الاثنين 18 كانون ثاني/يناير 2021

الشاعر الكبير محمّد علي شمس الدين: ” العالم الآن بحاجة إلى الرحمة، والنبي محمد (ﷺ) هو هذه الرحمة”

الأحد 01 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

قال  الشاعر العربي الكبير (محمد علي شمس الدين)في رد مباشر على الإساءة التي وجهتها صحيفة فرنسية لشخص النبي (محمد) صلى الله عليه وسلم” في هذا العالم المتوحش، بعد كل هذا التقدم التكنولوجي والعلمي وبعد كل هذا التوحش الرأسمالي، بأمسّ الحاجة لبضع مبادئ جاء من أجلها الرسول الأعظم، حيث أن تقدم الإنسان بالتقنيات والوصول بالعقل علمياً إلى مسافات بعيدة، قد يكون مدمراً إذا ظل بدون ميزان. هذا العالم بحاجة إلى ميزان دقيق في العدل، وكما قال النبي الأكرم (إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق)، لذا فإننا بحاجة ماسة إلى المكارم المحمدية والتي هي جزء من الأنوار المحمدية”.
جاء ذلك عندما حلّ الشاعر اللبناني الذي يعدّ أحد أهم شعراء الحداثة في الوطن العربي
ضيفاً على برنامج “كتاب مفتوح” الذي يعده ويقدمه الشاعران عبد الرزاق الربيعي ووسام العاني برعاية مركز حدائق الفكر للثقافة والخدمات في سلطنة عمان، وذلك مساء الخميس 29 من اكتوبر الجاري،  في استضافة افتراضية بُثت على جميع منصات التواصل الاجتماعي، حيث قدم الشاعر آراءه وطروحاته في الكثير من القضايا الفكرية والشعرية المعاصرة، أضاف الحائز على جائزة العويس الشعرية عام 2011 “مشكلتي في الشعر أحياناً أنني أجد ميزان العدل في العالم مكسوراً، وغالبًا ما كان مكسورًا، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) كان هو من يعدّل ميزان العدل في التاريخ منذ أن وجد حتى الآن. لذا حين يهاجَم، إنما تهاجمه الفئة الباغية والمتوحشة. كما أن العالم الآن بحاجة ماسة إلى الرحمة، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو هذه الرحمة”.
وأصر الشاعر على أن يبدأ الأمسية بقصيدة (شمس محمد) المؤسسة على ما يسمى بالخطاب الديني الإسلامي المتعلق بالأنوار المحمدية، وهي الحقيقة التي أشار إليها الغزالي وبن عربي في الكثير من كتاباتهم. حيث يقول في قصيدته:

“لمحمد
لغة الأرض
وميزان الحقيقة
ومحمد
رفة العشب على جفن الحديقة
وله الباب الذي يفضي إلى السر
وله مفتاح السماء
له وردة عين الفقراء
ومحمد
دائماً يبدأ من أول سطر في الخليقة”
وعن سؤال حول أهمية المعرفة القرآنية والروحانية في التجربة الشعرية للمبدع، أجاب الشاعر محمد علي شمس الدين، أنها تضيف بعداً من التأمل يتجاوز إطار الكلمات باتجاه الصمت الموحي والصفاء الداخلي للنفس البشرية، فإذا كام من مرامي الشعر سبر أغوار العالم وإماطة اللثام عن بعض أسرار الوجود، فثمة طريقان، واحد في الآفاق وآخر في الأنفس (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم). بل أن العارفين سبقوا فرويد، أو ربما قصدهم حين قال “ما زار منطقة في النفس البشرية إلا ووجد شاعراً سبقه إليها”.
وأشار إلى أننا كمسلمين وعرب وإنسانيين، لنا باع طويلة في هذا المجال، على سبيل المثال ما وصل إليه (ابن عربي) في الفتوحات المكية حيث وصل إلى ما لم يصل إليه أحد من قبله ولا من بعده في الأنوار المحمدية، وأعطى قيمة حقيقية لإبداع الإنسان عندما تكلم عن الشعر، حيث اعتبر الشاعر يصبح على صورة خالقه عز وجل من حيث إنه يلجأ لأسرار اللغة ولإطلاق الخيال، لأن الشاعر يوجد ما ليس موجوداً بالخيال وبأسرار اللغة.

وعن مسارات الطفولة وتأثيراتها على شخصية وتجربة الشاعر، قال الشاعر محمد علي شمس الدين: “لكي تعرف الرجل عليك أن تعرف الطفل، وطفولتي كانت حرة ومفتوحة في مكان عالٍ في الجنوب، جغرافياً ومعرفياً، من خلال مكتبة جدّي وما تحتويه من كتب نفيسة وعميقة في الفلسفة الوجودية، مما جعلني أقرأ كتباً كثيرة وأتعرف إلى أفكار ثقيلة، وكنت أقول كان يلزمني قليل من الشعر لأفسر هذا العذاب ولكنني لم أكن شاعراً”.
وأضاف، أن هذه المعرفة المبكرة والطبيعة بما تحتويه من عناصر تساعد في تشكيل كيمياء الشعر، هي التي قادته إلى شي ما إسمه الشعر، حيث بدأ بكتابة الأمثال وتدرج بعدها إلى كتابة الشعر.
ويضيف أيضاً، أنه بعد ستة عقود من محاولته الشعرية الأولى، أنه، والشاعر الذي داخله، كانا كالمرايا المتقابلة، ينظر أحدهم إلى الآخر ويسأله من أنت؟ ليجيبه الآخر: من أنت؟ وأنهما منكشفان على بعضهما، وأنه باختصار، اثنان وليس واحداً وأن هذا الوعي المبكر منذ الطفولة كان مصحوباً بقشعريرة في السؤال والإحساس والمعنى.

وعن مقولته (إن الكتابة استئناف للكتابة ولا نص بدون أسلاف) وهل يمكن أن يكون محمد علي شمس الدين استئنافًا للمعري وديك الجن وجبران والشيرازي وغيرهم، أجاب، تأسيساً على عبارة علمية فيزيائية، أن لا شيء يخلق ولا شيء يضيع وكل شيء يتحول، والتحولات هي ولادات جديدة، لذا أي نص جديد هو ابن أسلاف مطمورين في النفس واللاوعي، وهذه الكتابات الإبداعية شبيهة بالولادات الطبيعية وكل واحد منا هو ابن أسلافنا حتى آدم. وفي هذا الاستئناف يكون الإنسان نفسه وغيره في وقت واحد بمقدار ما ينطوي على أي واحد من أسلافه.

وفيما يخص كونه أحد رموز ظاهرة الجنوب الأدبية والتي عرفت بداية السبعينيات من القرن الماضي والتي ضمت إلى جانبه جودت فخر الدين والياس لحود وحسن عبد الله وشوقي بزيع وآخرين، ذكر الشاعر محمد علي شمس الدين أنهم كانوا شعراء أصدقاء من الجنوب في فلك اليسار اللبناني والحركة الوطنية الداعم للمقاومة الفلسطينية في عهد الرئيس السابق ياسر عرفات وكذلك أيام الحرب الأهلية اللبنانية حيث كنا أصدقاء في الشعر وفي الحيز الاجتماعي والوطني والسياسي. لكن هذه الحركة التي كانت متصلة بالمجلس الثقافي اللبناني الجنوبي، أصبحت في ذمة التاريخ بعدما تفرق الشعراء وتفرقت الأفكار. وحول أثر الجغرافية في تشكيل تيار شعري، أشار الشاعر إلى وجود هذا الأثر تاريخياً في التراث العربي كما كان يحدث في المدارس الأدبية في بغداد والبصرة والكوفة، أو بوجود ما يسمى شعراء بغداد وغيرهم، وأن الأماكن بإمكانها تشكيل جماعة لكن ليس بإمكانها تشكيل مدرسة شعرية، حيث إن المدارس الفنية والأدبية يصنعها الفكر والتأمل بمساهمة المكان الجغرافي، وليس بتأثيره وحده.

وحول مقولته (إن الشعر يبدأ دائماً حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة)، ذكر الشاعر، إن كل شعر حقيقي يعبر عن الراهن والمرتجع، وذكر أنه دخل في نقاش مع صديقه الشاعر الكبير أدونيس حول كتاب الأخير المعنون (الكتاب) وكتب عنه مقالين مطولين أحدهما في مجلة العربي والآخر في جريدة الحياة بعنوان (البحث عن إبرة الشعر تحت قش التاريخ) حيث بين فيه أن صديقه الشاعر أدونيس أثقل الشعر بحمولة نصية من التواريخ القديمة إذ كان يضعها في الحواشي كما وردت من مضانها، لكي يكتب بيتين من الشعر في الوسط، وأنه قال له لا حاجة لوضع هذه الحواشي بافتراض أن الآخرين يعرفونها. ثم وصل إلى مقولته الثانية (أن لا شعر من دون تاريخ وفلسفة) لكن الشاعر ليس مؤرخاً وليس فيلسوفاً، فالتاريخ والفلسفة خلفية لشيء آخر اسمه الشعر. وهذا ما تناوله في شعره من خلال البدء من حيث تنتهي الحكاية التاريخية كما في قصائده عن مجنون ليلى والحجاج وغيرهما.
وجواباً عن سؤال الناقد العراقي الدكتور سعد التميمي حول توظيفه للرموز التاريخية في شعره أجاب محمد شمس الدين أنه وظفها كما يرى كقارئ تاريخ وفلسفة، وأوجد تواريخ أخرى في القصيدة كما في قصائده رسائل مهربة لحبيبتي آسيا وأميرال الطيور ومنازل النرد. كما أنه اشتغل على المعاني الثيولوجية الدينية، على أهميتها وخطورتها، ووظفها كما في قصيدة (آدم لا يندم) بحيث يفتح أسطورة في الأسطورة لكتابة القصيدة.

وعن عبارته التي أطلقها في بغداد بعد زيارته لقرية جيكور (أن الأنهار يبتكرها الشعراء والمدن يصنعها الخيال)، ذكر الشاعر محمد علي شمس الدين أنه كان مفتوناً برموز بدر شاكر السياب الشعرية مثل قرية جيكور ونهر بويب وشباك وفيق، ولكنه عندما زار (أبو الخصيب) حينها وجد أن النهر عبارة عن خيط رفيع من الماء بين النخيل وأن شباك وفيقة مجرد ثقب في جدار قديم، لذلك أطلق عبارته تلك ليثبت أن مخيلة الشعراء هي من تصنع الرموز وهي القادرة على خلق حياة موازية بطريقة شعرية.
وأكد في هذا الصدد أن الشعر الحقيقي لا يمكن أن يكون واقعياً وأنه لا يؤمن بالمدرسة الواقعية في الشعر وأن الشاعر هو مبدع يوجد ما ليس موجوداً بواسطة الخيال. وعلى سبيل المثال فهو لا يحب شعر بابلو نيرودا في السياسة الواقعية ويعتبره مباشراً جداً بينما يبدع كثيراً لحد الدهشة في قصائد الحب. وكذلك أشار إلى محمود درويش في قصيدته (سجل أنا عربي) وكيف انه تناول المسميات الواقعية بشيء كبير من المباشرة التي تسلب خاصية الخيال قدرتها على العمل والتأثير وتخفف من طاقة الإيحاء في القصيدة. كما أكد أنه نفسه يتعاطى مع السياسة في شعره بحذر شديد وتصفيات كثيرة كي لا يسقط في الواقعية والمباشرة في الطرح، مؤمناً أن مهمة الشاعر هي تعرية الداخل وليس الخارج.
وأضاف الشاعر محمد علي شمس الدين أن الأشياء التي يتكلم عنها في شعره هي أقنعة لذاته الشعرية، وضرب مثلاً على ذلك بقصيدة (الصخرة) التي يقول فيها:
في فوضى هذا العمل الخلاب
حيث الشعر يوحّد بين الأشياء
يحلو أن أتقدم للصخرة أسألها
هل أنتِ أنا؟
وحول سؤال الناقد الدكتور حاتم الصكر عن حدود التحديث الأسلوبي التي يراها الشاعر محمد علي شمس الدين، بجانب ما تحدث عنه من تطوير التعامل الأسطوري والرمزي، مضمونياً، أجاب محمد علي شمس الدين أن الأسلوب بالنتيجة هو الشاعر، ولكل شاعر أسلوبه حتى وإن تشابهت المعاني، كما قال الجاحظ (أن المعاني مرمية على الطريق)، والأسلوب له عناصر تتمثل بإصغاء الشاعر للموسيقى والإيقاع في القصيدة بالإضافة للحوار بين الصوت والصمت على خلاف ما قاله البنيويون أو اللسانيون من أن كل صوت هو معنى أو دلالة.
وفي نهاية الأمسية تم الاتفاق مع الشاعر علي شمس الدين على تكملة الحوار في جزء ثان يوم الخميس القادم 5/11/2020.

بالإمكان مشاهدة الأمسية كاملة عبر الرابط https://youtu.be/0dNzfF1A58A




الانتقال السريع

النشرة البريدية