الأحد 17 كانون ثاني/يناير 2021

كلمة صنعتني

الجمعة 04 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

في العام 1957 كان المذيع سليم المعروف يقدم برنامـجاً ثقافيا في الإذاعة عنوانه (البريد الأدبي). وذات يوم فاجأني الأخ سامي مهدي، زميلي في شعبة الخامس الأدبي في ثانوية الكرخ، بتهنئتي على قصيدة من ديواني الشعري الأول. وفي اليوم التالي قررت أن أذهب لمقابلة سليم لأشكره، ولأهدي إليه نسخة من الديوان.

ذهبت إلى الإذاعة، وانتظرته في الاستعلامات، وكلي عيون وآذان وأنا أراقب الداخلين والخارجين. ولأنني لم أكن شاهدت أحداً من المطربين أو المذيعين من قبل إلا في صور المجلات والجرائد، فقد تعرفت على حضيري أبو عزيز وناظم الغزالي من المطربين، وقاسم نعمان السعدي من المذيعين، والدكتور مصطفى جواد، اللغوي الشهير، وهم يدخلون أو يخرجون من استعلامات الإذاعة. وكان فرحي لا يوصف حين جاء سليم وصافحني باستغراب حين وجدني يافعاً في السادسة عشرة من عمري، وكان يظنني غير ذلك. واصطحبني إلى غرفة المذيعين. بعد ذلك أخذني إلى أستوديو كبير وأجلسني وراء ميكروفون كبير كان يتدلى من حامل حديدي ضخم، وطاولة واجهتُها من الخيزران المشبوك. كانت تلك جنّتي التي طالما حلمت بها. وأرشدني إلى مصباح أحمر فوق باب الأستوديو من الداخل وقال: “حين يضاء تبدأ بالقراءة”. وبهدوء ودون ارتباك بدأت القراءة، وكأنني متمرس على هذا من زمان. لقد أعجبه إلقائي للشعر، وأثار انتباهه هدوئي وتماسكي أمام الميكروفون. وحين انتهيت دخل علي مهنئا وقال: إنك نصف مذيع.

قد لا يكون يقصدها، أو قد تكون مجاملة عابرة، لكنها فعلت في نفسي فعلها العجيب.

إذن عليّ أن أصنع النصف الثاني من المذيع. ومن يومها وأنا أستمع إلى المذيعين، وأميز أساليبهم، وأتعلم منهم بشغف، وأعد نفسي بأن أكون بينهم في ذات يوم.

كانت وزارة التربية (المعارف) قد أصدرت أمرا وزاريا توصي فيه المؤسسات والمدارس التابعة لها بتشجيع الشاعر الصغير واقتناء ديوانه، رغم سذاجة قصائده التي لم أعد إلى قراءتها لقناعتي بأنها ليست من الشعر في شيء، وأعجب من اهتمام الوزارة بها.  

وذات صباح ذهبت لزيارة الرجل الطيب الكريم، أبي جلال، شاكر علي التكريتي، مدير الاستعلامات العام في وزارة المعارف، للسلام عليه وللاستمتاع بأحاديثه وطرائفه النادرة. لكنه فاجأني بحماس غير عادي قائلا لي: أين أنت؟  إن عادل نورس يريد أن يجري معك لقاء لبرنامج الطلبة الذي يذاع صباح كل يوم جمعة من إذاعة بغداد. سألته: وكيف علم بعلاقتي بك ليسألك عني؟، وكيف تعرف علي؟، قال: لقد وصلهم كتاب التوصية الذي عممته الوزارة، وكان طبيعيا أن يتصل بمديرية الاستعلامات ليطلب عنوانك.

كان عادل نورس من أبرز المذيعين على شاشة التلفزيون ومن أحبهم إلي. وعلمت بأنه المسؤول عن البرامج الإذاعية في مركز وسائل الإيضاح التابع لوزارة المعارف.

ولأن المركز يقع في مكان بعيد لا أعرفه جيداً، وخشي عليّ أبو جلال من الضياع، وأنا القروي الساذج الوافد الجديد إلى العاصمة، فقد طلب عادل نورس هاتفيا ورجاه أن يحضر بنفسه لأخذي من الوزارة. ومرَّ زمن ليس بالقصير، ثم أطل عادل بصوته الساحر الرخيم، وابتسامته الدائمة، وصافحني بحرارة. فشعرت بمودة غريبة نحوه من اللقاء الأول. أنهينا تسجيل اللقاء في أستوديو مركز وسائل الإيضاح في منطقة (العلوية) في بغداد، ثم تركني وحدي وراء الميكروفون، لأسجل له مجموعة قصائد يذيعها في فترات متباعدة قادمة. وفور انتهائي من القراءة، هنأني وأخذني من يدي وأدخلني على مدير المركز، المخرج السينمائي المعروف عبد الجبار ولي الذي رحب بي هو الآخر، وأخبرني بأن عادل رشحني للعمل معه بقراءة أخبار الطلبة، أسبوعيا. وتلك كانت بداية المشوار الطويل. 




الكلمات المفتاحية
ابراهيم الزبيدي

الانتقال السريع

النشرة البريدية