الأحد 4 ديسمبر 2022
19 C
بغداد

الشاعر فهيم أبو ركن في ديوانه “أَستلُّ عطرًا”

شاكر فريد حسن
وصلني من الصديق الشاعر والكاتب الكرملي فهيم أبو ركن، ديوانه الشعري “أَستلُّ عطرًا”، الصادر في العام 2019 عن دار الحديث التي يديرها ويشرف عليها، وجاء في 130 صفحة من الحجم المتوسط، بطباعة فاخرة وانيقة جدًا، وبتصميم جميل للفنانة الشاعرة ملكة زاهر.

يشتمل الديوان على استهلال للشاعر، ودراسة أكاديمية للدكتورة جهينة الخطيب، عن الأساليب الإنشائية في الشعر- مواقعها ودلالتها، فهيم أبو ركن انموذجا.

وجاء في إهداء الشاعر:” إلى كل من بحمل في قلبه قبسًا من نور المحبة، يترجمه سلوكًا إنسانيًا حضاريًا راقيًا. إلى زوجتي، بناتي، ابني، أنسبائي شركائي في درب الحياة، وجميع الأصدقاء.

شكرًا للدكتورة جهينة الخطيب على الدراسة الأكاديمية التي خصتني بها، ولصديقيَّ الشاعرين، وهيب نديم وهبة وزياد شاهين على إبداء رأيهما في المجموعة”.

تتنوع قصائد ديوان فهيم أبو ركن “أَستلُّ عطرًا” ما بين الوطنيات والوجدانيات والرثائيات، وجاءت بعض القصائد من ناحية الشكل موزونة، وفي قصائد أخرى اعتمدت موسيقى اللفظ بعض القوافي وبعض الايقاعات التلقائية.

وفي وجدانياته نجد شاعرنا فهيم أبو ركن عاشقًا نابضًا بالحُبّ، جياش المشاعر، دفاق العواطف، مفتونًا بالمرأة والجمال، التي تشكل بالنسبة له دنيا من سحر وجمال أخاذ. وفي الوطنيات نراه محبًا لوطنه وأرضه وشعبه وكرمله، مسكونًا بالطبيعة، بكل ما فيها من صفاء وسحر وهدوء وخضرة، مهمومًا بقضايا مجتمعه الحارقة، مفجرًا حنقه وغضبه على ما يجري ويحدث في مجتمعنا العربي من ظواهر سلبية مدمرة كالعنف والفساد والنفاق ومسح الجوخ والتعصب الأعمى وغياب القيم الاخلاقية والجمالية حد التلاشي.

أما في المراثي فيتجلى الصدق الإنساني والوفاء الكبير والتقدير العميق، وتبدو مشاعر الحزن والأسى على رحيل شاعر المنابر الوطنية سميح القاسم، والشاعر لاعب النرد محمود درويش، الذي يصبح الاولمبياد، وصديقه الإعلامي نزيه حلبي، طيب اللـه ثراهم.

قصائد “أستلُّ عطرًا” لفهيم أبو ركن بالمجمل العام ذات نزعة إنسانية ووجدانية وصبغة رومانسية، وفي غاية التلقائية والشفافية، وبمنتهى الروعة والجمال، تحفل بكثير من الصور الشعرية الإيحائية والاستعارات المدهشة، التي تكرسها خفقات ونبضات قلبه وسكرات الحُبّ العفيف النقي الصافي. وما يسمها متانة اللغة والصياغة، والبنى الدلالية، وأناقة الأسلوب، والرصانة، والصور المبتكرة، والجمالية الفنية التعبيرية، والسلاسة الشفافة، والغنائية والموسيقى اللفظية ذات الإيقاعات الشجية العذبة، فضلًا عن استخدام التناص. لنسمعه يقول في قصيدته “اعترفي” المليئة بالمشاعر والأحاسيس الدفاقة:

البُعْدُ عَنْكِ شُجُونٌ

وَالقُرْبُ مِنْكِ جُنُونٌ

يَا أرِيجَ الحَرْفِ وَالكَلَام ِ

لَمْ تَتْرُكي نَفْحَةً مِنَ الأحْلامِ

وَغَدَا حَزينًا وَجْهُ الصَّبَاحِ

فَتَحْتِ كُلَّ الجِرَاحِ

نَزَفَتْ شَوَاطئُ اللَّوْعَةِ

وَأَمْسَى عَذَابُ القَلبِ إعْصَارُ رِيَاحِ

فَدَعِيني أسيرْ

يَا أميرَة المِلَاحِ

وَاتْرُكِينِي أرْكُضُ أو أطِيرُ

لَا تَقُصّي لِيَ رِيشَةَّ الجَنَاحِ

*********
أَحْلَامُكِ لَنْ تَعرِفَ الذُبُولُ

مَا دُمْتُ شِعْرًا فِيكِ أقُولُ

وقصيدته “زيارة طيف” تمثل نموذجًا للكتابة الوجدانية الراقية الصادقة، بما فيها من بوح وغزل رهيف وشفيف يلامس شغاف القلب ويدغدغ المشاعر، وإيقاعية حبلى بالصور الشعرية الواصفة وصفًا دقيقًا، والمعبرة عن عواطف عميقة حميمة، وتوظيف المعاني المجازية والاستعارية، التي تدل على الخيال الخصب الخلّاق لدى شاعرنا فهيم أبو ركن.. فيقول:

افترقنا في المساءِ

وفجأةً باغتني طيفُكَ بزيارةٍ …

هلْ هربَ منكَ إليَّ

أم أن قلبي أوحى إليهِ أن يتبعني ؟!

أنا الآنَ أُسامِرُهُ

أشربُ مَعَهُ بُنَّ الليلِ

أرتشفُ رحيقَ السعادةِ

وها هو يُحادِثُني

يفشي لي بأسراركَ

نسينا نفسينا معًا

ونسيناكَ …

طيفُكَ قرّرَ أن يبقى معي حتى الصباحْ

والفجرُ لاحْ

تألَّقَ في مُقلتيْكَ

عادَ إليكَ فوَجَدني انتظرُهُ

بين يديْكَ .. !

فهيم أبو ركن شاعر صاحب إرث شعري جمالي، بوحه صادق أنيق، وحرفه مختلف بشفافيته ورقته وسحره، وقصيدته تعبق بعطر الكلمات وجمال المعاني وعذوبة الألفاظ، تحاكي وتخاطب القلب والروح وأعماق الوجدان، وتدهشنا لوحاته التصويرية وبراعته في التصوير والتعبير، وفنه الإبداعي الملهم الإيحائي، وقريحته الخصبة، وخياله واسع الآفاق، والتناغم الحاصل بين الشكل والمعنى.

ويمكننا القول، فهيم أبو ركن صاحب تجربة شعرية وكتابية ثرية، يمتلك أدواته الفنية والشعرية، ويمتلك جمالية اللغة والثقافة التاريخية والتراثية، وتنم كتابته الشعرية عن شاعر متمرس له حضوره في المشهد الإبداعي الفلسطيني.

لقد استمتعت حقًا بقراءة نصوص “أَستلُّ عطرًا” لفهيم أبو ركن، ذات الألوان والأصباغ والأغراض الشعرية المتنوعة، حيث يحلِّق بكلماته وحروفه ومعانيه في محراب الشعر بكل الصدق والعفوية والتلقائية والطلاوة والبساطة والجزالة الشعرية، بعيدًا عن الحشو والتكرار والمبالغة والمباشرة الفجة.

ألف تحية للصديق العريق الشاعر والكاتب فهيم أبو ركن، متمنيًا له وافر الصحة والعمر المديد، والمزيد من العطاء والسطوع والتألق المتجدد.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

خطة السنوات الخمس بلا نتائج

جوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفيتي السابق كان أول من تبنى مفهوم الخطة الخمسية وادخلها حيز التنفيذ عام 1928، بهدف تطوير الصناعة وتجميع الزراعة بهدف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حيَّ على الفساد

لا أدري من هو مؤسس فِكرة مُقايضة الحُريّة والإفلات من السِجن مُقابل تسليم المال المنهوب أو البعض منه إلى الحكومة في العراق. فُكرة غاية في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ضرورة تشكيلة لجنة عليا لتدقيق العقود الكبيرة

منذ عام 2006 ووحش الفساد تحول لغول كبير يأكل الاخضر واليابس, حتى تضخم وتجبر في زمن الكورونا, حيث اصبحت السرقات علنية مثل نهب المليارات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الأديب والصحفي هاتف الثلج

الأديب الشامل والصحفي المعروف هاتف عبد اللطيف الثلج الذي نتعرف على بداياته اليوم ، هو أديب ذا مقدرة أدبية وصحفية ممتازة أتاحت له الظروف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا بعد تحديد سقف أسعار النفط الروسي ؟

منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي والتحالف الانغلوسكسوني (الولايات المتحدة وبريطانيا ) وحلفائهم ، لا يألون جهدا في اتخاذ مئات القرارات...

امرأة عراقية تتزوج بعد تجاوزها العقد الثامن!!

اصبح من اللافت للنظر ان يتكرر علينا مشهد المواطن المتذمر والمواطن الراضي مع اختلاف النسب ، فلو جربنا ان نقف يوميا امام احدى المؤسسات...