السبت 09 كانون ثاني/يناير 2021

تجليات المكان في مجموعة (١٤٤م2) لإيهاب شغيدل

الجمعة 13 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تعمل العتبات النصية، عنوانات القصائد، والاستهلالات، وغلاف المجموعات الشعرية كموجهات قراءة فهي تقحمنا مباشرة إلى عوالم النص، وتتباين هذه العتبات لتصل أحياناً إلى نصوص موازية، فمجموعة إيهاب شغيدل تحمل عنوان هندسي تجريدي (١٤٤م2) وهي مساحة البيوت في مدينة الثورة حيث كان يعيش، ويتعاضد مع العنوان/العتبة الأولى، صورة الغلاف/العتبة الثانية التي صممها التشكيلي باقر ماجد وهي فضاء دائري تسبح في داخله كائنات موزعة بشكل عبثي وقوفاً وجلوساً، ولم يترك فراغاً إلا وأشغله عضو من أعضاء تلك الكائنات، ففي نص يحمل عنوان (١٤٤م2) وهو نفس عنوان المجموعة يقول (ص٢٢) :

المنزل أضيق من أن نضحك سوية

عائم بالضجر وبيع الأثاث

١٤٤م

كافية لثلاثة أجيال

وأنواع كثيرة من القوارض

ثم يقول (ص٢٣) :

بينما الجيران

سلالة في ٧٢م

يخبئون الأطفال في علب المعجون

حين يدهس الضيف حياتهم

فأن ثلاثة أجيال وأنواع كثيرة من القوارض تعيش في 144م2 وسلالة تعيش في 72م2، كتبها باقر ماجد بنص مواز، وبأدوات مختلفة في اللون ، الشكل ، الخطوط ، التكوين ، والإيقاع ، وهكذا تواصل العنوان(الكلمة) مع الغلاف(الصورة) في كشف عوالم المجموعة، وتحول المكان الأليف/ البيت إلى مكان عائم بالضجر والقوارض ، يقول باشلارفي دراسته الظاهراتية عن المكان ( جماليات المكان ) :((إن البيت هو كوننا الأول )) . ففي البيت تنصهر الأفكار والذكريات والأحلام ، ويعمل البيت أيضاً على حمايتها ، فإيهاب شغيدل يضع كونه الذي يبلغ مساحته (١٤٤م) بين يدي القارئ لكي يشاهد حياته الخاصة .

    هناك نظرية كيمائية مضمونها ، كلما تقلصت مساحة المكان المغلق ازدادت درجة الحرارة وبالتالي تزداد الحركة الانفعالية ، يمكن استعارة هذه النظرية هنا ، فكلما كانت مساحة البيت صغيرة كلما كان البيت أكثر حميمية ودفء ، ومن تمظهراتهذه الحميمية في هذه المجموعة تكررت مفردات العائلة في أكثر من موضع فمثلاً ، مفردة (جدي) ثلاثة مرات ، و(جدتي) ستة مرات ، و(أبي) مرتين ، و(أمي) ٩ مرات ، ولأن الأم تشترك مع البيت بأنها الحضن الأول أو الكون الأول كما يقول باشلارفمن الطبيعي وباللاوعي تكون هي المهيمنة والأكثر حضوراً.

    يقول باشلار :(( إن العمل الأدبي حين يفتقد المكانية فهو يفتقد خصوصيته وبالتالي اصالته )) (جماليات المكان :ص٦) . فالمكان هوية ، كائنا من جسد وروح ، ويلتصق بالذاكرة دائماً ، ولأن (١٤٤م2) بيت الطفولة فهو محفور في ذات الشاعر ، لذا يستدعيه شعراً ويجعله بؤرة موّلدة لهذه المجموعة .

يقول الشاعر في نص (ص9) :

كان جدي

بائع قبعات في شارع الرشيد

وقلبه معلق في الكاظم

فالمكان هنا كشف عن ايديولوجية جدِّه أو الشاعرنفسه ، فشارع الرشيد سمي نسبة إلى الخليفة العباسي الذي قتل الأمام الكاظم إمام الشيعة ، والذي أصبح موضع دفنه صرحا مكانياً يرتاده أتباعه ومحبوه فيما بعد ،فالمقابلة بين هذين المكانين كشفت عن هوية الشاعر وايديولوجيته، وفي سياق الأماكن التي تختزن في الذاكرة الشيعية ،يقول(ص٢٠) :

أوه يا أمي

وأنتِ في الطريق إلى كربلاء

كان عليك بدل ذلك متابعة قصة السهرة .

فكربلاء مكان يترسب في الذاكرة الشيعية ، وهو مكان مشحون بالعواطف ، ويرتبط بطقوس وشعائر سنوية ، والشاعر هنا يدين أمه أو الطقوس نفسها فيقول :

يستمر ذلك الوهم الطويل

الذي رسمه لك الكهنة .

  يختلف استدعاء المكان وتضمينه في مجموعة (١٤٤م) ، فمرة يكون المكان هو ثيمة النص ، ومرة أخرى يكون جزء من صورة ولا يخرج عن دلالته الأصلية ، وفي مثل هذه الحالة تكررت كثيراً ، مثل ( القطاع ، المقهى ، الجسر ، الكرادة ، گهوة وكتاب ، المدرسة ، رأس الشارع ، أرصفة ، مقهى حسن عجمي ) ومن النصوص التي يكون المكان مسرحاً للأحداث ، نص بعنوان (نبي الجنوب ) (ص٨٥) يقول :

حيث أقف بحضن جدتي

في سيارة تجتاز المشفى

وبينما الجميع يسليهم الغبار

أقرأ بصوت مرتبك (تسجيلات علي صالح )

تمر جموع من الأغاني

تعبر الأشرطة على عجل

ونواح جدتي يدور

أقرأ (أحلام العاني )

فاستدعى هنا مكان واقعي وهو شارع الداخل في مدينة الثورة ، وفي مشهد حركي ، راح يعدد فيه معالم ذلك الشارع وهو يسير مع جدته ( المشفى ، تسجيلات علي صالح ، أحلام العاني ) إلى أن يصلوا مبتغاهم ، فيقول :

لا أتذكر أين أصل بالقصة

لحظة دخولنا ( سيد حمدالله)

و (سيد حمدالله) مرقد ديني لرجل صالح ، ترتاده العوائل للتبرك به ، وفي هذا النص وحده تكررت مفردة (جدتي) أربعة مرات ، وخرج هذا التكرار لدلالة نفسية وهي التوق إلى الماضي ، وما يؤكد هذا الحنين إلى الماضي تكرار الأمكنة الواقعية ذات التسميات الحقيقية والتي لم ترد في سياق كنائي أو متخيل .

  العودة إلى الماضي والاعتماد على الذاكرة في كتابة الشعر من السمات الأسلوبية لأدب المنفى، المنفى الجغرافي ، ولكن في مجموعة (١٤٤م2)يعاني إيهاب شغيدل من منفى زمني، فحين يكتب عن بيته الأول وعن مدرسته وعن معلمته في الأول(أ) وعن مدينته وهو يبعد عنها بضع كيلومترات، هذا يعني أنه يعاني اضطهاد الحاضر وانهياره لذلك يحاول ترميمه باللجوء إلى حياته التي انبثقت من كون ضيق يطل فيه من الشباك على الشارع .

مقالات سابقة للكاتب المزيد من مقالات الكاتب



الكلمات المفتاحية
زين حسين

الانتقال السريع

النشرة البريدية