الثلاثاء 19 كانون ثاني/يناير 2021

بين إطلاق مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل ووقف قصف المصالح الأميركية في العراق… ما الذي حدث؟

الثلاثاء 10 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

شهد تشرين الأول 2020 حدثين في غاية الأهمية، مسرحهما لبنان والعراق، أكدا أن هنالك تغيرا كبيرا في الإستراتيجية الإيرانية تولى ذيول إيران من حركة أمل وحزب الله في لبنان والمليشيات الولائية في العراق وضعه موضع التنفيذ.

في 1 تشرين الأول 2020، أعلن نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني وممثل الشيعة في هرم السلطة اللبنانية التي تضم برئيس الجمهورية (ماروني) ورئيس الوزراء (سني) موافقة لبنان على بدء مفاوضات على المستوى العسكري مع “إسرائيل” لتخطيط الحدود البرية والبحرية بوساطة الأمم المتحدة وبرعاية أميركية. وهذا الإعلان يثير العديد من الشكوك. فأولا، استنادا إلى قرار مجلس الأمن الدولي ذي العدد 1701 لسنة 2006، حاولت الأمم المتحدة منذ عام 2010 إقناع لبنان بالتفاوض على هدنة دائمة مع “إسرائيل” تتضمن ترسيم الحدود البرية والبحرية، لكن حركة أمل وحزب الله رفضا ذلك بإصرار، فما الذي تغير ليعلن نبيه بري موافقة لبنان على التفاوض؟ ثانيا، أن يعلن نبيه بري هذا الاتفاق بصفته رئيسا لمجلس النواب مخالف للدستور وللأعراف السياسية اللبنانية. فالدستور ينيط مهمة إدارة العلاقات الخارجية والتفاوض على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بالسلطة التنفيذية، وتحديدا رئيس الجمهورية. فما عدا مما بدا ليطلع علينا نبيه بري، الذي لا علاقة له دستوريا بالمسألة، ليعلن موافقة لبنان على التفاوض مع “إسرائيل”؟ وكيف قبل نبيه بري وحسن نصر الله بالرعاية الأميركية للمفاوضات برغم عداءهما المعلن والمستحكم للولايات المتحدة؟ فالتفاوض مع “إسرائيل” على ترسيم الحدود البرية والبحرية، حتى لو كان بـ “البزة العسكرية” يعني عمليا وإجرائيا اعترافا بـ “إسرائيل”، فالحدود ترسم بين دولتين فقط تعترف إحداهما بالأخرى وليس بين دولة وميليشيات أو بين دولة و”كيان غاصب” مثلا!

وهنا أرى أن الأميركيين، عبر ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الأدنى، أقنعوا أو، بالأحرى، فرضوا على حكومة لبنان أن “يغرد” أكبر ممثلي الشيعة في السلطة اللبنانية ويعلن الاتفاق بلسانه، حتى لو خالف ذلك الدستور والعرف السياسي حتى لا يخرج نبيه بري وحسن نصر الله لاحقا ويزايدان على حكومة لبنان معارضة ورفضا للتفاوض! أيضا، قرار مثل هذا لا يمكن أن يتبناه نبيه بري وحسن نصر الله من دون إيعاز من الولي الفقيه!

بعد يومين، أي في 3 تشرين الأول، التقت جينين هينيس بلاسخارت، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق بعبد العزيز المحمداوي الملقب “أبو فدك”، زعيم كتائب حزب الله، أحد أبرز التنظيمات الولائية، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي. ويبدو أن هذا اللقاء مهد لإعلان الميليشيات الولائية يوم 11 تشرين الأول وقف الهجمات الصاروخية على سفارة الولايات المتحدة في بغداد وأرتال تموين القوات الأميركية في العراق. وإعلان الميلشيات الولائية هذا لا يمكن أن يصدر بدون إيعاز من الولي الفقيه أيضا!

هل أن إصدار هذين الإعلانين عن اتفاقين في غاية الأهمية في غضون 10 أيام محض صدفة؟ بدون شك، يعد إعلان نبيه بري تنازلا جسيما من حركة أمل وحزب الله عن أحد الثوابت الإستراتيجية للـ “مقاومة الإسلامية” من أن “لا تفاوض مع العدو الصهيوني”. وكذا الأمر بشأن إعلان الميليشيات الولائية وقف الهجمات الصاروخية على سفارة الولايات المتحدة في بغداد وأرتال تموين القوات الأميركية في العراق، الذي يعد تراجعا تكتيكيا على الأقل. أي أن “إسرائيل” والولايات المتحدة حققتا مكسبين فيما يبدو أنه صفقة إقليمية، فما الذي حققته إيران في المقابل؟

بعد الانفجار الهائل يوم 4 / 8 / 2020 الذي دمر مرفأ بيروت وألحق أضرارا جسيمة بنحو ثلث المدينة، أرسلت الولايات المتحدة، بطلب من حكومة لبنان، فريقا من مكتب التحقيقات الاتحادي للمساعدة في التحقيق في أسباب ومسببات الانفجار. وصل فريق التحقيق الى لبنان يوم 13 آب وانضم إلى فريق التحقيق الحكومي في اليوم التالي وباشر بتحقيقاته، لاسيما جمع الأدلة من العنبر رقم 12 والمنطقة المحيطة به، بتكتم تام وبدون أي تصريح أو تسريب لوسائل الإعلام حتى يوم 12 تشرين الأول (لاحظ التاريخ)! في ذلك اليوم نشرت وسائل إعلام لبنانية تسريبا عن مصدر في مكتب التحقيقات الاتحادي بأن الشكوك تأكدت الآن بأن انفجار مرفأ بيروت كان “جريمة متعمدة وليس حادثا” (“deliberate crime and not an accident”). لكن بعد أقل من 24 ساعة، نفى مكتب التحقيقات الاتحادي صحة هذا التسريب مؤكدا أن “استنتاجا كهذا سابق لأوانه” ووعد بإصدار تصريح مفصل لاحقا. لكن فريق التحقيق غادر يوم 19 تشرين الأول، أي بعد 67 يوما من وصوله، بدون أن يصدر مكتب التحقيقات الاتحادي التصريح الذي وعد به! وتسلسل الأحداث هذا يثير تساؤلات عديدة: هل من المعقول أن 67 يوما تكفي لاستكمال التحقيق الميداني وجمع الأدلة في حين أن تفجيرا أصغر بكثير استهدف رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق، في شباط 2005 استغرق التحقيق الميداني فيه نحو عام كامل؟ ولماذا غادر فريق مكتب التحقيقات الاتحادي لبنان بعد التسريب ونفيه وبدون أن يصدر عنه أي تصريح أو توضيح بشأن ما توصل إليه، سواء كان فعلا متعمدا أو حادثا عرضيا؟ كل هذا يثير الريبة والشكوك بأن هنالك صفقة ما وأن فريق مكتب التحقيقات الاتحادي كانت مهمته الفعلية الإعداد لمساومة وصفقة ما وليس التحقيق، أي، بكلام آخر، لفلفة التحقيق أو المضي فيه وطمس الحقائق أو كشفها اعتمادا على نتائج المساومة! وما أن تحققت الصفقة حتى غادر فريق مكتب التحقيقات الاتحادي بدون أن يعلن ما الذي حقق فيه وما الذي توصل اليه!

كانت هنالك بالتأكيد صفقة “الكل يربح”، والمعني بالكل هنا إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فإيران أفلحت، بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، في التغطية على جريمة شنيعة ارتكبها حزب الله، ذراع الولي الفقيه في لبنان، عمدا أو عرضا، فيما كسبت “إسرائيل” اعترافا من لبنان، وإن كان غير مباشر، بوجودها وحدودها البرية والبحرية، وكسبت الولايات المتحدة بوقف الهجمات الصاروخية على سفارة الولايات المتحدة في بغداد وأرتال تموين القوات الأميركية في العراق، لتتفادى الإحراج الذي تسببه تلك الهجمات، لاسيما في ظروف الانتخابات، فيما كان اللبنانيون الخاسر الأكبر، بزهاء 200 ضحية وآلاف الجرحى ودمار شبه تام لمرفأ بيروت وأجزاء من مدينة بيروت وخسائر قدرت بـ 5 – 15 مليار دولار، والأهم من كل لك، إخفاء المسؤولية وعدم مسائلة المجرمين السفلة الذين تسببوا في هذه الكارثة.

خلاصة القول… الكل سفلة وقذرون، أما العرب فسيبقون مداسا وأوراق مساومة إلى أن يفيقوا… وأشك أنهم سيفيقوا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا!

 




الكلمات المفتاحية
حطاط محمد حطاط لبنان واسرائيل

الانتقال السريع

النشرة البريدية