد كل الخضراوات من الدول المجاورة في حين أنني لوحدي مع عائلتي نستطيع أن نغطي كل إحتياجات السوق من الخضراوات المختلفة. كلما ذهبنا للحديث مع مسؤول معين يقول لنا بأن هذه ألأرض موضوعة ضمن الخطة المستقبلية ولكن دون جدوى …تمضي ألأيام والسنين دون أن يحدث أي شيء…مجرد كلمات على ورق.” إستل سيكارة ودون أن يقدم واحدة لطارق راح يرتشفها بنهم مما جعل سعاد تفتح النافذة على الرغم من برودة الهواء النافذ إلى داخل السيارة. عاد للحديث ” الغريب أن أكثر الشباب في المنطقة بدؤا يكرهون العمل في الميدان الزراعي وتوجهوا للعمل في المدينة . ”
يتبع …..




الكلمات المفتاحية
ثامر مراد حب ينهض زمن الخوف

الانتقال السريع

النشرة البريدية