الاثنين 21 حزيران/يونيو 2021

محنة فهم المعايير في الثواب والعقاب الدنيويّين

الخميس 10 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بمقتضى الآية القرآنية الكريمة من سورة (القمر) ، والتي مفادها : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

فإن (القدر) هنا من حيث الدلالة يقتضي وجود المعايير التي بموجبها تتم حركة الكون وسكناته ، وعلى وفقها يتم التعامل الإلهي مع الكون والأفراد والمجتمعات والأمم .

إن الله سبحانه وتعالى ، (وهو صاحب الإرادة) حين وضع قوانين الكون الفيزيائية والرياضية والأخلاقية والكيميائية فإنه يحترمها ، وقد (كتب على نفسه) القبول بحاكميتها ، ولو على سلطته الربوبية ، كما (كتب على نفسه الرحمة) ضمن السياق العام للتعامل مع الوجود وما هو موجود ، ما يستدعي بالنتيجة فرض احترامها والقبول بها والتصرف على ضوءها على الانسان المسلوب الإرادتين (الحياة والموت) في كينونته .

ولكنه سبحانه – بنفس الوقت – يمتلك سلطة تغيير هذه القوانين أو (المعايير) ، وكسرها في زمان ومكان معينين ، وعلى وفق (الحكمة الإلهية) التي نحتاج أن نكون (آلهة) كي نفهمها ، كما يؤمن البعض .

وواضح جداً إن الله سبحانه وتعالى قد وضع (قانون التناقض) قبل خلق مفردات الوجود ، وخلق الكون بموجب هذا القانون قبل الانفجار العظيم ، حيث ألف بين النقيضين في بودقة الكون الواحدة ، فالبرد والحر ، والقبح والجمال ، والظلمة والنور ، والظل والحرور ، والكفر والايمان ، والسعادة والتعاسة ، والفقر والثراء ، وغيرها من المتناقضات التي تعشش في كل زاوية من زوايا الكون ، وتشغل جميع حيز حياة الانسان منذ ولادته (الأولى) وحتى مماته وانتقاله إلى (طور جديد) يعيده إلى (الدنيا) بثوب جديد خاضع لنفس القوانين ، أو ينتقل به إلى طور آخر خالٍ من (بعض) سلطة القوانين المادية ، ولكنه – حتماً – لا يخرج عن هذه القوانين والتناقضات أيضاً ، كوجود الجنة والنار ، والثواب والعقاب ، والراحة والألم ، والشدة واللين ، والغضب والرضا .

وعلى الرغم من ضعف الانسان ، وضآلة حجم وجوده في هذا الكون ، ولكن طموحه (الفكري والمعرفي) لا تحده حدود ، خصوصاً بعد اجتيازه مرحلة (التشخيص) الذي اعتاده إنسان (ما قبل آدم الأخير) ، إلى مراحل (التجريد) ، بعد ولادة آدم من (أبوين مشخصاتيين) ، واختاره الله ليكون خليفته في الأرض بغية إعمارها .

لقد خضع آدم الأخير لـ (معسكر تدريبي) في جنته الأرضية ، وتعلم فيها كيف يكون (بشراً تجريدياً وتشخيصياً) بنفس الوقت ، بعد أن كان محض (إنسان مشخصاتي) ورث (التشخيص) من أبويه اللذين كانا (يفسدان في الأرض ويسفكان الدماء) ، ولا يعرف معنى السعادة أو التعاسة أو الحزن أو المفاهيم الأخلاقية .

منذ آدم ، وعلى وفق المشروع الإلهي في الكون ، بدأ آدم يمارس (وظيفته) في تبشير شركاءه من الناس الذين سبقوه في الوجود على الأرض ، وكذلك أبناءه وأحفاده وزوجه ، حيث كان يبشرهم بوجود خالق ، وأن هناك شيئاً يسمى (إيمان) ، وأن ثمة (أخلاق) يجب أن تحكم الموجودين على الأرض ، وأن هناك ظلماً ، وعدالة ، وخطأ وخطيئة وتوبة ، وأن هناك حساباً وعقاباً وعتاباً ، كل هذا بعد تجاوز آدم مرحلة التدريب الأولى بعد أن (تعلم آدم الأسماء كلها) ، وبعد أن تطور لمرحلة (التجريد) وعرف معنى (الطاعة والعصيان) ، وحين عةف معنى (التوبة والندم) بعد أن (تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) ، ومن هنا بدأت مرحلة الانعتاق من الـ (ماديات) إلى الـ (ماورائيات) ، وانطلق البشر للبحث عما هو موجود في (دواخلهم) ولكنهم يرون (محسوسه) ولا يرون (ملموسه) .

وقبل نوح ، حين كان الله يبعث من (الملائكة) رسلاً ، كان الأمر أكثر سهولة لدى الانسان في قبول رسائل (ما وراء المادة) ، بحكم رؤيتهم للملائكة ونزولهم من العالم المجهول الذي لا يعرفون عنه سوى ما تخبرهم به الملائكة المرسلون ، ولم يكن بوسعهم تكذيب ذلك بحكم ما يرونه (تشخيصاً) أمام أعينهم ، ولكنهم كانوا (يكذبون المرسلين) من حيث (التجريد) ، ذلك لأنهم ما زالوا أبناء (التشخيص) ولم يتخلصوا من قيوده بعد ، وصعب عليهم فهم أو تخيل ما وراء عالمهم المادي .

في زمن نوح ، بدأ الانسان يصل إلى مرحلة (النضج) التي يمكن معها للانسان أن يتقبل فكرة (التشريع) والقوانين الصارمة ، والحلال والحرام بمعناه الأوسع والمبرر ، وبدأ (خيالهم) ينضج لقبول فكرة وجود (عالم آخر) ، ولذلك كانت تجربة المجتمع الأولى مع (أول) مرسل من البشر ، حيث كان نوح أول المرسلين من البشر ، في بقعة معينة ومحددة ، مما استدعى استغراب الناس لادعاءه بأنه من (المرسلين) بعد أن اعتادوا على وجود (الملائكة) رسلاً .

ومن بعد نوح ، بدأت رحلة البحث ، وتنقلت فكرة البحث بين عقول الفلاسفة ، واستدعى البحث أن تكون هناك سلسلة من الأسئلة ، وربما كان مفتاح الاجابة عنها هو السؤال الأغرب والأصعب عند (المؤمنين والملاحدة) ، وهو : –

(إذا كان الله موجوداً ومتحكماً بالوجود ، فما هو المعيار الذي ينزل بموجبه غضبه ورضاه على الأفراد والجماعات) ؟

فهناك أفراد أو جماعات اقترفوا خطايا ومعاصي قد (عذبهم) الله عليها في الدنيا ، وأنتقم منهم ، و (لم يذر منهم على الأرض ديّاراً) ، وجعل منهم عبرة للأمم اللاحقة ، بيد أن هناك أفراد وجماعات وأمم لم ينلهما غضب الله وانتقامه على الرغم من اقترافهم لنفس المعاصي والموبقات والخطايا التي اقترفتها أمم غيرهم ، وربما أكثر من ذلك .

فهناك كافر ثري وآخر فقير ، وهناك مؤمن ثري وآخر فقير ، وهناك طفل برئ يتعذب من المرض وآخر صحيح سعيد ، وشيخ كبير (كافر أو مؤمن) يتعذب من المرض وثمة شيخ (مؤمن أو كافر) معافى وسليم ، وهناك أمم مؤمنة تعيش بسلام وآمن وأمان ، وهناك مثلها أمم مؤمنة تجتاحها الزلازل والطوفان والجفاف ، في حين أن هناك أمم كافرة وفاسدة تعيش بأمان وهدوء وتأتيها أرزاقها بكرة وعشياً ، في نفس الوقت الذي نجد فيه أمماً كافرة تعاني الفقر والجوع والأوبئة والكوارث الطبيعية .

ولو أننا أخذنا مقطعاً (فوقياً) لما يحدث في المجتمعات المتناقضة من أحوال متناقضة ، لعرفنا أن ليس هناك (معايير) محددة يحكم الله سبحانه بها الكون ، وأن (الحاكم) الفعلي هو (الطبيعة) وتقلباتها ، ولكن آية في كتاب الله تقول : (إنا كل شئ خلقناه بقدر) تمنحنا أو تفرض علينا التوقف وإعادة النظر في حكمنا المخطئ والخاطيء بعدم (معيارية) تعامل الله مع الوجود على الأرض بأقل تقدير .

لقد كان هذا السؤال مثاراً لإلحاد البعض ، ونكرانهم لوجود خالق يعمل بمعايير دقيقة (بقدر) ويحكم من خلالها على تصرفات وسلوك الانسان ، بيد أن البعض منهم حين ينظر لدقة القوانين التي تؤطر الكون فهو يشعر بوجود (فوة عليّة) تسيطر على هذا الكون ، ولكن هذا البعض يجدها عاجزة عن التحكم في محاسبة ومعاقبة الأفراد والمجتمعات ، ولا تستطيع أن تفرض معاييرها .

لقد ارتاح (المؤمنون بالغيب) واستأنفوا حياتهم الطبيعية بعيداً عن (وجع الرأس) ، حين أرجأوا هذا الاختلاف والتناقض في (معايير) تعامل الله مع الصالحين والطالحين ، واعتبروه جزءاً من (حكمة الله) ، وإن الله هو من يتحكم بـ (المعايير) ويضعها وليس العكس ، وآمنوا بــ (وجوب) التسليم و (الرضا) بقضاء الله وقدره ، وأعتبروا هذا (الرضا) مدعاة لاستنزال (رضا) الله ، وابتعدوا عما يمكن أن يخدش إيمانهم بالله ، وبالحساب والقاب العادلين .

بيد أن هناك من يريد أن يغوص في أعماق الوجود ، ويجلس بحضرة خالق الوجود ، ليبحث عن (المعايير) التي وضعها الله في مسألة (الثواب والعقاب) و (الرضا والانتقام) على الأرض ….. وما زالوا يبحثون .




الكلمات المفتاحية
الثواب العقاب الدنيويّين راسم المرواني محنة فهم المعايير

الانتقال السريع

النشرة البريدية