الأربعاء 20 كانون ثاني/يناير 2021

بايدن الرئيس ومشاريع التقسيم!

الاثنين 23 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 كان الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن، رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، حينما طرح في عام 2007 مشروع تقسيم العراق الى ثلاثة دول-كانتونات-على اساس قومي وطائفي، كحل لمشكلة الاحتقان السياسي بين مكوناته، وتم التصويت عليه من قبل المجلس، علما ان طرح مشروع بايدن جاء متزامنا مع ذروة التصعيد الطائفي الذي اوجده تنظيم القاعدة الارهابي في العراق، وتسبب بسقوط الكثير من الضحايا الابرياء من مختلف مكونات النسيج المجتمعي العراقي.

   وبعد ان اصبح نائبا للرئيس باراك اوباما للفترة من عام 2009 وحتى عام 2017، تجنب بايدن اعادة طرح مشروع تقسيم العراق، ليس لانه لم يعد مقتنعا به، او انه اكتشف حقائق ومعطيات جديدة، وانما لان موقعه الجديد يحتم عليه ان يتصرف بحذر في اطار المسارات والسياقات الرسمية المعلنة للادارة الاميركية، بيد ان ذلك لم يكن ليعني ان مشروعه التقسيمي قد طواه النسيان واصبح من الماضي، فالجدل الكبير الذي اثاره في مختلف الاوساط والمحافل السياسية والاعلامية والفكرية في واشنطن وبغداد وعواصم اخرى، لم يتوقف، وبات كل من يريد ان يتحدث عن اي تصورات او افكار بشأن تقسيم العراق-سلبا او ايجابيا-لابد ان يعرّج بطريقة او بأخرى على مشروع بايدن.

   واليوم، بعد فوز بايدن بالسباق الرئاسي الاميركي، عاد الحديث مجددا بقوة عن مشروعه التقسيمي المثير للجدل، وسط تكهنات عديدة  عن طبيعة المنحى الذي سوف يتخذه الرئيس الجديد حيال ملف مهم وحيوي وحساس، لاتقتصر اهميته وحيويته وحساسيته على العراق فحسب، وانما تمتد الى الفضاء الاقليمي العام.

   وطبيعي ان بايدن الذي تجنب الخوض في مشروع تقسيم العراق حينما اصبح نائبا للرئيس قبل اثني عشر عاما، لن يخوض فيه بعد ان عاد الى البيت الابيض رئيسا، لاسباب واعتبارات عديدة، ولكن هذا لايعني ان الفكرة غادرت ذهنه، ولم يعد لها وجود، بل ان المؤشرات والقراءات الاولية تذهب الى ان مشروع التقسيم سيكون احد ابرز المانشيتات الرئيسية للملف العراقي في دوائر ومراكز صنع القرار في واشنطن، انطلاقا من حقيقة ان المشروع هو في واقع الامر اكبر من بايدن، سواء كان سيناتورا في الكونجرس الاميركي او نائبا للرئيس او حتى الرئيس نفسه، وخلفيات المشروع لاتعود الى عام 2007، حينما طرحه بايدن وحظي بترحيب مجلس الشيوخ وليكون قرارا غير ملزما، بل ان دوائر وشخصيات اميركية واسرائيلية مختلفة بدأت بالعمل عليه والترويج له قبل اكثر من ستين عاما. 

   ففي عام 1957 اصدر كاتب هندي اسمه (ر.ك. كرانيجيا)، كتابا تحت عنوان “خنجر اسرائيل”، تضمن وثائق مسربة من الجيش الاسرائيلي تتحدث عن مخطط لتقسيم العراق الى ثلاث دويلات، كردية وشيعية وسنية، وبعد حوالي خمسة عشر عاما قد وزير الخارجية الاميركي الاسبق هنري كيسنجر مشروعا تضمن تقسيم الدول العربية على اساس طائفي، على ان يبدأ المشروع من العراق بأعتباره يشكل الحلقة الاخطر على  امن الكيان الصهيوني، بينما نشر “عوديد بنون” مستشار رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق مناحيم بيغن في عام 1980 مقالا مفصلا تحت عنوان (استراتيجية اسرائيل في الثمانينيات)، دعا فيه صراحة الى تقسيم الوطن العربي من موريتانيا وحتى عمان على اساس عرقية وطائفية، ويكون للعراق الأسبقية في التقسيم الى ثلاث دويلات تحت ذريعة إن هذا البلد هو العدو الأكبر لإسرائيل.

   وبعد بنون، ظهر المستشرق البريطاني الصهيوني “برنارد لويس”، ليقدم خريطة الى الكونجرس الاميركي، يقترح فيها تحويل الدول العربية-لاسيما الفاعلة والمؤثرة منها-الى كيانات صغيرة بعناوين طائفية وعرقية، لضمان امن اسرائيل وتفوقها على جيرانها ومحيطها الاقليمي.      

   وخلال الفترة الزمنية المحصورة بين غزو نظام صدام لدولة الكويت عام 1990 وما ترتب عليها من وقائع واحداث وحتى الاطاحة بذلك النظام في ربيع عام 2003، ازدهرت وانتعشت افكار واطروحات ومشاريع تقسيم العراق، ارتباطا بمجمل التحركات الساعية الى محاصرة واضعاف واسقاط نظام صدام، ولعل البعض رأى في مشروع المنطقة الامنة بشمال العراق فوق خط العرض 36 التي اقرها مجلس الامن الدولي بعد حرب تحرير الكويت، من اجل تأمين الحماية للاكراد، مثلت مقدمة او خطوة اولى للانطلاق العملي بمشروع التقسيم.

   وقبل الاطاحة بنظام صدام بحوالي عام، نشر مركز ستراتفور للدراسات والابحاث، ان الإستراتيجية الأميركية البعيدة المدي، التي تعقب غزو الولايات المتحدة للعراق هي تقسيم البلد إلى ثلاث مناطق منفصلة، منطقة سنية في الوسط تنضم إلي الأردن، ومنطقة شيعية في الجنوب تنضم إلى الكويت أو إيران، ومنطقة كردية ضمنها الموصل وكركوك، هذا في الوقت الذي راحت بعض وسائل الاعلام الاسرائيلية تتحدث بوضوح وصراحة عن ان احد اهداف غزو العراق يتمثل بأقتطاع المحافظات السنية وضمها إلى الأردن، كما كان يروج لذلك ساسة كبار في بعض دوائر القرار بواشنطن.

   هذه الارقام والمعطيات تعزز ما اشرنا اليه انفا، من ان بايدن، هو في واقع الامر ليس بصاحب المشروع الحقيقي للتقسيم، وانما مثل حلقة من حلقات الترويج والتسويق له، مع توفر القناعات الشخصية به، وابتعاده عن واجهة البحث والنقاش المتواصل بهذا الخصوص، لايعني تبدل قناعاته وافكاره، بقدر ما يعني وجود ظروف واعتبارات معينة تحتم عليه الانزواء والاكتفاء بالدعم والترويج بأدوات ووسائل واساليب اخرى، وعبر واجهات وعناوين تمتلك القدرات والامكانيات للقيام بالمهمة المطلوبة.

   ومع وصول بايدن الى البيت الابيض، رئيسا وليس نائبا للرئيس، ومع انطلاق مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني بوتيرة متصاعدة، والتركيز على العراق لادخاله فيها، بل واكثر من ذلك اعتباره الهدف المحوري الاستراتيجي، فأن الحاجة قد تكون ملحة بدرجة اكبر لتفعيل مشروع التقسيم، ولاشك ان مفاهيم ونظريات من قبيل الشرق الاوسط الكبير، والفوضى الخلاقة، وصفقة القرن، وغيرها، تلتقي جميعها عند نقاط ومحطات مفصلية، لتؤسس بالتالي لواقع جديد راحت ملامحه ومعالمه تتجلى شيئا فشيئا، من خلال مظاهر الفوضى والاضطراب والصراعات الداخلية والازمات السياسية والاقتصادية، والتدخلات الخارجية في اغلب الدول العربية، وبدرجات متفاوتة، ولاشك ان مجمل احداث وتداعيات الاعوام السبعة عشر المنصرمة في العراق، تمثل اكبر مصداق واوضح دليل على ذلك.    

   كل ذلك وغيره، يستدعي النظر الى عهد الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن من زوايا وابعاد واسعة، لاتقتصر ولاتتحدد بأطار المواقف والتقييمات السلبية لعهد سلفه ترامب لتبدو وكأنها ردود افعال فحسب، بل من المهم جدا ان تكون افاقها طبيعة وجوهر السياسات الاميركية بعيدا عن الشخوص والمسميات الحزبية والسلوكيات الشخصية، حتى تتأس المواقف الصائبة والصحيحة على معطيات الواقع وحقائقه لا على انفعالات اللحظة وتضليلات اللقطة!.

————————- 

*كاتب وصحافي عراقي 

 




الكلمات المفتاحية
عادل الجبوري

الانتقال السريع

النشرة البريدية