الجمعة 26 شباط/فبراير 2021

ماذا دار في اجتماعات اللجنة الدستورية السورية؟

الجمعة 04 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

صرح رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، هادي البحرة، بأن القضايا الإنسانية لها الأولوية القصوى، ولكن لابد من إيجاد آليات لضمان عودة طوعية وكريمة للاجئين والنازحين.
اتسم اليوم الثاني للجولة الرابعة لمفاوضات اللجنة الدستورية السورية في جنيف بحوار هادئ وعدد قليل من المقاطعات ونقاط النظام، بينما استهل وفد الحكومة حديثه بطرح معوقات عودة اللاجئين واستفاض في الحديث عن العقوبات الاقتصادية وسياسات المجتمع الدولي في الكيل بمكيالين عند الحديث عن حقوق الإنسان وفي الوقت نفسه فرض إجراءات أحادية الجانب تتعارض مع القانون الدولي وحقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية للدول، مستشهدين بقرارات سابقة للجمعية العمومية ومحكمة العدل الدولية، واستخدموا إحصاءات رسمية عن حجم الخسائر الاقتصادية في سوريا، ثم تركزت أغلب المداخلات حول موضوع العقوبات المفروضة على سوريا، بينما أصر المتحدثون على أن العقوبات ليست سوى جزء من محاولات غربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوى العولمة لإخضاع سوريا.
من جانبه قدم وفد المعارضة عددا من المبادئ التي تتعلق بالسيادة الوطنية واستقلال القضاء والعدالة الانتقالية وناقش بعضهم عودة اللاجئين، من باب أن ذلك ليس من بين اختصاصات اللجنة، سوى من جانب التبعات الدستورية، وهو ما يتطلب الخوض في الهيئات الوطنية المستقلة المطلوب إنشائها وتحصينها دستوريا لضمان حقوق الحركة والجنسية والملكية والحصول على الثبوتيات ومعالجة كل الإشكاليات المتعلقة بعودة اللاجئين، وتوفير الخدمات في المستقبل. كما ركز الوفد على أن الأزمة الإنسانية تتطلب حلا للاستعصاء السياسي.
كذلك قدم الثلث الممثل للمجتمع المدني السوري مداخلات متفاوتة ما بين مناقشات حول سرديات التهجير، وعدم ارتباطها فقط بالإرهاب، وإن كان هو العامل الأساسي، ولكن كذلك الملاحقات الأمنية والعنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية وأسباب أخرى اجتماعية واقتصادية. ثم تداخلت التفاصيل حول انعدام الأمن بالنسبة للنساء في الداخل كمثال على  تغول الأمن والاعتقال والفساد الذي يمنع المواطنين والنساء خاصة عن حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وظهرت بعض المقاربات وإمكانية التوافق من وفد المجتمع المدني حول الاتفاق بالخطوط العريضة على حق العودة الطوعية والآمنة والكريمة كمبدأ، ثم ترك التفاصيل والضمانات لاحقا لكتابة الدستور، إلا أن بعض المتحدثين تكلموا عن أن هذا الحق لا يجب أن يشمل من تلطخت أيديهم بالدماء.
وعقب انتهاء الجلسة الثانية التي كانت برئاسة هادي البحرة، قال في حوار نشر على مواقع التواصل الاجتماعي: “إن القضايا الإنسانية يجب ألا تكون محل تفاوض، وأن لها الأولوية الأولى بالنسبة لأبناء شعبنا السوري، وبالتالي فإن قضية اللاجئين والنازحين، وقضية المعتقلين والمغيبين قسريا والمساعدات الغذائية والطبية، وكل هذه القضايا تهمنا فعليا نحن أبناء هذا الشعب. إلا أن اللجنة الدستورية محددة التفويض، وليس منوطا بها خوض نقاشات إعلامية، أو إصدار مواقف سياسية. وينحصر طرح اللجنة بخصوص المواد الدستورية التي يمكن وضعها لضمان حقوق اللاجئين، وعدم تكرار المأساة السورية في المستقبل، فيما يخص الاعتقال التعسفي، والاعتقال دون محاكمات، والتغييب القسري”.
وتابع البحرة أن القضايا السياسية ضمن نطاق عمل هيئة التفاوض السورية التي يمكن أن تتفاوض بهذا الشأن بالتوازي مع عمل اللجنة الدستورية، وفي اللحظة المناسبة التي تتوافر فيها الإرادة الدولية الكافية لتفعيل المفاوضات بشأن السلال الأربعة التي يشملها قرار مجلس الأمن رقم 2254.
ما يقوله البحرة ببساطة هو أن اللجنة الدستورية إنما تضع الأسس التي ستكون بمثابة المبادئ الأساسية التي سوف تتأسس عليها سوريا الجديدة، بمعنى شكل الدولة المستقبلية، نوع الحكم، النظام السياسي، صياغة المضامين الدستورية للدولة الجديدة. وبالتالي فإن إطار التفويض لهذه اللجنة محدد ونوعية العمل محصورة في تلك الجزئية، حيث أن الدستور هو أحد أربع سلال ضمن قرار مجلس الأمن رقم 2254.
لكن عمل اللجنة الدستورية مفصلي وشديد الأهمية بالنسبة لكونه مفتاحا لبحث بقية السلال، التي من الممكن أن تسير بالتوازي إذا ما توفرت الجدية والإرادة، فالاتفاق على مسودة الدستور، يعني الشروع في بحث عملية الاستفتاء على الدستور، وهو المفترض أن يكون أول عملية انتخابية في سوريا المستقبل.
لكن تلك العملية لابد وأن تتم في بيئة آمنة ومحايدة، تحت الإشراف الكامل من هيئة الأمم المتحدة، ولكي تشرف الأمم المتحدة لابد أن تتحقق محددات أساسية واضحة ومعروفة للجميع قبل الخوض في هذه العملية.
لهذا يمكن الحديث عن قضايا النازحين واللاجئين في اللجنة الدستورية فقط من باب الأحكام الانتقالية التي ستراعى ضمن القضايا التي عادة لا توجد في الدستور الدائم للدولة، فيما يخص العدالة الانتقالية، وحقوق اللاجئين والنازحين في العودة إلى أوطانهم الأصلية، والحفاظ على أملاكهم، وتعويضهم، وجبر الضرر، والتعامل مع المصابين والمعاقين والمغيبين قسريا خلال فترة الحرب وغيرها. وذلك كضمانة دستورية لا أكثر. أما وضع قضايا اللاجئين والنازحين ورفع العقوبات على طاولة المفاوضات، وعلى الرغم من التعقيد الشديد للأزمة السورية وصعوبة تفكيك القضايا من بعضها البعض، فهو مجرد خلط للأوراق من قبل وفد الحكومة من أجل المزايدة الشعبوية على مواقف المعارضة، وكأن المعارضة إنما تهمل قضايا اللاجئين والنازحين، وتنكب على مناقشة أمور نظرية “قد لا تهم” المواطن السوري في ظل الأزمة الطاحنة.
الواقع هو العكس. فالتعجيل بإنجاز اللبنة الأساسية للدستور، وتحديد هوية الدولة السورية، وصياغة المضامين الأساسية في الدستور السوري، الذي سيكون مظلة يحتمي بها السوريون، تضمن سيادة القانون وتوفر العدالة وتحقق المستقبل الواعد والفرص المتساوية لشباب وأطفال سوريا في وطن يفتخرون بالانتماء إليه، ويضحون من أجل سيادته واستقلاله، كل ذلك هو الخطوة الأولى والصعبة، ولكنها شديدة الأهمية بالنسبة لحل الأزمة السورية. فالدستور هو العقد الاجتماعي الذي يسطره السوريون بدمائهم الغالية، وما تقوم به اللجنة الدستورية الآن هو صياغة هذا العقد الاجتماعي الذي دفع الشعب السوري من أجله ضحايا تقدر بمئات الآلاف، وعقد كامل من الحرب الأهلية، ناهيك عن الوضع الكارثي الذي يعيشه الشعب السوري بين اللجوء والنزوح والاعتقال والتغييب القسري.
إن المبادئ الأساسية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تترابط على نحو وثيق مع ضرورة شمولية الحل السياسي، فلا يمكن تأسيس سوريا المستقبل دون تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 والسلال الأربعة، التي تشكل الضمانة الرئيسية للسوريين بالعودة إلى وطنهم، ومن دون وجود الحل السياسي، من الصعب إقناع السوريين بالعودة، على خلفية صعوبة الوضع بالنسبة للسوريين داخل المناطق السورية.
 لا توجد قوة في العالم يمكنها أن تقف أمام السوريين لإعادة البناء، ومن المضحك حتى التفكير في أن مجموعة متخصصة، تشمل ممثلين عن الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، تعجز عن صياغة مبادئ دستورية واضحة قادرة على حماية مواطنيهم من  كبار السن والأمهات والأطفال والشباب السوريين، حماية المواطن السوري.
إن الشعب السوري بكل أطيافه ومكوناته ومواقفه السياسية يعاني فوق طاقة البشر، فهو يقف اليوم على شفا المجاعة، في ظل اقتصاد منهار، وجائحة تحصد يوميا عشرات السوريين.
أن وجود دوائر فساد  تستحوذ جهارا نهارا  على المساعدات الإنسانية التي لا تصل إلى مستحقيها في هذا الوقت العصيب هو الدرك الأسفل من الإنسانية.
اليست 10 سنوات بالوقت الكافي كي يدرك الجميع أن الوقت قد حان لإنهاء هذا العبث، والتحلي بالنضج السياسي، والشروع في عملية انتقالية تنهي معاناة الشعب السوري، وتنقذ الدولة السورية من الخطر الداهم؟




الكلمات المفتاحية
رامي الشاعر

الانتقال السريع

النشرة البريدية