الأربعاء 03 آذار/مارس 2021

الترقب الصهيوني-الاميركي للرد الايراني

السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

في اخر الانباء والمستجدات المتعلقة بقضية اغتيال العالم النووي الايراني محسن فخري زادة مؤخرا في شرق العاصمة طهران، نقلت شبكة (سي.ان.ان) التلفزيونية قبل بضعة ايام عن مسؤول رسمي في الادارة الاميركية لم يكشف عن هويته تأكيده “ان إسرائيل تقف وراء اغتيال فخري زادة”.

وبحسب الـ(سي.ان.ان)، يقول المسؤول الاميركي “انه في العادة تطلع اسرائيل الإدارة الأميركية على معلومات حول أهدافها والعمليات التي تعتزم تنفيذها قبل التنفيذ، وان فخري زادة كان أحد أهداف إسرائيل لمدة طويلة ماضية”.

ولاشك انه حينما تسرب وسائل اعلام اميركية مؤثرة وواسعة الانتشار، مثل هذه المعلومات حول قضية حساسة يمكن ان تترتب عليها تبعات خطيرة للغاية، فهذا يعزز الى حد كبير فرضية التورط الاسرائيلي في عملية الاغتيال.

فالشبكة التلفزيونية التي سربت الخبر، ليست ايرانية او من وسائل الاعلام المحسوبة على طهران او المتعاطفة معها او الممولة منها، بل هي قريبة جدا من الاوساط الصهيونية واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الاميركية، بل ان جزءا غير قليل من تمويلها يأتي من هذه الاوساط، وذلك يخرج تسريب وترويج معلومات عن تورط تل ابيب عن منهج الحرب الاعلام والضغوط النفسية، ويدخلها في دائرة المعطيات الواقعية للحدث. وبالتالي فأن تسريب مثل هذه الاخبار عبر وسائل اعلام نافذة ومؤثرة في توجهات وتوجيه الرأي العام، لايمكن ان يكون عفويا وعابرا. ولاشك ان هذا مؤشر قوي-ان لم يكن دليلا-على وقوف تل ابيب ومن خلفها واشنطن وراء اغتيال العالم النووي الايراني.

ويتعزز ذلك المؤشر، حينما نتوقف عند تصريحات ادلى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في شهر نيسان-ابريل من عام 2108، حيث عرض صورا ونبذ مختصرة عن محسن فخري زادة واصفا اياه بـ”رئيس مشروع نووي سري”، وخاطب الصحافيين قائلا “تذكروا هذا الاسم”، في اشارة الى ان هناك مخططا لاستهدافه وقتله.

ومن يتابع ويتحرى بشكل واسع، يجد ان استهداف فخري زادة من قبل الموساد الاسرائيلي لم يكن الاول من نوعه، وطبيعي انه لن يكون الاخير، ففي غضون الاعوام العشرة الاخيرة تم اغتيال خمسة علماء نوويين ايرانيين، عبر تنسيق وتعاون طويل بين الولايات المتحدة الاميركية والكيان الصهيوني ومنظمة ما يسمى بـ(مجاهدي خلق)، واجهزة مخابرات اقليمية اخرى.

فضلا عن ذلك فأن تل ابيب، نفذت على امتداد عقود من الزمن، عمليات اغتيال عديدة طالت، شخصيات سياسية واعلامية وعسكرية مختلفة، ابرزها، اغتيال الامين العام السابق لحزب الله اللبناني السيد عباس الموسوي في منتصف شهر شباط-فبراير من عام 1992، واغتيال مؤسس حركة المقاومة الاسلامية (حماس) الشيخ احمد ياسين في شهر اذار-مارس من عام 2004، ومن ثم اغتيال خليفته عبد العزيز الرنتيسي بعد اقل من شهر على تصديه لمسؤولية قيادة الحركة، واغتيال الرسام الفلسطيني الشهير ناجي العلي في عام 1987 في العاصمة البريطانية لندن، واغتيال القيادي في حزب الله عماد مغنية في عام 2008، ومن ثم اغتيال نجله جهاد في عام 2015.

الى جانب ذلك، فأنه كان لتل ابيب دور كبير في تصفية الكثير من الكفاءات العلمية العراقية بعد سقوط نظام صدام عام 2003، ناهيك عن دعم الجماعات الارهابية المسلحة، ومساندة التوجهات الانفصالية لبعض القوى والمكونات.

والمنهج الصهيوني-الاسرائيلي في استهداف الاعداء والخصوم هو في واقع الامر، ذات النهج الدموي الاجرامي الذي تأسس من خلاله ذلك الكيان قبل اكثر من سبعين عاما، بواسطة منظمات وجمعيات مختلفة، من قبيل منظمة الهاجانا الارهابية، والوكالة اليهودية، والمنظمة الصهيونية العالمية، والمؤتمر اليهودي العالمي، وجمعية الاستعمار اليهودي، اذ ان كل واحدة من هذه المنظمات كان لها ادوارا ومهاما معينة في تهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والامنية والاعلامية لنشوء الكيان الغاصب، على حساب حقوق ومصير وسيادة ودماء وارواح الشعب الفلسطيني.

ومنطقيا فأن الكيان الصهيوني، كان ومازال يسعى من خلال منهجه الدموي الاجرامي الى اضعاف اعدائه وتعزيز قدراته، بيد ان الامور كانت تتجه دوما بالاتجاهات المعاكسة، فأستهداف ايران برموزها وعلمائها شكل حافزا لها للتقدم والاستمرار ومواصلة الطريق، ونفس الشيء بالنسبة لاستهداف حزب الله والحركات والشخصيات الفلسطينية، الذي جعل الردود على تل ابيب قاسية ومؤلمة ومكلفة للغاية.

وبعد اغتيال العالم النووي الايراني فخري زادة لم تستطع تل ابيب-ومعها واشنطن-اخفاء قلقها وخوفها من ردود افعال طهران، لاسيما وان الذاكرة مازالت مشحونة وممتلئة بصور ومشاهد الرد الايراني القاصم على اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ومعه نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس مطلع العام الجاري في العاصمة العراقية بغداد.

ولعل تل ابيب ظلت تشعر بالكثير من المهانة والضعف، حينما اكتشفت في منتصف عام 2018 ان طهران نجحت منذ بضعة اعوام بتجنيد وزير الطاقة والبنى التحتية الاسرائيلي السابق غونين سيغف للعمل لصالحها، حيث ان ذلك عدّ خرقا مخابراتيا كبيرا وخطيرا للغاية، وهي اي –تل ابيب-تدرك وتعلم جيدا ان طهران مهيأة ومتهيأة لكل الخيارات والاحتمالات، وان عدم ردها سريعا على اغتيال فخري زادة، انما يندرج في اطار الحرب النفسية ليس الا، والحال مع واشنطن لايختلف بشيء عما عليه مع تل ابيب.

فالاميركان ينتظرون بفارغ الصبر حلول العشرين من شهر كانون الثاني-يناير المقبل، حتى يغادر الرئيس الحالي المثير للجدل والمشاكل والازمات دونالد ترامب السلطة ويتسلمها جو بايدن، على امل تهدئة الامور وتصحيح المواقف.

ولاشك ان واشنطن تبدو محرجة ومرتبكة وقلقة وخائفة بقدر اكبر من ارتباك وقلق وخوف تل ابيب بشأن ما يمكن ان تقدم عليه طهران انتقاما لاغتيال رائد مشروعها النووي، وبالطبع لايعكس ذلك الحرج والارتباك والقلق والخوف قوة بل انه يستبطن بين طياته الكثير من الضعف، وبالتالي فأن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المحاصر بملفات وفضائح الفساد والعاجز عن تشكيل حكومة جديدة برئاسته، والمحبط من هزيمة حليفه ترامب، سيتعرض لصفعة اخرى قد تزيحه عن كرسي رئاسة الحكومة وتلقي به خلف القضبان ليلتحق بسلفه السابق ايهود اولمرت.




الكلمات المفتاحية
الاميركي الترقب الصهيوني عادل الجبوري

الانتقال السريع

النشرة البريدية