الأحد 07 آذار/مارس 2021

حب ينهض في زمن الخوف – 3

الأربعاء 06 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

حب ينهض في زمن الخوف – 3 – كان طارق يرتعش من كل كلمة تصل إليه من تلك المرأة التي عاشت حياتها معذبة ..حاول أن يقول أي شيء بيدَ أن الكلمات كانت لا تستطيع الظهور من بين شفتيه المرتعشتين . كان ينظر إليها بين الحين والآخر وخفقان قلبه يزداد بشكل مضطرد. دون تردد قال ” هذه هي الحياة كما قال أمجد …مزيج من الحزن والفرح ولكن ليس أمامنا سوى مواصلة الحياة. توجد هناك حكايات في بلدنا أبشع من حكايتك وحكايتي …ماذا نستطيع أن نفعل سوى ذرف الدموع؟ المهم أن نواصل الحياة لحين الرحيل إلى العالم الآخر. لاتهتمي لديك أشياء كثيرة هنا تستطيعين من خلالها نسيان الألم والمعاناة…لديك هذه ألأرض الطيبة وهذه العائلة الرائعة يمكن أن تنذري نفسك من أجلها..مع هذا سأكون لكِ شقيقاً يساندكِ في السراء والضراء . أنتِ رائعة ولك قدرة جبارة لخلق أشياء كثيرة مفيدة. هل تعرفين لماذا اخترتك من بين شقيقاتك للعمل معي هذا الصباح؟” . نظرت إليه وقد ظهر بعض الانشراح على وجهها. شعرت أن هناك املاً ضيئلاً يلوح في الأفق. كان قلبها قد بدأ يخفق من جديد كأن هناك شيئاً ما كان خاملاً فيها بدأ بالنهوض. قالت بسرعة كطفلة تريد الاستحواذ على شيء بعيد المنال ” لماذا..لماذا؟” . نظر في أعماق عينيها وهو يقول بهدوء ” شاهدتك في إحدى المرات وأنت تغيرين عجلة سيارة زينب ..كنت نشطة جداً وكأنكِ إعتدتِ على هذا العمل مرات عديدة..كانت زينب تركض هنا وهناك حينما تأمرينها بجلب شيئاً ما..قلت مع نفسي كم أنك رائعة ونشطة..كنت أحلم وأقول نستطيع أنا وأنت أن نفتح ورشه لتصليح السيارات في مكانٍ ما من هذا العالم ..سنحصل على أموال طائلة….”. ضحكت ضحى بأعلى صوتها وهي تقول ” سأكون صانعه معكما..ولكن مقابل ثمن..أريد أن أشتري ذهباً كثيراً…” . نظر إليها برقة وهو يقول ” على شرط أن يوافق أمجد…..سترين أنني لن أمزح” .
في اللحظة التي أنهى فيها تثبيت أخر برغي قال بحزن مفتعل ” نحتاج الآن إلى كمية من البنزين لنجرب هذه المولدة فيما إذا كانت تعمل أم أن جهدنا ذهبَ هباءاً منثورا” . نهضت ضحى بنشاط وهي تقول ” بسيطة ” ركضت نحو سارة وبعد قليل عادت وهي تحمل خمسة لترات من الوقود. كانت سارة تسير خلفها وهي تقول ” جئت لأرى سير العمل..” راح طارق يمليْ خزان المولدة بسرعة وقلبه يرتعش من القلق. في اللحظةِ التي سحب فيها عتلة المولدة إنطلق صوتها يهدر في الفضاء الفسيح. قفز ناحية ضحى ..حملها بين ذراعيه وراح يرقص معها طرباً قائلا” نعم..نعم.. لقد أثمر جهدنا..سنصلح الباقيات كلهن..لن تنطفيء الكهرباء في هذا البيت بعد الآن”. كانت ضحى تضحك بصوتٍ طفولي وتقول ” سأصاب بالدوار..أنزلني من فضلك” وضعها على ألأرض بطريقةٍ عفوية دون أن يهتم لضحكات سميرة وسارة. عند الساعة الرابعة عصراً كان قد أصلح الثانية. جاءت سارة وهي تقول ” كفى عملاً هذا اليوم ..عادت كافة العاملات من الحقل ويطلبن الطعام تعالوا معي ” . كانوا فرحين وهم يتناولون طعامهم. ..كان يضحك ويأكل بشراهة. نظر إلى سعاد وهو يقول ” لقد تأخر أمجد كان من المفروض أن يكون هنا في هذا الوقت.” في هذه اللحظة سمعوا صوت سيارة زينب تقترب من البيت. حينما دخلت المطبخ قالت ” سأموت من الجوع. سيتأخر أمجد قليلاً لقد أشترينا لك كمية كبيرة من الأخشاب. هو في سيارة الحمل على الطريق السريع. طلب مني أن أذهب قبله كي أخبركم جميعاً لتكونوا مستعدين لتفريغ الحمولة عند وصوله” . كانت قد جلست على ألأرض قرب سعاد بملابس العمل وراحت تتناول طعامها على عجلٍ من أمرها. صاحت ” وردة” – ولكنك لم تغيري ملابسك ولم تغسلي يديك” قالت زينب وهي تمضغ لقمتها ” لا يهم في المرة القادمة أغسل يدي ..الآن أنا أتضور جوعاً..لا عليك لن أمرض..” . ضحكوا جميعاً وهم يتسابقون في تناول الطعام. بعد قليل نهض طارق وهو يقول ” سأنتظره خارج البيت” حاولت سعاد أن تجعله يكمل طعامه ولكنه أصر على الخروج. في اللحظة التي وصلت فيها سيارة الحمل بدأت السماء تمطر مطراً غزيراً. ركض أمجد نحو شقيقاته يطلب منهن مساعدة طارق في تفريغ الحمولة. حينما أصبحن قربه صاح طارق” فليرجع الجميع إلى البيت..سأفرغ الحمولة وحدي..” حاولن أن يرفضن أمره ولكنه صرخ بأعلى صوته ” لا أريد أي واحدة قربي..أرجعوا جميعاً حتى أنت يا أمجد بالله عليك أطلب منهن أن يعدن…” كان سائق الشاحنة يجلس خلف المقود وكأن الأمر لايعنيه. وقف أمجد تحت السقيفة القريبة مع شقيقاته في حين راح طارق يركض هنا وهناك وهو يفرغ الحمولة بنشاط تام. كان المطر يغطي جسده ويسقط على وجهه كصنبور ماء . هنا إنطلقت سميرة راكضة وهي تقول ” سأساعده..لا أريد أن يأتي أحد..” حاول أن يدفعها بقوة ولكنها مسكت يده بطريقة عنيفه وهي تقول ” لا عليك.. لن أعود..أنا شريكتك في العمل ..عار عليَ أن أعود حتى لو كانت السماء تُسقط رصاصا وليس ماء..سأشاركك في ورشة العمل يوماً ما”. وقف ينظر إليها بإعجاب في حين راحت هي تحمل الأخشاب بقوة عجيبة. حينما غادرت السيارة المكان كانت الأخشاب قد صُفت بطريقة متناسقة خلف باب البيت الخارجي. ركضت ساره تجلب منشفه وهي تقول ” خذ ..تعال هنا تحت السقف..جفف شعرك ستصاب بالزكام “. بعد تناول طعام العشاء في حدود الساعة العاشرة ليلاً قال طارق” سعاد..هل يمكن أن أطلع على غرف البنات؟” دون الاستفسار عن السبب صاحت سعاد ” كل واحدة تذهب فوراً و ترتب حاجياتها” . إنطلقن نحو الغرف . جاءت ” وردة” وهي تقول – الغرف جاهزة للتفتيش”. نظر طارق نحو ساره قائلا” إجلبي دفتر وقلم فوراً” . ركضت نحو غرفتها . بدأ بغرفة سعاد وسميرة . كانتا تسكنان غرفة واحدة. أخذ ينظر في كل زاوية من زوايا الغرفة . كان هناك دولاباً قديما وسريرين منفصلين. تقدم نحو إحدى زوايا الغرفة وراح يقيس مسافة معينة وهو يطلب من سارة أن تدون ما يطلب منها. في غضون ساعة كان قد أتم جميع الغرف. عادوا للجلوس في المطبخ لاحتساء الشاي. كان ينظر نحو القياسات بتمعن . قال موجهاً الخطاب إلى سعاد ” هل يمكن أن تكون سميرة معي غداً..لدي أعمال كثيرة..أريد عاملة واحدة فقط”. لأ أحتاج ضحى من الناحية العملية ولكن إذا لم يكن لديها عمل مهم في الحقل يمكن أن نستفيد منها . صرخت ناهده ” ولماذا ضحى ؟. أستطيع أن أحل محلها.” إبتسم وهو يقول ” لايهمني من تكون العاملة ..المهم..العمل..هذا الأمر متروك للسيدة الدكتورة أقصد سعاد”. قالت سعاد بمرح ” حسناً ستكون معك سميرة في أعمال النجارة والحدادة وأي شيء آخر يتطلبه واقع العمل الذي تريده على أن تكون معك كل يوم واحدة مختلفة لضمان العدل ..وتكون أيضاً فرصه للحصول على خبرة لباقي الفتيات..من يوافق يرفع يده” . نظر الجميع إليها بأنشراح وصاحت ” وردة” – عين الصواب -.
في تلك الليلة نام طارق سعيداً جداً . كان يحلم بمشاريع كثيرة يستطيع القيام بها هنا في هذه ألأرض يمكن أن تدر عليه أموالاً طائلة. في صباح اليوم التالي وبعد تناول الفطور الصباحي طلب طارق من سعاد أن تخصص له مساحة بسيطة من الأرض ملاصقة للبيت من الخارج ودون أن تسأله عن السبب راحت تذرع ألأرض وهي تقول ” هذه خمسون متراً مربعاً لك إفعل بها ماتشاء ولكن إذا كان في ذهنك السكن خارج البيت فهذا لن يكون هل تفهم؟” نظر إليها بمرح وهو يقول ” هل تعتقدين أنني أستطيع مفارقة الدكتورة لحظة واحدة….لا..لن أسكن في أي مكان إذا لم تكوني أنتِ معي…أنت جعلتِ ذراعي تشفى وقدمتِ لي كل شيء..” . وقفت تنظر إليه بذهول لكلامهِ الجميل ثم قالت ” هل تعني ما تقول أم تتركنا حينما يشتد عودك وتذهب إلى سبيلك؟” . نظر إليها برقه وأطلق زفرة عميقة . قال بسرعة ” بعد العشاء سنبدأ المدرسة لا أريد أي أعذار للتغيب؟” إبتسمت قائلة ” إن شاء الله..كنت أعتقد أنك نسيتَ وعدك بتعليمنا” . حينما ذهبت الفتيات للعمل في الحقل طلب من سميرة وناهدة الاستعداد للعمل الشاق هذا اليوم. إرتدت سميرة ثياب العمل الذي اعتادت على ارتدائه كل يوم حينما تذهب لسقي الأرض الممتدة على طول البصر وكذلك فعلت ناهدة. في البداية أخبرهما أنه سيبني سقيفة منتظمة تكون ورشة عمل لأي شيء يخص البيت من أعمال متنوعة بدلاً من إستخدام سطح البيت. كانت سميرة تعمل بكل طاقتها أما ناهدة فقد واجهت صعوبة في بداية الأمر ولكنها اعتادت على العمل بعد ساعة أو أكثر. حينما وقف طارق ينظر إلى البناء بسعادة تامة قالت سميرة ” حقاً إنه عمل هندسي رائع”. طلب منهما أن يجلبا بقية الأخشاب إلى داخل السقيفة الجديدة.في اللحظة التي تم فيها وضع كافة الأخشاب بطريقة متناسقة قال ” ناهدة ..هل يمكن أن تذهبي وتجلبي لنا قليلاً من الشاي ..أنا أتضور لهفه لقدح واحد من الشاي” . اندفعت سميرة قائلة ” أنا سأذهب لعمل الشاي لأنني متخصصة في هذا النوع من العمل.”. جلس طارق على قطعة كبيرة من الخشب وراح يدرس القياسات التي كان قد دونها ليلة أمس. جلست ناهدة على قطعة أخرى صامتة تنظر إلى الأفق البعيد. دون أن تنظر إليه بدأت تتحدث بشرود ذهني غير مهتمة لوجوده أبداً ” هل تعرف أن مجيئك إلى بيتنا قد أعطى لحياتنا طعماً جديداً. كنا مجرد مخلوقات أنثوية بشرية تتحرك بطريقةِ رتيبة ..نخرج في الصباح ونعود عند المساء كأننا في حلقة مفرغة لانفكر بأي شيء سوى الأكل والنوم وجمع النقود من العمل الشاق. كان لدي ذهب كثير ..أحياناً أنظر اليه وكأنه مجرد أحجار ليس لها قيمة. لا أعرف ماذا أفعل به؟ هل أبيعه أم أحتفظ به؟ لم أرَ المدينة إلا مرات قليلة جدا ..ليس لدي أي فكرة عن الحياة هناك وكيف تعيش الفتيات. لا أعرف أنواع الملابس الجميلة سوى هذه الملابس السوداء التي نرتديها هنا في الحقل. لا أهتم للملابس الجديدة..ماذا أفعل بها وأين أرتديها ولمن أرتديها؟ حينما كانت تقرأ لي ساره بعض القصص أبقى أفكر بمصير البطلة التي كانت تعاني كثيراً مع حبيبها ..أحياناً أستهزأ بها وأقول كم هي ضعيفة وأحياناً أحقد على البطل..أحياناً أتصور نفسي البطلة وأتعاطف مع الفتاة بشكل كبير لدرجة أنني أذرف الدموع عليها. ولكن في النهاية هي مجرد حكاية وهمية ليس لها وجود على أرض الواقع. أحياناً أفكر في حالي وأقول – من سيتزوجني؟ ولماذا يتزوجني؟ أنا لا شيء سوى فتاة أمية جاهلة لا تعرف أي شيء في الحياة ..حسناً لدي بعض النقود ولكن هل يمكن أن يتزوج الفتى فتاة لمجرد أنها تملك النقود .. وإن فعل هذا فهو فاشل خالِ من المشاعر والأحاسيس. حينما أصر أمجد على الزواج من زينب كنت أتصور أنه مجنون بكل معنى الكلمة..لماذا يدفع كل هذه الأموال لمجرد العيش مع فتاة؟ كان بإمكانه أن لا يدفع سوى الشيء البسيط ويحصل على فتاة أجمل منها بكثير وتنجب له الأبناء. في عشيرتنا فتيات أجمل منها وأغنى منها ولكنه جعلنا ندفع كل شيء كي يعيش معها. لقد منحته كل الذهب الذي كنت أملكه من عمل شاق لا ينتهي وبالنهايه خسرتُ كل شيء. حينما قال لي يوماً ما- عندما أراها أشعر أن العالم يرقص طرباً وأشعر أن الشمس غير الشمس التي أراها كل يوم ..وأن قلبي يكاد يخرج من بين ضلوعي..عرفتُ أنه يحبها حقاً ..هل صحيح أن الذي يحب شخصاً لايرى فيه سوى الحسنات؟ بالنسبةِ لي أنا خارج الزمن..سأبقى هكذا إلى أن أموت…أنا مصابه بضيق التنفس منذ الصغر.. أحياناً أشعر بالاختناق حينما يكون الجو مترباً..من سيتقدم للزواج من فتاة لا تقرأ ولا تكتب ومصابه بهذا المرض…لو كنت متعلمة لجمعت نقوداً كثيرة وذهبت إلى خارج البلد للعلاج ومن يدري ربما أجد شخصاً يحبني في بلدٍ آخر ولكن كل شيء مستحيل..لا توجد أي ظروف جيدة في صالحي” .
شعر طارق أن سهاماً نارية تخترق أحشائه لكل كلمة كانت تصل إلى مسامعه. كان يتصور أن هذه الفتاة لاتعرف أي شيء عن الحياة سوى التفكير بجمع المجوهرات من عملها في الحقل. كم كان بعيداً عن جادة الصواب. إزداد احترامه لها. دون أن يرفع نظراته عن الورقة التي كان يدرسها قال بجدية” من قال لك أنتِ لاشيء..على العكس أنتِ كل شيء..أنت تقومين بعمل عظيم كل يوم .من قال لك أن الفتاة التي لاتعرف القراءة والكتابة لاتستطيع أن تفعل أشياء عظيمة. أمي لم تكن تعرف القراءة والكتابة ولكنها ربتنا أحسن تربية ومنحتنا الكثير..الفتاة أو المرأة هي أنسانه سواء كانت متعلمة أم غير ذلك من يدري قد تفعل الفتاة غير المتعلمة أشياء لا تستطيع أن تقوم بها الفتاة المتعلمة. لازلتِ صغيرة وأمامك طريق طويل تستطيعين أن تنجزي أشياء عظيمة. فيما يتعلق بالقراءة والكتابة ..يمكن أن تعتبري نفسك قد تعلمتي طالما أنا على قيد الحياة ولكن هل يمكن أن تواصلي الإنجازات ما بعد التعليم. يوجد شباب كثيرون أنهوا الجامعة ولكنهم الآن لا يملكون ربع ماتمليكه من النقود..درسوا وتعلموا وهم ألان على قارعة الطريق يستجدون الآخرين..سأبذل أقصى جهودي لتعليمكن حتى لو بقيتُ سنوات. سأعلمك حتى الدروس التي درستها في كلية الهندسة..سأجعل منك مهندسة بدون شهادة رسمية..فقط أمنحيني الوقت. ليس لدي شيء أفقده بعد ألأن لقد فقدتُ شقيقتي وأمي وأبي وبيتنا..أنا الآن أشبه الأسير في دولة أجنبية ..لا يوجد لدي الآن أي شيء سوى الوقت الطويل الذي سأمنحه لكم جميعاً مقابل الطعام والشراب والمنام. سأكون فخوراً بكم جميعاً بعد عشر سنوات حينما أكون قد أنجزت مهمتي بجدارة هنا..من يدري قد أعود إلى بيتنا يوماً ما وأعيد بناءه من جديد..من يدري قد أجد فتاة أو إمرأة تشاطرني بيتي هناك..أما الآن ..لاتفكري بأي شيء سوى العمل..لأن العمل هو الحياة ..العمل المتواصل الجدي المثمر يمنحك دافعاً للحياة..هل تتصوري كم أصبحتُ سعيداً حينما جلب لي – شقيقي أمجد – هذه ألأخشاب سأعمل المستحيل لأنجاز شيئاً مفيدا لكم وللمجتمع بصورة عامة…علمتني سميرة شيئاً لم أجده في كل الكتب العلمية التي قراتها في الجامعة. قالت لي أمس ” . من يدري قد تُبدع هنا وقد تفعل شيئا ربما لا تستطيع أن تقوم به هناك في المدينة. فقط كن صادقاً مع نفسك ومع الآخرين وسترى ماذا يتحقق لك وللمحيط الذي تعيش فيه”. هذه الكلمات أعادت لي الحياة حقاً . هذه الكلمات ستكون الحكمة التي أسير عليها طيلة حياتي. سميرة إمرأة قوية على الرغم من ألألم الذي تعيش فيه. ..هي إمرأة عظيمة حقاً” .
حينما وصلتْ سميرة وهي تحمل الشاي نهض طارق ليساعدها في وضع الأواني على الأرض قالت بسعادة ” أيها المهندس ماذا سنعمل بعد تناول الشاي؟” قال بفرح ” الله ..مأجمل هذه الكلمة – مهندس – لم يقلها لي أي إنسان من قبل. مضى على تخرجي ثلاث سنوات ولم أسمع أحد يطلقها علي. تصورت أنني سأفقدها إلى الأبد. كنتُ من ألأوائل ولكنني لم أجد عمل لحد ألآن..كلما ذهبت لتقديم أوراقي يقولون لي – كم تدفع؟ أو من تعرف في الوزارة؟- شيء مقرف هذا الذي نعيش فيه بعد التغيير. كم مهندس مثلي عاطل عن العمل؟ المئات لا بل الملايين لو أنهم يعملون ألآن لكان حال البلد شيء آخر. حسناً إنهم لايريدونني أن أعمل في الدولة.. سأعمل هنا وأحقق مالم يحققه الكثيرون هناك…الرزق على الله” . قالت سميرة بجدية ” لاتهتم…الله في كل مكان..فقط كن صادقاً مع نفسك ومع الآخرين” . وهو يرتشف الشاي قال بهدوء ” سيكون أمامنا طريق طويل وشاق..من لا تستطيع مواصلة العمل فلتقدم استقالتها فورا” . ضحكت ناهدة بقوة وهي تقول ” أنت تحطم معنوياتنا منذ البداية..فلنرَ المهمة أولاً ثم نقرر..إذا كانت الاستقالة مفيدة أم لا؟” . قال على الفور ” لدي قائمة طويلة يجب إنجازها ومن ثَم ننتقل إلى الخطة ألأخرى. أولاً يجب صنع دواليب جيدة جداً لكل فتاة في البيت وأسرّةَ راقية ومنضدة كبيرة للمطبخ وكراسي..لن أسمح لأحد أن يتناول طعامه على ألأرض..سنكون متحضرين مثل أبناء المدينة..هل هم أفضل منا…بعدها نكتب قطعة كبيرة في بداية الشارع الترابي ومناطق أخرى – ورشة سعاد لتصليح السيارات ومكائن الحراثة ومولدات الكهرباء وكافة أعمال النجارة – حينما نحصل على النقود ندفع ثمن ألأخشاب إلى أمجد ونشتري مواد أخرى…سأجعل أمجد يأخذ ناهده إلى كافة ألأسواق لأنها ستكون مديرة أعمالي لشراء المواد المطلوبة للعمل.” صرخت ناهده ” واو..واو…أنت تحلم حقاً ..هل يمكن أن أذهب إلى المدينة؟ هل يقبل أمجد ؟” . أجابها بجدية ” سترين ماذا سيفعل هذا المهندس الذي ليس له بيتاً ووطناً هناك..أنها معركة المصير..معركة الموت والحياة…من يتوكل على الله لن يفشل….” . حينما دقت الساعة الرابعة والنصف كان قد أنجز دولابين رائعين .. واحد لسعاد وألأخر لسميرة. بعد تناول الغداء قال لسعاد ” سأنام لمدة ساعتين ..الدرس ألأول سيكون في الساعة الثامنة ليلاً لا أريد غياب مهما كانت الظروف” . صاحت بفرح ” حاضر إستاذ “. حينما أستلقى على فراشه راح يفكر بكلام ناهده وسميرة وسعاد لم يستطع النوم كان كسمكة إلتهمت طعماً ساماً وهي على وشك لفظ أنفاسها ألأخيرة.
عند الساعة الثامنة ليلاً كانت جميع الفتيات قد جلسن على ألأرض في غرفة طارق منتبهات جداً لما كان يقوله المدرس.” إسمعن جيداً ..بعد عدة أيام سوف أعمل لكل واحدة منضدة صغيرة وكرسي جميل وبذلك نتخلص من الجلوس على ألأرض..في يومٍ من ألأيام كنا نجلس على ألأرض في مدرسة إبتدايئة في مكانٍ ما من هذا البلد. بلدنا غني جداً ولكن توجد بعض المدارس يرثى لها ..لاأدري لماذا لاتصرف الدولة على أماكن العلم هذه؟ شيء مؤسف أن يعيش بعض التلاميذ في مدارس متردية ونحن – أقصد بلدنا- فيه كل هذه ألأموال. سنعتمد على إمكانياتنا المتوفرة هنا..سندرس القراءة والكتابة ولغة أنكليزية وحساب وعلوم ..أي شيء أتذكره. حينما نتقدم في الدراسة سأطلب من أمجد أن يشتري لنا كتب منهجية من المدينة..بالطبع سنعطيه النقود..لن نسمح له أن يشتري لنا من نقوده الخاصة. من يدري قد نستطيع أن نشتري في السنوات القادمة شبكة أنترنيت وحاسبة لكل واحدة منكن. الشيء الذي أطلبه من كل واحدة هو أن تكون مجتهده وجدية في الدراسة..ستتغير حياتكن بشكل كبير. سنعمل المستحيل للوصول إلى أفضل الطرق للحصول على العلم ..لا أريد أن أطيل عليكن …من لا تجد في نفسها القدرة على مواصلة التقدم فلتقل منذ هذه اللحظة..من تتقاعس عن الدراسة سأتركها ولن أتحدث معها أبداً..هل هذا مفهوم؟” . صرخن بصوتٍ واحد ” مفهوم ..طارق” . قال بعصبية ” مفهوم إستاذ وليس طارق. حينما يبدأ الدرس لا أريد أن أسمع كلمة طارق…أستاذ فقط… مفهوم” . صرخن ضاحكات ” مفهوم أستاذ”. في الشهر ألأول كان يعلمهن كتابة الحروف ولفظ بعض الكلمات. كان صبوراً جداً معهن. كنّ يتسابقن للدراسة. كانت كل واحدة تذهب إلى الحقل تأخذ معها دفترها وقلمها وتحاول التمرن على كتابة بعض الكلمات في وقت الراحةِ هناك.
كانت المعركة قاسية بالنسبةِ له ..معركة من نوع آخر ليس فيها سلاح ولا هراوات ولا أي شيء يؤدي للموت . كانت معركة من أجل الحياة والتغيير. في غضون شهر آخر كان قد صنع دواليب فاخرة جدا لكل واحدة منهن, منضدة كبيرة للمطبخ وكراسي كثيرة متنوعة تدل على مهاره فائقة حقاً. أحياناً كان أمجد يساعده في أيام العطل الرسمية.
يتبع …..




الكلمات المفتاحية
ثامر مراد حب ينهض زمن الخوف

الانتقال السريع

النشرة البريدية