الأحد 07 آذار/مارس 2021

التطور التاريخي لمشكلة الطائفية السياسية في العراق-1

الثلاثاء 29 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ان ابسط قرأة للدستور العراقي الحالي الذي تم التصويت عليه وتمريره بالاستفتاء الشعبي العام يحمل في طياته الكثير من المشاكل التي قد يتفاجاء البعض بوجودها والتي يصعب تعديلها او تغييرها ومن هذه المشاكل موضوع الطائفية السياسية والتي لاتقتصر فقط على موضوع شيعة وسنة فنصوص الدستور الحاليه تفرق بين المسلمين وغير المسلمين . وبغض النظر عن كل مايقال عن طبيعة الطائفية السياسية في العراق ، فلا يمكن ان ينكر احد ان تلك الطائفية موجودة حتى قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ، وتسللت الى الأساس والبنيان الذي تم على أساسه يناء الدولة العراقية مما حولها الى منظومة تخريبية تنخر في البناء المجتمعي . ومما يزيد المشكلة سوءا هي محاولة البعض بحسن نية او بسوء نية انكار وجود الظاهره الطائفية او التقليل من حجمها او اظهارها وكأنها وليدة ما بعد 2003 . وينسى هذا البعض ان الحكومة العراقية الملكية ، عندما أصدرت قانون الجنسية العراقية سنة 1924، قسمت العراقيين آنذاك إلى قسمين تبعية عثمانية وتبعية إيرانية. حيث اعتبرت الحكومة التبعية العثمانية مواطنين درجة أولى، والتبعية الإيرانية من الدرجة الثانية. كان من نتائج ذلك القانون قيام النظام السابق يتهجير حوالي مليون عراقي شيعي بحجة أن أصولهم إيرانية والقائهم على الحدود الإيرانية الملغومة إثناء الحرب، بعد مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، وحتى وثائقهم الرسمية من شهادات دراسية وغيرها التي تثبت عراقيتهم، وبحجز عشرات الألوف من شبابهم وخاصة الكرد الفيلية، ليعدمهم فيما بعد بالجملة ويدفنهم في مقابر جماعية.
مما يؤسف له ان محاولة انكار وجود المشكلة في المجتمع أدى الى تسلل تلك المشكلة الى النصوص الدستورية فنجد ان ديباجة الدستور قد جعلت من كتابة الدستور ” َاسْتِجَابَةً لدعوةِ قِياداتِنَا الدِينيةِ وَقِوانَا الوَطَنِيةِ وَإصْرَارِ مَراجِعنا العظام ” مع تكرار الإشارة الى الطوائف العراقية من شيعة وسنة واكراد وغيرهم فهنا ديباجة الدستور تؤكد على البعد الطائفي للمجتمع ” شَعْب العراقِ الذي آلى على نَفْسهِ بكلِ مُكَونِاتهِ وأطْياَفهِ” غهذه الديباجة تهيئ الجو للمحاصصة الطائفية مستقبلا بدلا من علاج المشكلة الموجودة فعلا .
اما اذا اخذنا نصوص الدستور فنجد ان المادة (2) أولاً تنص على “الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع: ‌أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”. فهذه المادة تحمل في طياتها أولى فقرات الطائفية فهي تفرق بين العراقي المسلم والعراقي غير المسلم . اما المادة (3) من الدستور فهي تعترف صراحة بوجود عدة قوميات وأديان ومذاهب . ولو عرضنا هذه الفقرة على أي دستور في العالم ، لو اخذنا الدستور الهندي لسنة 1949 علي سبيل المثال حيث يوجد في الهند اكثر من اربعمائة لغة والمئات من الطوائف والأديان نجد ان الدستور الهندي قد اكد على لغة واحدة هي اللغة الهندية عدا المحاكم التي تم اعتماد اللغة الإنكليزية اللغة الرسمية فيها . كما ان الدستور ذكر موضوع الدين في مجال ” حظر التمييز على أساس الدين أو العرق أو الطائفة أو الجنس أو مكان الولادة ” .
مما تقدم نجد ان موضوع الطائفية الذي كما ذكرنا سابقا موجود قبل ان تتكون الدولة العراقية الحديثة قد تسلل الى الدستور العراقي متسترا بالنوايا الحسنة او السيئة التي حاولت انكار وجوده . ولكن هل اقتصر الموضوع على النصوص الدستورية فقط ؟
الجواب هو كلا ، فقد اصبح هناك عرفا غير مكتوب واتفاق بين القوى السياسية على تقاسم السلطة بحسب المكونات والطوائف فرئاسة الجمهورية أصبحت “حقا ” حصريا للكورد ورئاسة مجلس النواب “حقا” حصريا للسنة بينما رئاسة مجلس الوزراء فهي “حقا ” حصريا للشيعة . كما تم تقسيم الوزرات الى وزارات سيادية ووزرات خدمية ويتم توزيعها بحسب المكونات بغض النظر على الاختصاص والكفاءة. بل وصل الاتفاق على توزيع الحصص الى الدرجات المتوسطة .
ان الغاية من هذا الاستعراض هي بيان عمق المشكلة والتاكيد على ان محاولة التغطية على المشكلة الطائفية تحت شعارات اللحمة الوطنية والدولة المدنية والاخوة لن يؤدي الا الى تعميق المشكلة وجعل نتائجها اكثر سوء . يجب على من يريد التصدي لهذه المشكلة ان يعترف بوجودها وبعمقها من اجل خلق حالة من المكاشفة بين مكونات الشعب وخلق وعي جماهيري ان من يريد المحافظة على العراق يجب ان ينظر الى جميع العراقيين بميزان واحد ، ويعترف بان هناك من مكونات الشعب من عانى اكثر من غيره وان له استحقاق لتعويضه عما عاناه في الماضي . سيكون استعراضنا لهذه الظاهره على ثلاث مراحل الأولى هي مرحلة ماقبل الحكم الوطني في العراق ، والمرحلة الثانية تتناول ظاهرة الطائفية السياسية في العهد الملكي والعهد الجمهوري لغاية 2003 ، اما المرحلة الأخيرة فستركز على فترة ما بعد 2003 .
اذا رجعنا في تتبع بداية استفحال المشكلة نجد ان البحث سيقودنا الى الحقبة العباسية الأولى التي شهدت ظهور مدارس الفقه الكبرى، التي نعرفها الآن، والمنسوبة إلى الامام جعفر الصادق، مؤسس المذهب الجعفري الشيعي الاثنى عشري والمتوفى سنة 765 ، وأبي حنيفة النعمان ابن ثابت المتوفى سنة 767، ومالك ابن انس المتوفى سنة 795، والشافعي المتوفى سنة 820 ، واحمد ابن حنبل المتوفى سنة 855 . وهذا لايعني عدم وجود مذاهب أخرى الا ان العوامل السياسية، والاجتماعية، والديموغرافية، أدت إلى اختفاء تلك المدارس والمذاهب ، كما هو الحال مع مدرستي الثوري والطبري .
كانت اول محاولة سجلها التاريخ لفرض مذهب واحد على الدولة حصلت في بغداد أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور حيث ارسل اليه ابن المقفع الرسالة المعروفة باسم “رسالة الصحابة” ، وقد أشار فيها ابن المقفع الى ضرورة توحيد ما يقضى به بين الناس في مدونة واحدة يعمل على وضعها عدد من الفقهاء يدونون آراء القضاة المجتهدين والفقهاء في ذلك العصر بعد تمحيصها والترجيح بينها. وقد بين ابن المقفع في رسالته حال اختلاف القضاة المجتهدين، وكيف إن الأمر الواحد يقضي فيه أحد القضاة المجتهدين برأي، ويقضي غيره في نظيره بخلافه، في الأموال والأنكحة وغيرها. وقد أراد أبو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد أن يختار مذهب الإمام مالك وكتابه «الموطأ» فرفض مالك ابن انس ذلك قائلا “إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب” .
بعد نلك الحادثة بداء المذهب الحنفي يلقى قبولا رسميا خصوصا بعد ان ولي أبو يوسف منصب القضاء للرشيد ثم صار قاضي القضاة، فكان لا يعين قاضياً في البلاد الإسلامية، من أقصى المشرق إلى شمالي إفريقية، إلا أن يكون حنفياً. فكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي غير المعلن للدولة في عهد العباسيين. حتى تولى عبد الله المامون الخلافة فحاول ان يفرض العقيدة المعتزلية على الدولة بما صارت تُعرَف لاحقا بالمحنة وهي محاولة إرغام العلماء على القول بأن القرآن مخلوق وليس كلام الله بذاته “وهي القضية المعروفة تاريخياً باسم “خلق القرآن”. وقد استمرت (المحنة ) سنة عشر عاما حتى انهاها الخليفة المتوكل هو من أنهى تلك الأحداث بإطلاق سراح العلماء المعارضين من السجن، وتعيينهم في مناصب سلطة في بعض الحالات.
وقد تحدث المقريزي في خططه عن انتشار المذهب الاشعري بالقول “فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبدالملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب، قد نشئا عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك. واتفق مع ذلك توجه أبي عبدالله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لفقها عنه عامتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبدالمؤمن بن علي الميسي، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهدي المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلا الله خالقها سبحانه وتعالى، كما هو معروف في كتب التاريخ.فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب، وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحكم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة، وعلى الصوفية” .
في عام (381 ) للهجرة حصلت اول محاولة جدية لفرض شريعة واحدة لجميع المسلمين قام بها الخليفة العباسي ” القادر بالله ” الذي اصدر العقيدة المعروفة تاريخيا باسم ” العقيدة القادرية ” وأمر أن يرسل بها إلى أنحاء الدولة العباسية وأطراف الأمة الإسلامية.وكانت هذه العقيدة قد كتبها “أبو أحمد الكرجي” المعروف بالقصاب المتوفي سنة (360هـ)، كما ذكر ذلك ابن تيمية في مواضع من كتبه ، مما يعني أنه قد كتبها للقادر بالله قبل توليه الخلافة، إذ أنه تولى الخلافة سنة (381هـ)، ثم أظهرها في خلافته وأرسل بها في الآفاق.قال الوزير ابن جهير: “هكذا فعلنا أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع” .وممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها محمود بن سبكتكين ، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم على المنابر.قال ابن تيمية: “اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا – من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة – في مملكته، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضا الأشعرية” . وقال الذهبي: “وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولعنوا على المنابر” .
ثم لما كان في سنة 460هـ أعيدت قراءة “الاعتقاد القادري” وأمر بأن يقرأ في الجوامع والمساجد.
قال ابن الجوزي: “وقرأت بخط أبي علي بن البنا قال: اجتمع الأصحاب وجماعة الفقهاء، وأعيان أصحاب الحديث… وسألوا إخراج “الاعتقاد القادري” وقراءته، فأجيبوا وقرئ هناك بمحضر من الجمع… وكان أبو مسلم الليثي البخاري المحدث معه كتاب (التوحيد) لابن خزيمة فقرأه على الجماعة… ونهض ابن فورك قائماً فلعن المبتدعة وقال: لا اعتقاد لنا إلا ما اشتمل عليه هذا الاعتقاد، فشكرته الجماعة على ذلك… وقال الوزير ابن جهير:… ونحن نكتب لكم نسخة لتقرأ في المجالس، فقال: هكذا فعلنا في أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع، وقال: هكذا تفعلون فليس أعتقد غير هذا، وانصرفوا شاكرين”. وقد حددت تلك الوثيقة المعتقدات التي يجب على المسلمين اعتقادها ، وتمنع معتقدات أخرى تحت طائلة العقوبة والنكال ، وقد منعت هذه الوثيقة الاجتهاد. وقد نصت الوثيقة على مايلي ” هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر (…) هذا قول أهل السنة والجماعة؛ الذي من تمسَّك به كان على الحق المبين؛ وعلى منهاج الدين والطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار؛ ودخول الجنة إن شاء الله تعالى”. وكانت هذه الوثيقة هي الاعلان الرسمي لظهور مذهب مايعرف باسم ” اهل السنة والجماعة ” والذي وان كان قد ظهر ايام احمد ابن حنبل ولكن تدوين العقيدة القادرية كان اعلانا رسميا لتبني الدولة لهذا المذهب .
مع ظهور الدولة العثمانية اضطر سلاطين ال عثمان للأخذ بالمذهب الحنفي، كونه الوحيد الذي يعترف بالامامة لغير قريش من المسلمين . ثم أخذوا يحملون الناس على اعتناق مذهبه، حتى أصبح أكبر مذهب إسلامي له أتباع بين المسلمين، بسبب طول فترة حكم الدولة العثمانية الذي امتد حوالي سبعة قرون من الـزمن. بل بلغ بهم الأمر إلى فرض قراءة حفص عن عاصم، بدلاً من القراءات المنتشرة في العالم الإسلامي (وبخاصة قراءة الدوري)، لمجرد أن أبا حنيفة كان يقرأ بها! ونشر الأتراك مذهبه في شرق أوربا والعراق وشمال الشام، لكنهم فشلوا في فرضه في المناطق البعيدة عن نفوذهم كالجزيرة وإفريقيا.ثم قننوا مبادئه في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت تلك أول مرة يتم فيها تحويل الشريعة إلى مواد مقننة، تسن باعتبارها القانون الرسمي الموحد داخل أراضي الإمبراطورية.
وقد بدأت عملية التقنين بإصدارالقانون التجاري في عام 1850، وقانون الإجراءات التجارية عام 1879، وقانون الإجراءات المدنية عام 1880 متبعة في ذلك نموذج القانون الأوروبي، الساعي لسن قوانين شاملة تتضمن كل القواعد المناسبة للحياة اليومية.
في عام 1858 تم اصدار “قانون الجزاء الهمايوني” والذي قسم الجرائم حسب الأحكام المقررة في الشریعة الإسلامیة . كما قسم العقوبة المقررة لها إلى جرائم الحدود وجرائم القصاص والدیة وجرائم التعزیر بشأن جرائم الحدود والقصاص والدیة، مع تحدید عقوبات أخرى كالقتل والحبس والجلد والنفي والتوبیخ، تبعا لنوع الجریمة للجرائم الأخرى كإثارة الفتن ضد الدولة والاختلاس والاستیلاء على الأراضي وتجاوز الموظفین حدود واجباتهم. كذلك دخلت في القانون الهمايوني مفاهيم القانون الجنائي الحديثة مثل الدفاع عن النفس، والمشاركة بالجريمة بشكل غير مباشر والمجرمون الأطفال ، مع تأكیده في مادته الأولى على عدم الإخلال بالحقوق الشخصیة المقررة شرعا .
بعد انتهاء حرب القرم بين روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية عام 1856، فطلبت السلطنة العثمانية من الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو تقنيناً واضحاً لكيفية معاملة الرعايا المسلمين الذين اصبحوا تحت السلطة الروسية بعد خسارة العثمانيين للحرب ، مما دفع الروس للرد بالمثل. فأنشأ السلطان عبد المجيد لجنة من الفقهاء الحنفية منهم الشيخ “علاء الدين عابدين ” ابن صاحب الحاشية مع مساهمين من المذاهب الثلاث الأخرى بصفة مراقبين؛ لتقنين أحكام المعاملات والقضاء، فصدرت مجلة الأحكام العدلية. وقد صدرت المجلة باسم ” مجلة الاحكام العدلية ” عام 1869 وتضمنت جملة من أحكام البيوع، والدعاوى، والقضاء ، واحتوت على 1851 مادة.
في عام 1876 وبأمر من السلطان عبد الحميد الثاني تقرر اعتبار مجلة الاحكام العدلية بمثابة القانون الموحد للسلطنة العثمانية في مجالات البيع، والإيجارات، والكفالة، والحوالة، والرهن، والأمانات، والهبة، والغصب، والإتلاف، والحَجْر، والإكراه، والشفعة، والشركات، والوكالة، والصلح، والإبراء، والأمور المتعلّقة بالإقرار، والدعوى، والبيّنات والتحليف، والقضاء. وكانت تشرف على اصدار المجلة لجنةٌ علميةٌ ألفت بديوان العدلية في اسطنبول وكان رئيسها ناظر هذا الديوان أحمد جودت باشا. كان المصدر الرئيس الذي اغتمدت عليه اللجنة ، كتاب: ” الأشباه والنظائر ” لابن نُجيم الحنفي.
بالنسبة للأحوال الشخصية فقد ظهر هذا المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر حيث ورد هذا المصطلح في كتاب محمد قدري باشا المعروف “بالأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية”. وقد ورد في مقدمته أنه “يشتمل على الأحكام المختصة بذات الإنسان من حين نشأته إلى حين منيته وتقسيم ميراثه بين ورثته”. وقد صنف محمد قدري باشا كتابه على شكل مواد قانونية بلغت 647 مادة أخذها كلها من القول الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة من دون غيره، تلبية لحاجات القضاء الشرعي الإسلامي في مصر الذي يعتمد هذا المذهب في أحكامه على المصريين المسلمين، ثم شاع هذا الكتاب وانتشر ، واعتمده القضاة في أقضيتهم وإن لم يصدر به قانون ملزم، ولهذا الكاتب كتب أخرى في هذا المجال، منها في الوقف وفي أحكام المعاملات. وسميّ هذا “مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان” جعله على أحكام عامة، وأخرى خاصة، وعرضه في مواد بلغت “1045” مادة وفي الوقت الذي بدأ فيه هذا المفهوم في التبلور والوضوح، بادر العثمانيون بإصدار قانون حقوق العائلة سنة 1917 مقتبسين هذا المصطلح المستحدث أيضاً من الغرب لكن ما يميز قانون الأسرة العثماني أنه لم يعتمد الفقه الحنفي، بل أخذ بعض الأحكام من المذاهب السنية الثلاثة الأخرى ولكنه لم يأخذ باي شيء من المذهب الجعفري .
اكتسبت “المجلة” نفوذاً كبيراً عندما أصبحت قانوناً، وصارت نموذجا مبكرا، لإعمال أجزاء كبيرة من الشريعة، بواسطة سلطة الدولة، محولة بذلك بعض قواعد الشريعة إلى قانون وضعي، بالمعنى الحديث للمصطلح. أكثر من ذلك أن هذا التشريع جرى تطبيقه على نطاق واسع على المجتمعات الإسلامية داخل الإمبراطورية العثمانية،وقد أعاقت “المجلة” إمكانية العمل بآراء المذاهب الأخرى بما قننته من أحكام المذهب الحنفي.
بعد دخول القوات البريطانية الى العراق عام 1917 اصدرت (بيان المحاكم) والذي بموجبه شكلت المحاكم الشرعية التي تنظر في الاحوال الشخصية المتعلقة بمذهب اهل السنة فقط ، اما الاحوال الشرعية المتعلقة بالمذهب الجعفري فقد عهد للمحاكم المدنية بنظرها ..




الكلمات المفتاحية
العراق زهير جمعة المالكي مشكلة الطائفية السياسية

الانتقال السريع

النشرة البريدية