السبت 02 كانون ثاني/يناير 2021

إيران لن تستعجل الرد، وأمريكا في حيرة من أمرها

الثلاثاء 01 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

صيف العام الماضي، استأجرت سيارة صغيرة من مطار الإمام الخميني، نحو 40 كم الى الجنوب الغربي من العاصمة طهران بهدف الوصول الى مدينة قم .
وفي الطريق إلى قم التي تبعد نحو 160 كم الى الجنوب من العاصمة طهران، تجاذبنا والسائق الذي تجاوز الستين بقليل، أطراف الحديث حول الوضع المعيشي والسياسي والأزمة التي تمر بها البلاد بسبب العقوبات الأمريكية.
لم يخف الرجل تململه من تردي الوضع المعيشي وتراجع العملة الايرانية بشكل كبير امام العملات الأخرى، والأثر السلبي لهذا التراجع على الأسعار التي راحت تضغط بشكل مؤلم على شريحة واسعة من المواطنين الإيرانيين.
لكنه، وكغيره من الايرانيين، أبدى ثقة كبيرة بقيادة بلاده في إدارة هذه الأزمة، خصوصا وأنها تتعرض لضغوط خارجية منذ انتصار الثورة الإسلامية في 16 كانون الثاني عام1979 .
وقال الرجل الستيني بالحرف” مررنا بظروف أصعب حين احتشد العالم ضدنا في حرب الثمان سنوات،وقد تجاوزنا تلك المحنة. نحن نثق بكبارنا، ونسير على الرغم من كل التحديات”.
كان يشير إلى الحرب العراقية ـ الإيرانية التي اندلعت بتحريض غربي وخليجي في ثمانينيات القرن الماضي لإجهاض الثورة الإسلامية في إيران. لكنها استمرت لنحو ثمان سنوات دون ان تحقق الهدف منها.
وقد خرج العراق منهكا من الحرب ووقع في مصيدة أخرى حيكت له، حين غزا الكويت وفرضت عليه عقوبات دولية وانهار بعد ان كان في عام 1979 دولة قوية عسكريا واقتصاديا ومتماسكا اجتماعيا.
بينما انطلقت إيران بعد الحرب مع العراق فشدّت أحزمتها للبناء والإعمار وشيدت مصانع عملاقة لتلبية احتياجات شعبها وتواجه العالم اليوم لتصبح دولة نووية، والأهم أنها تملك قرارها السيادي في وقت ترضخ جميع دول المنطقة للهيمنة الأمريكية.
ما يمّيز الأمة الإيرانية أنها تدرك بوعي كبير المخططات التي تحاك ضدها وتعمل على إفشالها ولديها بنك ضخم من العقول التي تدير البلاد بحنكة.
صحيح أن أياد خارجية باتت تستثمر في عوز المواطنين الايرانيين وحاجتهم وتجند بعضهم في أعمال تخريبية تخلّ بالأمن. غير أن الحياة في المدن الايرانية تسير بشكل طبيعي.
غداة عملية اغتيال العالم النووي الايراني، محسن فخري زاده، تذكرت الحوار الذي دار بيني وبين سائق التكسي، خصوصا وأن عملية الاغتيال هذه تأتي بعد عام تقريبا من اغتيال قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس في مطار بغداد من قبل طائرة مسيرة امريكية.
ويبدو أن قدر الأمة الإيرانية أنها تواجه المحن والمصائب بشكل مستمر منذ انتصار ثورتها قبل أربعين عاما. لكنها في كل مرة تخرج منتصرة قوية.
أول تحدٍ خارجي واجه الإيرانيين في نيسان 1980 أي بعد عام تقريبا من انتصار ثورتهم، كان عملية التدخل العسكري الأمريكي لإنقاذ رهائن السفارة الأمريكية في طهران، فيما عُرف بعملية “مخلب النسر” التي فشلت فشلا ذريعا بسبب عاصفة ترابية دمرت طائرتين وقتلت ثمانية جنود امريكان.
كانت خطة العملية معقدة جدا تشارك فيها طائرات متنوعة وجنود مدربون وعملاء المخابرات الامريكية، وتستثمر الفوضى وانهيار الجيش وقوى الأمن في إيران بعد الثورة لإطلاق الرهائن الأمريكيين.
لكن العملية فشلت بسبب عاصفة ترابية، بينما كان الإيرانيون غافلون عما يحاك ضدهم.
بعدها ورّط الغرب ودول في الخليج، العراق بحرب ضد إيران لم تكن مبررة، ولا منطقية، فبينما كانت إيران مشغولة بترتيب اوضاعها الداخلية إثر الثورة التي اجتاحتها لعدة أعوام، فوجئت بنيران الحرب تندلع في مدنها الغربية المحاذية للعراق.
كان مخططو الحرب المجنونة يعولون على انهيار إيران المحاصرة. لكنهم فوجئوا بصمودها وخروجها قوية من تلك الحرب، فعمدوا إلى تشديد العقوبات ضدها.
وكما فشلت الحرب في إيقاف تطور إيران، فشلت العقوبات في تقويض نهوضها، فلجأ أعداؤها منذ وقت إلى الاغتيالات لإيقاف تطورها العسكري.
من الواضح أن خصوم إيران وأعداءها في حيرة من أمرهم، فإيران تمتلك قوة ردع صاروخية قوية، ويمكنها إلحاق الأذى بحلفاء أمريكا وقواعدها في المنطقة اذا ما اندلعت الحرب.
كما أن مهاجمة إيران وتعريض أمن الشرق الأوسط وطرق إمداد العالم بمصادر الطاقة للخطر، مسؤولية دولية جسيمة لايبدو أن أمريكا مستعدة لتحملها بشكل صريح ومباشر.
لذا هي تلجأ إلى استفزاز إيران لعلها تدفعها لتكون الطرف الباديء في إشعال فتيل حرب دولية في المنطقة لتتنصل- امريكا – من هذه المسؤولية.
لكن الإيرانيين بارعون في قراءة النوايا جيدا، ويفككون دوافع الأفعال ويختارون لها الرد المناسب، في الوقت المناسب، ولا يستعجلون في اتخاذ القرارات المصيرية إلا حين يكونون في حالة دفاع صريح ولازم عن النفس.
فهل ستلجأ إسرائيل المرعوبة من البرنامج النووي الإيراني، وأمريكا من خلفها إلى مهاجمة إيران وتتخليان عن خيار الحذر والتربص، خصوصا بعد أن ردت إيران على اغتيال عالِمِها بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم؟
هذا ما ستجيب عنه الأسابيع المتبقية من ولاية ترامب الرئاسية.




الكلمات المفتاحية
أمريكا إيران الإمام الخميني عباس سرحان مطار

الانتقال السريع

النشرة البريدية