الأربعاء 25 تشرين ثاني/نوفمبر 2020

“كولد بورسويت”(2019)/السعي البارد:

الاثنين 26 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

*الانتقام الجارف بطعم صقيعي مثلج وكوميدي لافت!
*حركة ومطاردة ودراما وغموض واثارة شيقة وجرائم متتابعة… وملييء بالكوميديا السوداء الساخرة والمفارقات العنيفة والمضحكة!
*يقوم النجم “ليام نيسون” هنا بدور “نيلز كوكسمان” الذي كان يعيش حياة هادئة مع زوجته “لورا ديرن، وبعد مقتل ابنه الوحيد الشاب ضمن ملابسات غامضة، يفقد بوصلته في الحياة ويتحول لشخص جديد يسعى لتحقيق العدالة والانتقام بيديه، فيدخل دون ان يقصد في مطارددة انتقامية لاهثة مع لورد المخدرات المجرم المتنفذ الذي يعتقد ان له علاقة بموت ابنه، وفيما يختفي واحدا تلو الآخر من مساعدي “فايكنغ”، يتحول نيلز تدريجيا من مواطن صالح متقاعد وملتزم الى قاتل “جليدي” لا مبالي لا يدع احدا يقف في طريقه…
*هذا الفيلم الغريب بطريقة اخراجه هو من اخراج النرويجي “هانس بيتر مولاند” وكاترين هاردويكي، ويعد من وجهة نظري مجرد استجواب فلسفي لمغزى الانتقام بدم بارد، ويتضمن عمقا بطريقة تصوير العنف والقتل والسرقة، ويستعرض عروضا خيالية للاجرام المافيوزي المبتكر، وحفرا عميقا بثيمة الانتقام، حيث نلاحظ انه كلما اقترب رجلنا من اللورد “فايكنغ”، تفتح القصة الشيقة على بعد جديد واكتشاف مظلم وغريب يشد الانتباه، وأنت كناقد حصيف قد تجد الأحداث واقعية وقاسية او عنيفة وجهنمية ومبالغ بها!
*الفيلم بمثابة اعادة “تجارية” لفيلم سابق شهير لنفس المخرج النرويجي “مولاند” بعنوان “تسلسل الاختفاء”، وبطريقة أكثر ابتكارا وتعقيدا وتقطعا، حيث تختفي الشخصيات الاجرامية المسؤولة بعد دقائق من ادخالها لمجرى الحدث…في الفيلم الأصلي كانت العصابة المنافسة تتكون من الصرب، وقد استبدلهم هنا المخرج بعصابة من الهنود الحمر الأصليين اللذين يعيشون في محمية خاصة، وتماما كما ابدع المخرج “مارتن ماكدونا” باظهار الحقد العنصري في الفيلم اللافت “ثلاث لوحات اعلانية خارج وايبينغ”، يتطرق هذا الفيلم لصراعات البيض المتنفذين بلا حدود خالطا السياسة بالنفوذ والاجرام، مركزا على خصوصية السرد الذكي لما يجري، مع طريقة تصوير آخاذة باسلوب ترفيهي جاذب، ولكن عنصر الموت يفقد هيبته تدريجيا ويتحول لنمط كرتوني طريف احيانا مع انه لا طرافة في الموت وبدا أن الفيلم ينتهي تدريجيا بتكوين مقبرة خاصة للعدد الكبير من الضحايا المجرمين اللذين فتلوا خلال فترة العرض، وبدت عناصر المونتاج والسرعة وكأنها تعمل ضد المنظور الدرامي العميق للسرد وتتجه احيانا الى العبثية، ونرى ذلك جليا بمشهد النهاية: حيث يقتل نايلز مع الزعيم الهندي العجوز عراب العصابة المناوئة بحادثة اصطدام عشوائية تكون عنها اصطادم وانفجار طائرة صغيرة شراعية بالجرافة الثلجية الكاسحة التي كانت تسير على الطريق بمحاذاتها تقريبا في لقطة سيريالية خاتمة تعلق بذاكرة المشاهد، وربما كانت من المشاهد النادرة التي يتخلص فيها المخرج من كل ابطال الفيلم ومن البطل الرئيسي المحوري، ليبقى الفتى الصغير (ابن العشرة سنوات ربما) وهو نفسه ابن الزعيم المافيوزي المتنفذ كشاهد بريء ذكي مع الزوجة الشابة الجميلة المتمردة، والتي نراها منذ البدء تسعى للانفصال عن زوجها المتنفذ بلا تردد مطالبة بحقوقها وغير خائفة منه ولا راضخة لالحاحه بالمماطلة والتأخير…

*قام ببطولة هذه الدراما المافيوزية ذات الكوميديا السوداء اللافتة كل من ليام نيسون (بدور نيلسون كوكسمان)، وكل من لورا ديرن، ايمسي روسوم،وليام فورسايت (بدور وينغمان كقاتل محترف /متقاعد حاليا ومتزوج من زوجة يابانية صغيرة السن ومتسلطة وسادية/ وقد كان يعمل لصالح والد فايكنغ وشقيق كوكسمان)، ثم توم باتمان بدور لافت كزعيم للعصابة الشاب “السيكوباث” باسم “فايكنغ” وهو يقيم في دينفر/كولورادو ويقتل بلا رحمة ولا تردد، وقد نال الفيلم اجماعا نقديا ايجابيا خاصة لمشاهد الحركة والكوميديا السوداء الظريفة والفريدة من نوعها. حيث يتحول الشريط تدريجيا لفوضى ساخنة خيالية بالرغم من طغيان البرد والثلوج، ووصل تقييمه لمستوى 6 ونصف من عشرة، ويذكرنا بنمط المخرج الشهير “تارنتينو” من حيث دمجه لعناصر “الأكشن والدماء والفكاهة” هكذا بانسيابية سردية جاذبة، وهناك خاصية دخول الشخصيات الاجرامية وخروجها فورا بعد مقتلها الغريب الفوري، ويبدو ان هناك ديناميكية جامحة تحرك الفيلم للأمام بقوة وعزيمة تماما مثل كاسحة الثلوج العملاقة التي تلعب دورا “روبوتيا” معبرا بلا قصد!

*تتصاعد ذروة الأحداث في الربع الأخير للشريط: فتصل عصابة “فايكنغ” الى كمين كوكسمان، ثم تتبعها عصابة “وايت بول” بعد ذلك بقليل بنية الانتقام، وخلال تبادل جامح لاطلاق النار، يقتل معظم أفراد العصابتين، وتتم محاصرة “فايكنغ” بسيارته بعد ان قام كوكسمان باسقاط جذع شجرة على سيارته مما ادى لاحتراقها، حيث يبادر وايت بول باغتياله باطلاق الرصاص على صدره، ثم يقتل فايكنغ بعد ان تعثر عليه مخبرة الشرطة كيمبرلي وزميلها جيب، وفيما يغادر كوكسمان الموقع بكاسحته الثلجية العملاقة، يقفز “الثور الأبيض” (زعيم عصابة الهنود العجوز) للجلوس بجانبه متعاطفا ومؤازرا، وفيما يبتعد الرجلان بسرعة عن موقع الأحداث، يصطدم باقي رجال “الثور الأبيض” الهاربين بمظلاتهم الطائرة بالكاسحة الثلجية العملاقة التي تسير بموازاتهم، فتنفجر معهم محترقة لأجزاء حيث يقتل الجميع بلا استثناء!

*طرح جديد مبتكر لنمط فريد من أفلام المافيا الشيقة:
القصة من بداياتها:
*وفيما يكون “كوكسمان” على وشك الانتحار لفقدانه ابنه الوحيد، يعلم بالصدفة ان ابنه الشاب قد قتل على يد عصابات مخدرات متغولة، فيصبح مجرما تؤججه روح الانتقام، ويقتل تباعا ثلاثة من اعضاء الكارتيل، ويغرق جثثهم نهارا في الثلج بواسطة الكاسحة، فيما يشتبه “تريفور فايكنغ” (المجرم السايكوباثي المهووس) بأن هذه الوفيات هي ربما من قبل رجال لورد المخدرات (الأمريكي الأصل) /الهندي الأحمر “وايت” الذي يعيش في محمية قريبة، وقد كان يتجنب الصراع معه سابقا وخاصة بعد اقدامه على اغتيال ابنه الوحيد، مما يشعل حربا ضارية بين الفصيليين…
*ثم يعلم فايكنغ في نهاية المطاف بأن كوكسمان قد قتل رجاله الثلاثة، فيحاول عبثا ايقاف حرب العصابات المستعرة، غير مدرك بان الزعيم الهندي “وايت بول” ما زال ينوي الانتقام، من خلال ما يسمى “دين الدم” أي “الابن بالابن”، وفي هذه الأثناء يدخل كوكسمان على الخط، فيخطف ابن فايكنغ اليافع من مدرسته الاعدادية، في محاول منه لجذب سيد المخدرات المهووس الى كمين، ويلاحظ كوكسمان ذكاء الطفل وجاذبيته فيعامله برقة وحنان وتفهم كما يتجنب تعريض حياته للخطر.

*الاستهلال: يعيش “نيلسون كوكسمان” مع زوجته حياة هادئة كسائق ملتزم لكاسحة ثلوج عملاقة، كما يتم تكريمه من قبل محافظ المنطقة كمواطن صالح بشكل احتفالي في كولورادو…حيث يحصل على جائزة المواطن العام لالتزامه وسمو اخلاقه المهنية السلوكية، ولكن حياته الآىمنة مع زوجته الطيبة تتعطل فجاة مع الموت المفاجىء الغامض لابنه الوحيد الشاب، بسبب على ما يبدو جرعة زائدة من المخدرات (الهيرويين)، مما يؤدي لوقوع زوجته بصدمة حزن وانهيار نفسي بحيث تتركه، تم تصوير عدة مشاهد من هذا الفيلم الشيق في ألبيرتا/كندا وفي “فيمي” كولومبيا البريطانية…
*يعيد هنا المخرج النرويجي “هانس بيتر مولاند” نفس فيلمه المنتح بالعام 2015 (ترتيب الاختفاء) بنكهة امريكية صاخبة ومغايرة: فهذا الشريط اللاهث يقدم كما كبيرا من الأحداث والاغتيالات وخاصة بنصفه الثاني، مع كم كبير من الطرافة والكوميديا السوداء ومراوغة لافتة للشخصيات الاجرامية غريبة الأطوار، وكالعادة يسيطر ليام نيسون على الأحداث بشخصية “نيل كوكسمان” سائق الجرافة الثلجية بسبب الموت الغامض المفاجىء لابنه الوحيد، ويواجه تحديات كبيرة شاقا طريقه الصعب للعثور على قتلة ابنه المتغولين، والغريب باسلوب الاخراج هنا يكمن بطريقة مولاند الشبه وثائقية اللافتة لعرض بطاقات الوفاة على الشاشة، وكأنا نزور مقبرة عصرية أنيقة، مظهرا اسماء القتلى بتصميم جرافيكي بارع…وكأنه يخلدهم، فنلاحظ كيف ينتقل العنف المتدحرج من الكوميديا المظلمة الى وحشية اجرامية تتمثل بقطع الرؤوس احيانا مرورا بحالات التعذيب والقتل الفجائي وأفواه البنادق المحشوة، في تماهي غير مقصود ربما مع أيقونات افلام المافيا الشهيرة!

*يفتتح الفيلم بعبارة شيقة ذات مغزى لاوسكار وايلد: البعض يسببون السعادة أينما ذهبوا، وآخرين يسببونها عندما يغادرون! ملخصا “محرك الشريط الأساسي” حيث ينطبق ذلك على مجمل حركة الشخصيات المتناقضة في الفيلم والغريب أن معظم الشخصيات المتشاحنة في القصة قد غادرت للعالم الاخر بابشع الطرق وشكلت مقبرة خاصة ولم تسبب السعادة والترفيه الا لرواد السينما المندهشين: فنرى مجازا رجال العصابات يتبادلون أحيانا القذف بكرات الثلج، قبل ان يبدا اطلاق النار بينهم، ثم نسمع طوال الفيلم الشرطيان (ايمي روسوم وجون دومان) وهما يتناقشان دوما ويتبادلان الرأي حول تاريخ العلاقات والمشاعر المتقادمة في البلدة الثلجية المنسية وكأنهما يلعبان دور الراوي الحيادي، أما أفضل ما في الأمر فهو شخصية بيتمان السيكوباثية المتناقضة، وقصة تنافسه مع مطلقته الجميلة على الحضانة المشتركة لابنهما الفتى الذكي، وعن دروسه المملة للفتى لكيفية مقاومة المتنمرين في مدرسته، وعن أهمية الحمية الغذائية الملائمة لعمره، ثم يلومه لأن كل الاجابات كما يدعي موجودة بكتاب “سيد الذباب” الشهير كما يقول، أضف لذلك كله قدرة المخرج البارعة لاستثمار كل شخصيات الفيلم باستثناء ربما اهداره المقصود لطاقة “لورن ديرن” التي بدت عبثية بلا معنى!
*من حين لاخر يصبح “مولان” مغرما بشكل مفرط ربما بشخصياته الثانوية العديدة، ناقلا تركيزه على المعركة الرئيسية ما بين رجال الفايكنغ ومجموعة النقابة الاجرامية (الهندية الحمراء)، مما بدد الزخم الرئيسي لسياق الأحداث، وهنا تحدث علاقات صداقة جديدة تضيف وميضا من الدفء لعالم بارد مثلج لا يرحم، وكل ذلك يصب في مصلحة الدهشة والترفيه، فيحقق ببراعة نوعا جديدا شيقا من سينما الأكشن الترفيهية، عكس المفهوم التجاري للسينما الاستهلاكية العالمية التي تسمى “بسينما شباك التذاكر”!
*ولكن لا بد من ذكر بعض الملاحظات السلبية التي لا أستطيع تفادي ذكرها، فلست من هؤلاء النقاد اللذين يبالغون بتبجيل الأفلام… ومنها: فكيف يمكن لطفل بعمر عشر سنوات أن يكون ملما بظاهرة “ستوكهولم” (سيندروم)، حيث تنجذب الضحية للخاطف، ثم أنه لا يمكن تفسير انجذاب الطفل لخاطفه وتكون علاقة ابوية بينهما لدرجة قيام ليام نيسون بقراءة المواصفات الفنية المتميزة لكاسحة الثلوج كقصة قبل النوم، التي تثير فضول الطفل بحيث يصحب خاطفه لمرافقته بركوبها، ثم أخيرا فكيف يمكن لشخص كان يائسا ومقدما على الانتحار أن يتحول فجاة لشخص حاقد ويقتل حتى الشخص الذي أرشده لطرف الخيط بلا رحمة هكذا!
مهند النابلسي / كاتب وناقد وباحث سينمائي

 




الكلمات المفتاحية
الانتقام الجارف مهند النابلسي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 17.58.101.224