الثلاثاء 01 كانون أول/ديسمبر 2020

إفلاس الإسلاموية والتشبث بالكاريكاتور الفرنسي لرفع الرصيد الهابط

الخميس 29 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بعد عشرات المرات، تكرر الجماعات الإسلامية وأنظمة تدعي الإسلام نفس الخطأ تعمداً، دون مراعاة لقواعد الشرع، لأن إندفاعهم نحو تكرار نفس الخطأ ليس كما يبدو ظاهرا الدفاع عن الإسلام، بل مصالح سياسية حتى و لو كانت بالضد مع مبادئ الشرع الإسلامي، بل ومصالح المسلمين أنفسهم.

قصة انتقادات السياسيين الفرنسيين للإسلام، وقصة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي (ص)، معروفة و قديمة، في فرنسا ودول أوروبا الأخرى. إن الموقف الشرعي الصحيح تجاه هذه الرسوم، هو مرور المسلم بها مرور الكرام، لأنها تندرج ضمن ما يُعرف باللغو. فالإنسان المسلم مطلوب منه بنص القرآن، أن لا يقف عند اللغو، فيعطيه قيمة ومكانة في حياته (وإذا مروا باللغو مروا كراما). هذا المبدأ يعمل به الغربييون أكثر من المسلمين، ولعل الفارق أن الغربيين يشبهون البحر الذي إن غرقت فيه حتى أساطيل سفن، يتم ذلك بهدوء دون إشعار الآخرين، بينما المسلمون يشبهون بركة ماء صغيرة تهتز كلها حتى بمجرد رمي حجر صغير فيها.

بعيدا عن هذا التوصيف، ولو قلنا أن الإسلاميين و الأنظمة التي تدعي الإسلام، ينطلقون من منطلق الدفاع عن الإسلام و الغيرة عليه، فالمفروض هو أن يقدموا نموذجا صحيحا و راقيا عن الإسلام يجذب إعجاب و إحترام الآخرين. مثلا أن يقتدوا بالنبي (ص) في حلمه و هدوئه و رحمته، أثناء العنف و الإهانة التي كان يتلقاها من المشركين و الكافرين. لكن الواقع يثبت العكس. لنأخذ مثلا تركيا، التي تراجعت حكومتها عن الكثير من الشعارات التي رفعتها في السنوات التي مضت. فحكومة العدالة والتنمية بدأت منذ مدة ليست بقصيرة تتصدع بحدة، منكسرة على خصومة مليئة بالإتهامات المتبادلة بين أعضائها، ليس أقلها الفساد و الكذب. أما التعامل مع الشعب الكُردي في تركيا ففي الواقع، لم تتمالك الشعارات المهلهلة عن الأخوة في الدين والوطن، أمام التراكم التأريخي الثقيل من الأحقاد العنصرية التركية ضد الشعب الكُردي، التي أسسها أتاتورك، ليس في تركيا وحدها بل وفي العالم. مع العلم أن الشعبان يتشاركان في المذهب الواحد دينيا، فكلاهما من السنّـة. لكن تركيا السنّية التي تحارب الكُرد السنّة بسبب الإختلاف القومي، تساند وبكل قوة الآذريين الشيعة، فقط لأنهم يتكلمون التركية ويحاربون الأرمن. أما إيران الإسلامية، فهي الأخرى نموذج من هذه النماذج التي تقدم إسلاما عليلا مخجلا، مثلما تقدمه الحكومة التركية بقناع الخداع الذي تختفي وراءه عنصرية قومية نتنة. فإيران الشيعية تدعم الأرمن المسيحيين ضد الآذريين الشيعة، لأنهم يتكلمون التركية، ولديهم قرابة لغوية مع الأتراك السنّة، في وقت لديهم حساسيات قومية مع الفرس الشيعة. ومعنى هذا، أن الإسلام المدعى، ليست له أهمية في موقف النظامين الإسلاميين في طهران و أنقرة من الصراع الآذري الأرمني. أما الحديث عن طمس حقوق الناس و الجماعات، و الحديث عن غياب العدالة والحرية في كلا البلدين، فحدث و لا حرج. فالقتل والتعذيب و الفقر و الظلم، من الأمور التي يئس الناس من مكوثها و تجذرها لعقود طويلة، وكأنهم باتوا لا يسألون عن سببها ظنا أنها من الحتميات المفروضة عليهم!

لنعد إلى قصة الكاريكاتورات في فرنسا. يشدد القرآن على مبدأ الحوار و الجدال بعيدا عن الهيجان و الغضب و الإنفعال. ولو كان عموم المسلمين يربون أنفسهم و أولادهم على هذه القيم، لما خرج بينهم شاب يقتل معلمه لمجرد تناوله للكاريكاتورات المسيئة لدين الإسلام. بل لتصرّفَ هذا الشاب بلباقة وحكمة أشعرت الساخرين بالخجل و الندم، ولرَدّهم إلى نفوسهم يؤنبون ضميرهم أنهم يسيئون لمشاعر أناس مؤدبين!

ماذا عن جريمة التلميذ المسلم، المهاجر إلى فرنسا مع عائلته التي لاقت في فرنسا ما تحلم به ملّة التلميذ الأصلية، بل و ربما عموم المسلمين؟ هل هذه الجريمة تخالف الشرع؟ إذا كانت تخالف الشرع، لماذا يحول المسلمون فعلته إلى عمل بطولي بدل إدانته، بل ويستغرقون بشكل هستيري في الذهاب بعيدا في الصخب والهيجان، ضد ردة فعل فرنسا تجاه قتل المعلم الفرنسي بيد تلميذه المهاجر. هل يقبل المسلمون في بلدانهم، أن يقتل تلميذ أوروبي مهاجر إليهم معلما مسلما أو عربيا؟! وماذا عن مبادئ الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الجدال بالتي هي أحسن، وتلك الآيات الكثيرات التي تحث المسلمين على الحوار و الجدال بالبرهان و المنطق؟

أما الدعوة إلى مقاطعة المنتوجات الفرنسية فهي العجب العجاب. فهذه الدعوة العاطفية التي دعت إليها جماعات و جهات إسلامية، بطريقة مسرحية، يغلب عليها الصخب و المزايدة، ليست خالية في نفس الوقت من أجندات سياسية معينة. فتركيا التي لها حساسيات معينة مع فرنسا تريد توظيف هذا السياق لصالح أجنداتها التي لا علاقة لها بقضايا الدين، تماما كما تعاملت سابقا مع الثورة السورية، وكان هدفها الأساس القضاء على إدارة المنطقة الكُردية في شمال سوريا، وشاركت في إجهاض الثورة السورية من أجل هدفها ضد الكُرد. كما أن تركيا تعاونت مع إيران الشيعية في عام 2017، ضد إقليم كُردستان السنّي، بعد الإستفتاء الذي جرى هناك. وقام أردوغان يتهم إقليم كُردستان بالعلاقة مع إسرائيل، و تزويدها بالنفط، علما أن تركيا لها علاقات متينة مع إقليم كُردستان و مع إسرائيل منذ سنين طويلة، و إذا كان هناك نفط الإقليم يذهب إلى إسرائيل فهو يمر بالأراضي التركية و بموافقة الأتراك!

إن دعوة مقاطعة البضائع الفرنسية، دعوة سياسية صادرة من جهات معينة. هذه الدعوة لا علاقة لها بالشرع الإسلامي، والمتضرر منها في المقام الأول هم المسلمون في فرنسا. ففي فرنسا يعيش حوالي ستة ملايين من المسلمين تأويهم فرنسا و تعيل عائلاتهم. فإذا كان لا بد من مقاطعة البضائع الفرنسية، فالأولى إيجاد مكان آخر للمسلمين الفرنسيين أولا، لأنهم الأولى بمقاطعة بضائع دولتهم الكافرة. ولعل في إيجاد المأوى لهم في تركيا و في الدول الحليفة لها، الحل الأنجح، لكي تكتمل مسرحية مقاطعة البضائع الفرنسية بشكل يقبله العقل السليم. وكذلك لأن إقامة المسلمين في تركيا و في الدول الحليفة لها، خير من أن يعيشوا في كنف دولة فرنسا التي تهين عقيدتهم و نبيهم.

أما أنا فأقول: لا تقاطعوا البضائع الفرنسية، لأن جزءا من ريع المنتوجات الفرنسية يذهب كمعونات الضمان الإجتماعي للمسلمين الذين خاطروا بحياتهم من أجل الوصول إلى جنة فرنسا والتنعم بالعيش فيها، مع أن دولهم المسلمة مازالت قائمة و فيها مساحات شاسعة للعيش فيها، لكنهم تركوها طواعية لأن نمط الحياة في فرنسا أحلى و أجمل و أرقى!

أما الدرس الذي نتعلمه في هذه المخجلة هو أن الأنظمة و الجماعات الإسلاموية هي التي تشوه سمعة الإسلام، وأن المسلمين مازالوا بعيدين جدا من أن يكونوا مؤهلين لتقديم صورة جميلة عن دينهم الذي هو الضحية الكبرى لتخلفهم و جهلهم و تخبطهم.




الكلمات المفتاحية
إفلاس الإسلاموية رفع الرصيد الهابط علي سيريني

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 158.69.55.230