الخميس 25 شباط/فبراير 2021

حب ينهض في زمن الخوف – 2 —–

الثلاثاء 05 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

عند العاشرة صباحاً من اليوم التالي فتح ” طارق” عيناه . كانت أصوات الطيور تأتي إليه من جهات مختلفة وكانت الشمس قد دخلت إلى غرفتهِ من خلال النافذة. لم ينهض من فراشه فقد كان التعب لازال يأخذ منه مأخذاً كبيراً. سمع طرقات على الباب . دون أن يفتح عيناه صاح ” تفضل”. دخلت ” ساره” وهي تحمل إبريقاُ من الماء وإناء كبير . وضعته قريباً منه وهي تقول ” صباح الخير…طلب مني أمجد أن أحمل لك الماء إلى داخل الغرفة..كي تغسل وجهك ويديك..سيكون الفطور جاهزاً بعد قليل..مد يديك كي أسكب لك الماء..” حاول أن يقنعها بأنه يستطيع سكب الماء بنفسه ولكنها قالت بأصرار” لماذا أنت هكذا دائماً تحاول أن تضع بيننا حواجز.. نحن أهلك .. وأنا شقيقتك…..نحن هنا في الريف نتسابق لخدمة الضيف ولو أنك لم تعد ضيفاً.. طالما أن أمجد طلب منك أن تكون شقيقنا..أذاً أنت شقيقنا في السراء والضراء.. مد يدك ولاتحاول معي ..أن تمثل دور المصاب بالحياء..” . كانت تسكب الماء بهدوءٍ تام وهو يحاول أن يزيل عن كاهله كل معاناة الزمن المر. شاهدتهُ يصر على أسنانه من شدة الألم…كانت ذراعه اليسرى تؤلمه كثيراً.قالت بصوتٍ هامس ” لاتخف ستكون ذراعك سليمه بمرور الزمن..لقد نزفت كثيرأ ..حينما شاهدتك ممدداً قرب الباب الخارجي كدتُ أموت من الخوف..تذكرتُ إبن عمي حينما أطلق النار على صدره دون أن يدري..كانت لحظات مرعبة بالنسبةِ لي ..كان يحبني وواعدني على الزواج ..ولكن القدر أخذهُ مني في لحظه من الزمن.. كان في كلية الهندسة..كم كان وسيماً .. حاولت أن أقتل نفسي بعد وفاته..في كل عيد أذهب إلى المقبرة ,ابكي هناك حتى تجف دموعي.. لن أتزوج بعده أبداً ..لقد قال لي يوماً ما ” حينما أموت لاتتزوجي ..لأنني لأ أستطيع أن أتصور أن رجلاً يكون بديلاً عني…إنظر كل واحد منا لديه مصيبه…..” راحت تبكي بهدوء. لم يقل أي شيء. كان ينظر إليها وهو يفرك يديه بهدوء لم تكن هناك أي لغة سوى لغة الدموع بينهما. كان يرى وجه شقيقته – ميسون- في وجه هذه الفتاة التي لايعرف عنها أي شيء سوى معلوماتٍ قليلة. كانت ميسون تتفانى في خدمته حينما يعود من كلية الهندسه قبل نشوب الحرب المدمرة. حينما خرجت – ساره – أطلق لدموعه العنان وهو يستذكر كل لحظة جميلة عاشها مع شقيقته على مدى سنوات عمره . لا يستطيع أن يتصور أنها فارقته إلى ألأبد. أحياناً حينما كان يزعجها عن قصد أو دون ذلك كانت تصرخ في وجههِ وتقول ” لاتجعلني أتمنى اليوم الذي أتزوج فيه وأتركك وحيداً هنا في هذا البيت…” كان يضحك من كلامها ويشعر بالأنتصار لأنه جعلها تفقد أعصابها. كان يحبها بشكل جنوني. أحياناً كان يقول لها ” هل تعرفين أن أجمل صداقة هي صداقة الاخ لأخته …حب لايعرف الخداع والرذيلة ..كم هو حب مقدس” كانت تنظر اليه وهي تقول ” كم أتمنى أن أتعرف على شخص يحبني بقدر حبك لي ولكن أين أجد هذا الشخص وأنا لا شيء سوى فتاة فقيرة لا أحد ينظر إلي أبدأً…من يدري قد أموت يوماً ما دون أن أجد الشخص الذي أكوّن معه أسره كباقي البنات…لايهم طالما أنك لن تتركني حينما تتزوج ..سأعيش معك وأربي أطفالك.. سأعيش من أجلك ومن أجل أطفالك”.
دخلت – سعاد – دون أن تطرق الباب وكأنها إعتادت عليه. كانت تحمل – صينية – كبيرة تحتوي على أشياء متنوعة من فطور شهي. تبعتها سارة وهي تحمل إبريق الشاي . جلست سعاد قريباً منه بينما ظلت ساره واقفه تنتظر فيما إذا كانت هناك أشياء أخرى ينبغي عليها إحضارها قبل عملية الشروع في تناول الفطور الصباحي. طلبت منها سعاد الجلوس. راحت سعاد تسكب الشاي في قدحٍ كبير حينما ناولته القدح قالت بهدوء ” طارق..أرجوك أن تأكل قدر إستطاعتك كي تتماثل للشفاء سريعاً ..نحنُ في حاجةٍ إليك في الوقت الحاضر ..ستكون هناك أمامك مهمات كثيرة هنا في ألأرض..طالما أنت أصبحت واحداً من أفراد العائلة ..سنكلفك بأشياء كثيرة هنا في هذه ألأرض..شقيقي أمجد ليس لديه وقت ..يقضي أغلب أوقاته في المستشفى ..ستكون أنت رجل البيت حينما يكون هو في العمل هناك..لا أريد أن اهبط معنوياتك ولكن أريدك أن تستعيد صحتك بأسرع وقت..أعرف أنك تحتاج إلى شهر على الأقل لتشفى تماماً ولكن إذا بقيت تذرف الدموع على الذي ضاع …هذا سيؤثر على حالتك النفسية ويؤخر عملية الشفاء. جميع شقيقاتي ذهبن للحقل للعمل الصباحي بقيتُ أنا كي أشرف على عملية علاج ذراعك سأغيب عن الحقل لحين شفاء ذراعك…ساره ستكون مسؤولة عن أعمال البيت وإعداد الطعام. أطلب منك أن تتعاون معي قدر المستطاع. لا أريد أن ارى دموعك بعد ألآن..لا أريدك أن تذرف دمعة واحدة أمام البنات…حينما تنام في الليل وتبقى وحيداً أذرف ما شئت من الدموع ولكن ليس أمامي..أريدك قوياً رجلاً بكل معنى الكلمة هل فهمت.؟ أنا لا أقرأ ولا أكتب ولكن مدرسة الحياة علمتني الكثير ..العمل في الحقل ساعاتٍ طويلة أعطاني قوة جبارة أستطيع من خلالها مواجهة كل مآسي الحياة..لن أكرر هذا الكلام مرة أخرة . إذا وجدتك على غير ما اريده منك أن تكون ..سأزعل وأترك ناهده أو خالدة أو أي واحدة أخرى من شقيقاتي تقوم برعايتك وأعود إلى الحقل. أنا إمرأة عملية وانظر إلى الأمور من جوانب الربح والخسارة. أنا أرملة ولن أتزوج بعد ألأن وليس لدي أطفال ولكن لدي طموحات لاتنتهي في هذه الحياة ..هل استوعبت كلامي؟”. كانت ساره ترتجف من كلام شقيقتها. كانت تعرف مدى جديتها في الحديث وحينما تريد شيء معين تحققه مهما كان الثمن. كانت جميع الفتيات يحترمنها بشكل لا يصدق – ويتجنبن غضبها – . نظر إليها الفتى المهموم بجدية مطلقة..شعر أن شيئاً ما داخله يحذره من هذه المخلوقة ألأنثوية. وجد في شخصيتها قوة لا يمكن دحرها. دون تردد قال ” لكِ ماتريدين ياشقيقتي العزيزة..أنا تحت خدمتك منذ هذه اللحظة”. وراح يتناول طعامه بشهية كبيرة. كلما كان يرفع نظراته يجد أن سارة تحدق في وجههِ وتبتسم. كان وجهها متقدا كقطعة من ورد الجوري في صباح يومٍ ربيعي ندي. كانوا يصمتون ثم يعودون للحديث بين فترةٍ وأخرى. عادت سعاد للحديث قائلة ” اليوم قررت سعاد أن تطبخ لنا بامية مع دجاج..منذ الصباح الباكر ذهبت إلى الحقل المجاور للبيت وقطفت كمية كبيرة من البامية قالت سأجعل طارق ينذهل من طعامي..حقاً أن طبخها رائع..حتى أنني لا أستطيع مجاراتها في طبخ الرز لا أدري كيف تعلمت هذا النوع من الطبخ؟ ” . كان طارق ينظر إليها بين الحين والآخر ويقول بطريقة عفوية ” عفية..أنتِ حقاً فتاة رائعة”. كانت تتقد من الحياء ..تنظر إلى الأسفل وتبتسم .
بعد الانتهاء من تناول الفطور قالت سعاد ” سأعود بعد قليل لتضميد ذراعك..ستساعدني ساره في ذلك”. استلقى على فراشه فقد كان يشعر بارهاق شديد. ظل يفكر بكلام سعاد. ” حسناً سأحاول أن أكون شخصاً آخر..سأترك الذكريات الأليمة لوقتٍ آخر..” قال ذلك وهو يمسح آخر دمعة سقطت من عينيه. دخلت سعاد تلحق بها ساره. كانت تحمل أدوات تضميد كثيرة. جلست على الأرض وهي تقول ” سعاد..أزيلي اكمام قميصه..ارفعيها إلى الأعلى ..لا..لا..انزع قميصك كي تكون عملية التضميد أسهل” . ساعدته ساره في نزع قميصه. كان ينظر إلى الجهة الأخرى . همست ساره بصوتٍ ضعيف ” هل أنت خائف من رؤية الجرح؟ اليوم سأجعلك تتألم ..لا بل سأجعلك تبكي من ألألم..من ينقذك مني اليوم؟” صاحت سعاد ” سارة..كوني عاقلة..الولد ليس لديه مزاج للمزاح”. بدأت سعاد تزيل الضماد القديم بحذر شديد . كان يصر على أسنانه كلما أزالت قطعة من الضماد. كانت سارة تنظر إليه بشفقة . حينما أصدر صوتاً مكتوماً من شدة ألألم صاحت سارة ” سعاد ..بالله عليك كوني رقيقة..الولد يتألم..أرجوكِ من أجلي كوني رقيقة”. لم تهتم سعاد لكلام شقيقتها وظلت تنظف الجرح بكل عناية. قالت ” حقاً أنت محظوظ..لو كانت الطلقة قد نفذت إلى داخل العظم لكانت حالتك صعبة ولكن الحمد لله ..الطلقة اخترقت اللحم فقط. هل تعرف أن كل بنات القرية يطلقن عليّ بالدكتورة..لقد علمني أمجد كيف أزرق الإبرة وكيف أعالج كافة الجروح. لدينا في البيت أغلب أنواع الأدوية الخاصة بالإسعافات الأولية. كل يوم يجلب لنا أمجد أشياء من المستشفى ويقول هذه للطوارئ. نحن نعيش في الريف والطريق إلى المستشفى طويل لذلك أخذ أمجد كافة الاحتياطات. تعرف أن أمجد رجل رائع ..لا أعرف لو لم يكن معنا ماذا كنا نفعل؟ يجلب لنا أي شيء نحتاجه. زوجته تذهب معه كل يوم إلى العمل ويعودان معاً. مع الاسف هي لا تنجب الأطفال. طلبت منه عدة مرات أن يتزوج إمرأة من القرية كي تنجب له الأطفال ولكنه صرخ بها أن لا تعيد هذا الأمر أمامه مرة أخرى. أخبرها بأنه مقتنع بنصيبه وهذا هو أمر الله . هو يحبها بشكل لايصدق. لقد صرف أموال طائلة كي يحصل عليها. زينب من طائفة أخرى . في البداية رفض أخوها أن يزوجها من أمجد لأنه لاينتمي إلى نفس الطائفة . زينب إمرأة عظيمة . هددت أخوها بأنها ستهرب مع أمجد وتجلب له العار إن رفض تزويجها له. طلب شقيقها مهراً عالياً جداً من أمجد. اضطر والدي أن يبيع ” اللوري وماكنة الحراثة والسيارة الوحيدة التي يملكها أمجد” . باعت شقيقاتي كل الذهب الذي كان بحوزتهن كي نجمع المهر. كانت ناهدة تبكي كل الليل لأنها فقدت الذهب الكثير الذي جمعته طيلة سنوات من عملها الشاق في الحقل. قالت لي مرة ” أصبحت يداي خشنة كأنها يدا رجل من كثرة إستخدام المسحاة وفي النهاية أقدمه لأمرأة لا تلد..كيف سأجمع ذهب مرة أخرى؟ أشعر أنني أذبح نفسي بيدي ..ولكن لايهم طالما أن الذهب سيجلب السعادة لأمجد ” . سكتت وراحت تمسح دموعها. لم يصدق طارق أن هذه المرأة الحديدية تعرف البكاء. قال مازحاً ” سارة انظري …هناك بعض الناس ينصحون الآخرين بعدم البكاء وهم يبكون..حقاً إنهم منافقون” . ضحكت ساره وهي تقول مازحة” بعض الناس قساة جداً ولكن لهم قلباً شفافاً أنعم من قطرات الندى المتجمعة فوق الورد عند الصباح…أه..لو أستطيع أن أعوض بعض الناس بشيء من الحب الصافي..كم أتمنى أن أقدم لبعض الناس جزءاً من قلبي على طبقٍ من ذهب ولكن ..ليس لدي أي شيء فأنا لا أعمل في الحقل ولا أستطيع أن أجمع النقود” . لم تهتز سعاد لكلام أي واحدٍ منهما وظلت تنظف الجرح وتمسح دموعها بين الحين والآخر.
بعد شهر كامل وعند الفجر خرج طارق من غرفته وراح يصلي في حديقة الدار على الرغم من برودة الطقس. كان جالساً على سجادتهِ في وسط الحديقة الخضراء رفع يده إلى السماء وهو يقول ” اللهم ربي ساعدني على خدمة هذه العائلة الرائعة..أعطني القوة كي أعيد لهم أضعاف ماقدموه لي ..اللهم ربي ارحم موتانا جميعاً وأجعلني أرى أمي مرةً أخرى..أعرف أنهم قتلوها هناك.. ولكن أنت قادر على كل شيء.. أنت تحي العظام وهي رميم ..” راح يبكي بصوتٍ مسموع. كانت سارة تنظر إليه من نافذة غرفتها القريبة من الحديقة وتبكي بصوتٍ مكتوم. ظل جالساً فوق الكرسي القريب من شجرة النخيل القريبة من السياج الخارجي . كان ينظر إلى السماء . قبل بزوغ الشمس بلحظات جاءت ساره وهي تقول ” لماذا أنت جالس هنا في هذا الجو البارد؟” . نظر اليها وهو يقول ” أهلاً ساره..لماذا أنتِ مستيقظة مبكرة؟ ” قالت بسرعة ” أنا الذي يجب علي أن أطرح عليك هذا السؤال. بالنسبة لنا نستيقظ كل يوم قبل الفجر.. توجد لدينا أعمال كثيرة. ” نظر إلى الأفق البعيد وهو يقول ” انظري كم أن الصباح الباكر جميل..عندما كنت أعيش مع عائلتي كنت أفتقد هذه اللحظات الجميلة. كانت شقيقتي بالكاد توقظني كل يوم في الساعة السابعة والنصف كي أذهب إلى الجامعة..كانت دائماً تقول لي قم أيها الكسول.. كم أفتقدها ..كانت كل شيء في حياتي..لا أعرف كيف سأعيش بعدها؟ ” كانت ساره تقف قربه وقد وضعت يدها على مسند الكرسي . أطلقت زفره وهي تقول ” عندما كنت أعيش في بيت عمي كنت أستيقظ عند الفجر وأبقى أنتظر إلى أن يخرج إبن عمي للجامعة .. كان أكبر مني بخمس سنوات.. كنت أركض أودعه عند الباب الخارجي..كانت شقيقاته يضحكن علي ويصرخن بسخرية خرجت ” الولهانه..خرجت العاشقة تودع حبيبها” كنت أطلب منهن أن لايحسدني على ذلك . كانت عمتي والدته تقول ” ستصابين بالزكام هكذا وانت تخرجين بهذه الملابس الخفيفة..” كان الجميع يعرف مدى عشقي له. كنت في الثالث متوسط وهو في الكلية. الجميع يعرف أنه لي وأنا له. هذا هو حب الريف . كانت مجرد مسألة وقت ونتزوج. طلبت منه عدة مرات أن يتزوجني وأنا في الثالث متوسط ولكنه كان يقول لي بعد التخرج نتزوج. كنت أخاف من كل شيء..أخاف أن أفقده أو يحب واحدة من بنات الجامعة..أقسمت له عدة مرات أنني سأقتل نفسي إن تزوج واحدة غيري.” سكتت قليلا ثم قالت ” تعال معي ..الجميع في المطبخ ..سنتناول الفطور في المطبخ وبعد الفطور سنرى ماذا سنجد لك من عمل تقوم به..لايمكن أن تبقى هكذا عاطلاً ونحن نخدمك” وراحت تضحك. حينما إجتازا الحديقة كانت سعاد تنظر اليهما من وراء ستارة الغرفة وتمسح دموعها كانت قد سمعت كل شيء.
جلسوا جميعاً على ألأرض وهم يتناولون الفطور. كانت زينب – زوجتة أمجد – واقفة وبيدها كوباً من الحليب ترتشف منه رشفات سريعة وتقول ” أمجد سنتأخر ..حاول أن تسرع في إنهاء فطورك”. نهض أمجد على مضض وقبل أن يخرج قال ” طارق هل تحتاج شيء أي شيء من المدينة ؟”. سكت الجميع وراحوا ينظرون ناحية طارق . هم يعرفون أنه إعتاد على هذا السؤال كل يوم . نظر طارق نحو شقيق الفتيات ….تردد قليلاً ومن ثم قال ” هل تستطيع أن تجلب شيئاً أريده حقاً ؟” . كان السؤال مفاجأة للجميع. قال أمجد بسرعة ” جربني .. ربما أستطيع “. عم الصمت المكان . اندفع طارق قائلا ” سيارة من الأخشاب.. وعدد يدوية…سأدفع النقود لك حينما يفرجها الله علي………ولا أدري متى..أنا في إنتظار الفرج….”. لم يقل أمجد أي شيء سوى ” سأحاول” . خرج مع زوجته دون أن يلتفت إلى الوراء. كانت زينب تملك سيارة بسيطة كانت قد اشترتها منذ زمن بعيد بمساعدة شقيقات أمجد . كانت هي التي تقودها على الطريق الترابي من البيت إلى الشارع السريع ومن هناك يبدأ أمجد بقيادتها. حينما أنهى الجميع فطورهم قالت ” ضحى”- ماذا تريد أن تفعل بالخشب؟ هل أنت نجار” . صاحت شقيقتها ” وردة” – لاتتكلمي..هذا ليس من شأنك..هل طلب أحد منك الحديث؟” . اندفعت ” ناهدة” تقول ” ما هو إختصاصك؟ أقصد لم تحدثنا عن أي شيء …” . صاحت ” خالدة” – حقاً أنتن مزعجات…قال طارق بأنه سيعيد النقود حينما تفرج عليه..هو لا يطلب صدقه.. هو يريد أن يقضي وقته فقط…..” . دون مقدمات قال ” إسمعن جميعاً..لقد أنهيتُ دراسة الهندسة في قسم السيارات ..ولكن أحب أعمال النجارة..وبما أنه لايوجد هنا في البيت أي مولدة للكهرباء كي أنظفها أو أصلحها…فمن الأفضل الاهتمام بشيء آخر ” . صاحت ضحى ” ماذا؟ هل تعرف شيئاً عن إعادة إصلاح المولدات …حسناً تعال معي” . نهضت مسرعة وسحبته بقوة من يده اليمنى. حاول أن يفهم الأمر ولكنها قالت بغضب ” فقط تعال معي” . راحت تسحبه نحو سطح البيت. ركضت كافة الفتيات خلفهما وهن يضحكن بصوتٍ طفولي مسموع. وقف على سطح البيت مذهولا وهو يصيح ” واو..ياالهي …ماهذا..كراج للمولدات العاطلة..من أين جئتم بكل هذه؟” . ” وتقول لو كانت هناك مولدة عاطلة..حسناً فلنرَ ماذا تستطيع أن تفعل” صاحت خالدة بسخرية. نظر نحو سعاد وهو ” يقول” أريد عاملتين معي هذا اليوم..أرجو أن تخصصي لي شقيقتين يبقين معي كل هذا اليوم وربما يومين أخريين..سنعيدها جميعاً للخدمة..هذه فرصة ثمينة لي”. نظرن جميعاً ناحية سعاد . صرخن في وقت واحد ” أنا أبقى معه…” كل واحدة كانت تريد أن تكون هي العاملة معه. قالت سعاد بقوة ” إسكتن جميعاً…هو سيختار..” نظرت إليه وهي تقول ” حسناً من تريد أن تبقى معك؟” . وقفن جميعاً في صفٍ واحد وكل واحدة تأمل أن يختارها. دون تردد قال ” أريد سميرة وضحى”. صرخت ” وردة” – ولكن سميرة لديها عمل كثير في الحقل هذا اليوم” . صرخت سعاد ” حسناً ستقومين أنتِ بعملها وعملك ..مفهوم” . كانت ضحى تقفز من الفرح لأنها ستتخلص من سحب الأبقار هذا اليوم إلى الحقل. وزعت سعاد ألأعمال على كافة الشقيقات وخرجت كل واحدة صوب عملها. بعد قليل جلبت ملابس عمل إلى طارق وهي تقول ” خذ هذه الملابس مناسبة للعمل..ستكون أنت رجل البيت هذا اليوم. ساره ستعمل الطعام وأنا أخرج إلى الحقل. إطلب أي شيء من سميرة وضحى إذا كنت في حاجة لأي شيء بالتوفيق”.
دون تردد قال ” سميرة اسحبي تلك ..وتلك .. وتلك .. وتلك” . إلتفت ناحية ضحى قائلاً” إذهبي و اجلبي لنا حصيرتين كي نجلس عليهما أثناء فك الأجزاء….ثم اجلبي أي عدة من العدد اليدوية الموجودة في البيت”. ركضت ضحى نحو ساره وأخبرتها بطلب طارق. بعد قليل جاءت ساره تحمل صندوقاً معدنياً مليئاً بالعدد اليدوية . حينما شاهدها صرخ” ضحى …لماذا جعلت ساره تحمل العدد؟ أنتِ عاملة غير مجدة…” صرخت ضحى” لم يكن ذنبي .. هي أرادت أن تأتي..” نظر نحو ساره وهو يقول ” ومن سيعمل الطعام ؟” ابتسمت سارة قائلة ” لاتهتم للطعام..أنا مسؤولة عن ذلك..أردت أن أرى كيف تجري الأمور ” ..نظر نحو سميرة قائلاً ” افتحي هذا الجزء وهذا الجزء وهذا أيضاً”. صرخت ضحى ” وأنا.. ماذا أفعل؟” . قال ” لاتتكلمي إلا أن أوجه لك ألأمر..حسناً ضعي هذه البراغي جميعاً في هذا المكان وإياكِ أن تفقدي واحدا”. كانت سارة تنظر إليه بصمت. بعد قليل قالت ” حسناً سأعود إلى المطبخ”. لم يقل أي شيء لأنه كان مشغولاً جداً. كانت سميرة عاملة ماهرة جداً لدرجة أنه لم يتأسف لأختيارها. كانت صامته تماماً. بين فترة وأخرى ينظر إليها. كانت هناك مسحة من ألمٍ دفين مرسومة على وجهها. دون أن يرفع نظراته قال ” سميرة ..لماذا أنتِ صامته ؟ لم تنطقي بكلمة واحدة منذُ أن بدأنا العمل.” نظرت إليه بهدوء وهي تقول ” عن أي شيء أتحدث؟ لقد نفذ الكلام منذ زمنٍ بعيد. أنا مجرد مخلوق بشري يأكل وينام كما تفعل الأبقار في الحقل. لايوجد لدي شيء أعيش من أجله. كل شيء ضاع منذ سنوات. عمري 25 سنة وفقدت زوجي..حاولتُ بكل الطرق أن أحافظ عليه ولكنه لم يستحق ما كنتُ أفعله من أجله . كان ناكراً للجميل. لقد ضاع عمري وستضيع بقية السنوات القادمة. أنا مطلقة..وتدور حول المطلقة علامات إستفهام كثيرة جداً ..من لايعرف السبب يفكر بأشياء كثيرة وقد يضع كل اللوم على المرأة المسكينة. هذه هي حال الدنيا. صدقني كم تمنيت الموت برصاصة طائشة أو حادث سيارة على أن لا أكون في هذا الوضع المزري. إنتهت حياتي..المرأة المطلقة تعاني أشياء كثيرة…” سكتت قليلاً كي تمسح دموعها لتعاود الحديث من جديد.” كان رجلاً جيداً في بداية زواجنا.. هو من القرية المقابلة لقريتنا…كان يحب المال حباً جماً. حلمه أن يصبح من أصحاب الملايين. كان يفعل أي شيء للحصول على المال. حينما سقط البلد تحت الاحتلال ركض نحو المدينة مع مجموعة من الرجال. سطو على البنوك وسرقوا بيوت المسؤولين .
كان يقول هذه حصتي من النفط. جلب إلى البيت أكياس من الدولارات يمكن أن تعيش بلد بكامله. كنت أقول له …هذه أموال كلها حرام..ستحل بنا الكارثه. كان يستهزأ مني ويدعونني بالمتخلفة – مع العلم أنه لم ينهي الثالث متوسط. قتل رجلين من ألأشخاص الذين ذهبوا معه كي يستولي على حصصهم..هو قال لي ذلك. لأ أحد يعرف بهذا إلا أنا. أخبر ذويهم بأن قوات الاحتلال هي التي قتلتهم عند خروجهم من المصرف الذي سطوا عليه. طلب مني أن نترك الريف ونشتري بيتاً في أرقى مدينة في بغداد. لم أذهب معه وطلبت منه الطلاق لأنني لا أستطيع العيش بمال كله حرام. أخذ أبني معه وشقيقته. أحدى العصابات خطفت ابني وطلبت منه مبلغ كبير من المال مقابل حياته ولكنه رفض وفي اليوم التالي أرسلوه له مذبوحاً. أنا لا أعرف أين هو الآن. وتقول لي لماذا أنا ساكته؟ ” كان جسده يرتعش وهو يسمع كل كلمة من كلماتها. حقاً أن كل شخص لديه مصيبه. نظرت إليه بصمت كأنها تريد أن ترى فيما إذا كان يصدقها أم لا؟ . قالت بصوتٍ ضعيف ” من يدري؟ قدومك إلى هنا ربما به فائدة لك أو لنا جميعاً. هنا ..بعيداً عن المدينة وصراعاتها التي لاتنتهي تستطيع أن تعيش الصدق بكل معانيه. حياتنا هنا قاسية ولكنها أفضل من أماكن كثيرة في مدن كثيرة في هذا العالم. من يدري قد تبدع هنا وقد تفعل شيئا ربما لا تستطيع أن تقوم به هناك في المدينة. فقط كن صادقاً مع نفسك ومع الآخرين وسترى ماذا يتحقق لك وللمحيط الذي تعيش فيه”.
يتبع….




الكلمات المفتاحية
ثامر مراد حب ينهض زمن الخوف

الانتقال السريع

النشرة البريدية