الثلاثاء 29 كانون أول/ديسمبر 2020

بالحبر الأبيض – سيرةٌ صحفية -(٢٢) -اللجوء إلى بردعة الحمار!

الجمعة 06 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

عدتُ ثانيةً إلى وزارة الثقافة والإعلام بعد أن أغلق الباب بوجهي رئيس تحرير جريدة (العراق) وكالةً نصر الله الداودي، وصرتُ فائضاً.
كان ذلك ضحى الثلاثاء الموافق ١٩٩١/٨/٢م
(ذكرى مرور سنة على يوم الغزو المشؤوم لدولة الكويت، وتحطم يوتوبيا الأُمة العربية).
قُدحت في ذهني فكرة العمل في دائرة الإذاعة والتلفزيون في القسم الثقافي.
شجعني على ذلك وجود الشاعر أديب كمال الدين في القسم الثقافي بالإذاعة الذي يقوم بإعداد عددٍ من البرامج الثقافية والمنوعة بإشراف المخرج مهند الأنصاري الذي دُعي لإدارة إذاعة بغداد في محاولةٍ من النظام لتحسين صورته الكالحة بعد تحرير الكويت في شباط سنة ١٩٩١م، وللظهور بمظهر الدولة التي تعتمد على التكنوقراط.
راجعت استعلامات دائرة الإذاعة والتلفزيون يوم السبت الموافق ١٩٩١/٩/٢١م.
ها أنذا في مبنى دائرةٍ كان من بين أهم أهداف أية حركةٍ سياسية إنقلابيةٍ أن تسيطر عليها ، وتذيع البيان رقم واحد!
أيَّ إنقلابٍ سأشهد؟
إنَّها إذاعة بغداد التي بثت أول برامجها مساء الأربعاء الموافق ١٩٣٦/٧/١م ليكون البث ثلاث إلى أربع ساعات يومياً، ولثلاثة أيام في الأسبوع هي: السبت والاثنين والخميس، أما تلفزيون بغداد فقد بدأ بثه يوم ١٩٥٦/٥/٢م.
تذكرت العلامة مصطفى جواد
(١٩٠٦م ـ١٩٦٩م)، وبرنامجه الاذاعي الشهير (قل ولا تقل) الذي حبَّب لعامة الناس اللغة العربية بلفظها الصحيح، كما تذكرتُ تلميذه الدكتور علي الوردي (١٩١٣م ـ ١٩٩٥م)، وبرنامجه التلفزيوني (أنت تسأل ونحنُ نناقش) الذي قدمه سنة ١٩٦٠م،كما طمعتُ بمزاملة الأساتذة كامل الدباغ، ومؤيد البدري، وخالد جبر، أصحاب البرامج المعمِّرة، فتحفزتُ للعمل !
في غرفة الانتظار المستطيلة عشتُ جواً صادماً من رؤية عروض الأزياء،
والضحكات غير البريئة، والسلوكيات المغايرة لتوجهاتي، وتساءلت مع نفسي : كيف يمكنني أن أتعايش مع هذه الأجواء المستفزة لمتبنياتي، فالكتاب يُقرأ من عنوانه !
هل أُمهّدُ بذلك للرفض؟ ربما !
خلال شهرٍ من مراجعاتي لهذه الدائرة التي يكثر فيها المتزيون باللباس الزيتوني، تعرفتُ إلى الشاعر زعيم النصار الذي يعمل محرراً في قسم البرامج الثقافية، فعقدتُ العزم على العمل معه.
كان على رأس دائرة الإذاعة والتلفزيون الشاعر والمترجم والناقد سامي مهدي المولود في بغداد سنة ١٩٤٠، وأول دواوينه (رماد الفجيعة) سنة ١٩٦٦م،وقد أثار الصخب فيما بعد بكتابه (الموجة الصاخبةـ شعراء الستينيات في العراق) سنة ١٩٩٤م لكنَّني لم أحظ بمقابلته.
كان الوضع مضبَّباً وملغوماً، وغير صحي تماماً، وظروف العمل في الحقل الإعلامي والثقافي أشبه ما يكون بالعمل في منجم للفحم!
كتب الكاتب نصرت مردان في جريدة (سومر) لصاحبها حسن العلوي في عددها الصادر في ٢٠٠٣/٦/١ م مقالاً بمناسبة رحيل الشاعر جان دمو ( يوخنا دمو يوسف)
(١٩٤٣ م ـ ٢٠٠٣ م) يصف بعض صورهذا الواقع فقال فيه مخاطباً الشاعر الراحل : (كنتَ أكثر ذكاءً من القتلة ، وشرطة الثقافة في العراق ، فبقاؤك طوال حياتك مسطولاً أنقذك من ظلمهم ، وغدرهم . فشكراً لكل الكؤوس التي سجلتك في قائمة المساطيل، وأنقذتك بذلك من غدر أصحاب التقارير السرية).
كانت النتيجة المتوقعة لطلب تنسيبي هي الرفض،وربما يعود السبب لأنَّ أغلب الأُدباء الذين نُسبوا للعمل في دوائر الوزارة ـ باستثناء القلة منهم ـ لا يريدون العمل، وإنَّما هدفهم الحصول على راتبٍ مضمونٍ فقط ، وقد انعكس ذلك على سمعتهم، فضلاً عن انزعاج مديري تلك الدوائر من الأُسلوب الذي جرى فيه تعيين هؤلاء بأمر وزير الثقافة والإعلام ، ومن دون أخذ رأيهم.
النتيجة التي حصلت عليها من هذه المحاولة هي إبلاغي بعدم الحاجة إليَّ برغم وجود فرص عملٍ كثيرةٍ في الإذاعة والتلفزيون، مع ندرة معدي البرامج الثقافية، الأمر الذي دعا المسؤولين إلى تكليف الشاعر أديب كمال الدين بإعداد خمسة برامج إذاعية منها برنامجه الشهير (حرف وخمس شخصيات)!!
لم أذكر في الفصل السابق اسم الشاعر الحروفي أديب كمال الدين في جملة الأصدقاء الذين كانوا يترددون على بيتنا في منطقة الحرية، غربي بغداد لعدة أسباب أهمها : أنَّه أكثر من صديقٍ،ولأنَّه كان مشغولاً جداً بمشروعه الحروفي المهم، فلم يكن يملك وقتاً فائضاً لزيارتنا، فضلاً عن بعد محل سكنه في منطقة الدورة عن بيتنا بنحو عشرين كيلومتراً، لكنَّه كان يديم التواصل بشكلٍ شبه يومي بالهاتف الأرضي، وكان حديثه المحكم الطافح بالسخرية ذا تأثيرٍ مهمٍ في إعادة قراءتي للأُمور، وسأترك الحديث عن بعض التفاصيل معه إلى كتابي المعد للنشر (وجوهٌ في ذاكرة الأرض).
لم أيأس من طردي من دولة الإذاعة والتلفزيون كما وصفها الإذاعي الشهير إبراهيم الزبيدي في كتابه (دولة الإذاعة) ، متذكراً حكمة السياسي المصري مصطفى كامل
(١٨٧٤م.ـ ١٩٠٨م) الذي أسس الحزب الوطني وجريدة (اللواء)، وكان يدعو إلى إشاعة التعليم، ومع أنَّه توفى بالسل، إلا أنَّ له حكمةً ظلت تتردد بعده قال فيها : (لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس)!
عدتُ إلى الوزارة ثالثةً مؤمِّلاً ألا تكون هذه العودة ثالثة الأثافي.
((لا بأس من توضيح المثل العربي : (تلك ثالثة الأثافي) الذي يضرب للذي يُعين عليك عدوّك .  ومعنى الأثافي جمع أُثفيِّة ، وهي الحجر أو الدعامة التي توضع تحت القِدر ليستوي .
وقد عرف الإنسان القديم منذ أن صنع القدور الآجرية، ومن ثم المعدنية، أنَّ أُثفيتين لا تكفيان لاستواء القدر ، وأنَّ أربعةً تزيد عن الحاجة ، فالأثافي الثلاث كافيةٌ تماماً لكي يعتدل القدر فوق النار فلا ينقلب)) .. نقلاً عن موسوعة الدكتور الصادق النيهوم (بهجة المعرفة : مسيرة الحضارة مجلد ١ ص٨٢) .
طلبتُ أن يكون تنسيبي هذه المرة إلى جريدة (الجمهورية).
شجعني على ذلك وجود شقيقي الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي في (مدرسة الصحافة العراقية) ـ كما يصفونها ـ ويقال أن سر هذا الوصف؛ لوجود تقاليد عملٍ خاصةً مع طلبة الإعلام، تمسكوا بها في بدء صدورها ، ثمَّ جرى التخلي عنها شيئاً فشيئاً ـ حالها حال الكثير من التقاليد والقيم الصحفية ـ بعد ذلك، ومنها :إنَّ المتدرب فيها لا يسمح له بالكتابة الا بعد أن يقضي ستة أشهر متنقلاً بين قسمي الإنصات ، ومندوبي مكاتب المحافظات، ثمَّ التصحيح، ثمَّ الإخراج الفني، ثمَّ المحليات حتى إذا اكتسب المران، والخبرة التي تؤهله لكتابة الخبر سُمح له بالكتابة !
نعم. فالصحفي الجيد،لا يظهر مثل (الكمأ). ولكي يكون مؤثراً، لابدَّ له من الجد والاجتهاد، وتحصيل المعرفة، وخوض التجربة، وتحمل المشقات، وبغير ذلك لا يكون قلماً مهماً .
أُسست جريدة الجمهورية في  ١٩٥٨/٧/١٧م وكان رئيس تحريرها العقيد عبد السلام محمد عارف (١٩٢١/٣/٢١م ـ ١٩٦٦/٤/١٣م) ومدير تحريرها سعدون حمادي، لكنَّها توقفت عن الصدور بقرار من وزارة الإرشاد بعد إزاحة عارف عن منصبه وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الوزراء، وتعيينه سفيراً للعراق في برلين؛ بتهمة محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شهر تشرين الثاني ١٩٥٨م.
ثمَّ  عاودت الصدور بعد ذلك باسم جديد هو (الجماهير) بعد ١٩٦٣/٢/٨م، لتتوقف  عن الصدور بعد أحداث ١٩٦٣/١١/١٣م، ثمَّ تستعيد اسمها (الجمهورية) وتصدر في ١٩٦٣/١٢/٤م وهو اليوم الذي ظل صحفيو جريدة الجمهورية يحتفلون به كل عام.
ويُعد سعد قاسم حمودي (١٩٣٧ م ـ ٢٠٠٧ م) أبرز رئيس تحرير لها من سنة ١٩٦٨م حتى سنة ١٩٧٧م، وحين تركها صار وزيراً للإعلام.
كبرت الجمهورية في السبعينيات وصارت داراً تشبه دار الأهرام المصرية، أُطلق عليها اسم (دارالجماهير للصحافة)، وصارت تضم صحفاً أُخرى مثل مجلة (ألف باء) ـ قبل أن تستقل عنها فيما بعد ـ  و(بغداد أُوبزرفر) باللغة الإنجليزية، و(العراق) باللغة الفرنسية، و(هاوكاري) باللغة الكردية.
ضمت جريدة الجمهورية ـ التي خط اسمها بخط الثلث الفنان هاشم محمد الخطاط
(١٩١٧م ـ ١٩٧٣م ) ـ في تاريخها الطويل نُخبةً من الأسماء الصحفية اللامعة الذين يُشار إليهم بالتميز في الحقول الصحفية المتنوعة مثل : مظهر عارف،وزهير العامري، وحاتم حسن،وهاشم النعيمي، ويحيى الشمال ،ونصيرالنهر، وأحمد عبد المجيد، وداود الفرحان، وصباح ناهي، وحسن كامل، وغالب زنجيل، وحسين فوزي، وماجد السامرائي، ومحمد شاكر السبع، وعدنان العامري،وفؤاد العبودي، وشهاب التميمي، ويحيى الدباغ، وابتسام عبد الله، ووداد الجوراني، ونازك الأعرجي، وعالية طالب، وهناء مال الله، وسلام كاظم، وعبد الزهرة زكي، وخالد مطلك، وجواد الحطاب، وضرغام هاشم، وعادل الهاشمي، ومجيد السامرائي، وضياء حسن، وعبد الجليل موسى، وعادل العرداوي، ومالك البكري، وسعدون فياض، وابتسام سعيد، وأحمد الشهابي، وجبار مجبل، ووليد نايف، وبسام فرج، وخضير الحميري، وعباس فاضل، وعزيز النائب، وصبيح كلش، وإبراهيم عبد الرزاق، وعبد الوهاب الكيلاني، وحامد الكيلاني، وسناء عبد المطلب، وفؤاد شاكر، وفاضل العاني، وزيد الحديثي، ومحمود الريفي، وسهام القيسي، وباسم الشيخ، ومازن الشمري، ومهدي عباس، وأكرم سالم، ومريم السناطي، وفردوس العبادي، وهدى مالك شبيب،ومحمد خضير سلطان، وبشير حاجم، وعبد الأمير المجر، ومحمد يونس، ومحمد إسماعيل، وعبد الرزاق الربيعي.
لكنَّ هذه المؤسسة العريقة توقفت، وجرى نهبها بعد التاسع من نيسان ٢٠٠٣ م، وشملها قرار سلطة الائتلاف بحل وزارة الإعلام، وصارت مأوىً،ومسكناً للمتجاوزين.
قابلتُ مدير تحرير جريدة الجمهورية لؤي مجيد حسن البلداوي ظهيرة يومٍ بارد هو يوم الثلاثاء الثاني من شهر رجب/١٤١٢هـ الموافق ١٩٩٢/١/٧م،وقد صار الطقس لطيفاً ومعتدلاً بعد الظهيرة بما يبشر بالخير، وقد تسلم  كتاب تنسيبي، وطلب مني الإنتظار حتى يدخل على رئيس التحرير سعد البزّازالذي ادعى أنَّه في إجتماعٍ ، ثمَّ عاد إليَّ طالباً مني ذكر بعض المعلومات عن سيرتي، وفي أي قسمٍ أُفضّل العمل، فدونتُ سيرتي المختصرة ، وكتبتُ : (أرغب بالعمل في قسم شؤون الناس)، بعد أن يئست من الحصول على عملٍ في الصفحات الفنية والثقافية !
بعد ساعتين من الانتظار، خرج البلداوي، وقال لي بلطفٍ  : إنَّ قسم شؤون الناس مكتظٌّ بالعاملين، وأنَّ (الأُستاذ) سعد البزّاز همَّش على كتابك : بأنَّ كادر الجريدة كامل، وقد خاطبنا الوزارة بذلك!
إذن، فقد لاحقتني لعنة الأُدباء الذين لا يريدون أن يعملوا أو يداموا ـ السمعة المأخوذة عنهم ـ وربما أدركتني حرفة الأدب، كما يقال ! واستعدتُ وصف (فائض) بجدارةٍ !
تبيَّن بعد ذلك أنَّ البزّاز لم يكن عنده أيُّ اجتماعٍ وإنَّما هذه هي الطريقة التي يتعاطى بها أغلب رؤساء التحرير مع مَنْ يراجعهم !
رجعتُ إلى البيت أجرُّ أذيال الهزيمة كمحاربٍ مهزومٍ.
كان شعوري بالمرارة شعوراً لا يُوصف،وكنتُ في حالة انكسارٍ كبيرةٍ .
الألم يتضاعف حين تأخذك الأوهام إلى منطقةٍ تظن أنَّك مُحارَب، وأنَّك المقصود بالهزائم في هذا الكون، فيغيب عنك التفسير السليم لما جرى ويجري!
عبثاً  حاولتُ أن أُلملم شظاياي.
لكنَّني تدثرتُ بأملٍ باقٍ هو أن أعود إلى الوزارة، وأحاول مقابلة أحد المسؤولين لحل مشكلتي، مؤمّلاً الا أكون كالمستجير من الرمضاء بالنار!
تذكرتُ هذه الحكاية :
روي أنَّ ملكاً ضلَّ طريقه في ليلةٍ شتويةٍ شديدة البرد، فلجأ إلى خيمة إعرابيّ ،فضيَّفه،لكنَّ الضيافة في الشتاء ،لا تكتمل إلا بالنّار ! والإعرابيُّ لم يقصر، فقدم ما عنده.
عسعس الليل،واشتدَّ الطقس برودةً،وأحس الملك بالنعاس، فجلب الإعرابي لهُ فراشاً، لكنَّه لم يكن عنده غطاءٌ كافٍ لغير عائلته ، فاعتذر من الملك.
حاول الملك أن ينام ، فمنعه البرد من الحصول على إغفاءةٍ، ولو بسيطةٍ !
ماذا يفعل؟ ليس أمامه سوى مناداة الإعرابيّ .
هرع الإعرابيّ ،وقد قرأ حاجة ضيفه، فجلب معه بردعة حماره، وقدمها إلى الملك.
قال الإعرابيّ : لا أملك غطاءً سوى بردعة حماري !
اشمّأز الملك ، ورفض أن تكون بردعة الحمار غطاءه!
ذهب الإعرابيّ إلى فراشه ، وحاول الملك أن ينام من دون غطاءٍ ففشل ؛ فالملوك لا تنام بسهولةٍ !
لمّا اشتد البرد على الملك ، لم يبق أمامه سوى أن ينادي على الإعرابيّ الذي جاء مسرعاً !
قال الملك ، وقد اصطكت أسنانه من البرد : أسرع، هاتِ الغطاء !
رد الإعرابيّ  : ليس عندي غطاءٌ زائدٌ عن الحاجة سوى بردعة حماري !
صاح الملك : هاتها ، ولا تذكر الحمار !!
(السيرةُ مستمرةٌ، شكراً لمن صبر معي.. يتبع)
شروح صور

١اديب كمال الدين
٢عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم
٣جان دمو
٤.أديب كمال الدين

 




الكلمات المفتاحية
علي جبار عطية

الانتقال السريع

النشرة البريدية