الأحد 22 تشرين ثاني/نوفمبر 2020

غزوة القدس!

الأربعاء 21 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كنت جالسا امام شاشة التلفاز اتابع احداث الهجوم الشرس على مقر حزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد. حيث احرقت المجاميع المنفعلة مقر وعلم كوردستان وكأنهم استولوا على القدس واقدموا على تحريرها من اسرائيل, بطولة لم يجرؤ احدا من العرب دولا وشعوبا الاقدام عليها منذ عهد القائد الكوردي الفذ صلاح الدين الايوبي الفاتح الأول والأخير لمدينة قدس حتى الان.
رأيت المجاميع الملثمة حاملين رايات وصور لا تمت بصلة للعراق, يكسرون ويدمرون ويحرقون كل شيء, بما فيه علم كوردستان رمز المكونات الكوردستانية الذي ضحى من اجل ابقائه شامخا مرفرفا مئات الالاف من شباب الكورد بأرواحهم.
المجاميع كانت ميليشيات ربع الله (حاش لله ان يكون له الربع والأهل, سوى عباد مطهرون يعبدونه بالعشي والابكار!) وأنصار مجاميع المسلحة التي لا تخضع لقوانين الدولة. ميليشيات اصبحت تهديدا خطيرا على مستقبل التعايش والسلم المجتمعي والاستقرار السياسي في عراق مابعد مجازر البعث. أي كما صرح السيد نيجيرفان البارزاني رئيس اقليم كوردستان في بيان ادانته للعمل الشنيع “أن مهاجمة مقر حزب كان من القوى الرئيسة التي أسهمت في إسقاط الدكتاتورية في العراق، أنها مهاجمة على التعايش السلمي وتقويض للسلم المجتمعي والسياسي ولا تتفق مع مبادئ الدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان”.
المخجل في المشهد الحزين هو وقوف القوات الامنية متفرجة, بل وبعض منتسبيها وقياداتها كانوا يصورون ما يجري من خلال هواتفهم النقالة في الوقت الذي تهاجم الحشود بشراسة على المقر مبتغين ليس حرقه فقط, بل قتل من فيه, وكأنهم يثأرون لدم خامس اصحاب الكساء!
في الوقت الذي وقفت القوات الامنية مكتوفة الايدي امام موجة غضب مجاهدي المجاميع المقدسة المتوجهون صوب مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني وكأنهم يتوجهون الى تحرير القدس. تذكرت شراسة هذه القوى ضد المتظاهرين السلميين في الشهور والأعوام الماضية في ساحات بغداد وبقية المدن العراقية, مطالبين بحقوقهم المشروعة!
اظهرت حادثة الهجوم على مقر الديمقراطي صحة ما كنا صرحنا به من قبل الا وهو تحويل الحقد الايديولوجي ضد الكورد في عراق مابعد صدام الى الكراهية الشعبية التي تضرب طبولها جهات مشبوهة وميليشيات متعطشة لدماء جميع العراقيين. وهذا دليل على فشل العقلية السياسية التي تريد ادارة البلد بمعاير ومقايس عفى عليها الزمن!
الكل يعرف بأن من تولوا الحكم السياسي في العراق بعد سقوط البعث الى يومنا هذا, اخفقوا في ادارة البلد سياسيا واقتصاديا واداريا, بل وكانوا السبب الرئيسي في تجذير مباديء الطائفية في مفاصل الدولة والتي انعكست في خطاباتهم, وبذلك اودوا بالبلد الى الهاوية. وسبب كل ذلك بسيط وهو سهولة تحريك هؤلاء الحكام من قبل اجندات الدول الجوار وسياسات دول اخرى لها مطامع في البلد.
ما نقوله بحق هؤلاء الذين يشجعون على النعرة الطائفية والعنصرية العمياء ليس بهتانا, بل حقيقة واضحة. لأنه طيلة حكم الانظمة المستبدة في العراق منذ العهد الملكي وصولا الى حكم صدام حسين المستبد, لم تشاع الكراهية في الشارع العربي العراقي ضد الكورد وكوردستان على هذه الشاكلة الخطيرة التي لا تنذر بالخير لمستقبل البلد وشعبه. فكما نرى بأم أعيننا كيف ان الماكنة الدعائية المشبعة بالعنصرية والطائفية تعمل يوميا ولحظة بلحظة على اشاعة هذه الكراهية والاحقاد، وتهييج القطيع بهذا الشكل الغريزي المقيت لكي يتطاول على مقدسات الاخرين!
اذن عندما يتم التطاول على مقدسات اي مكون, ليس من التعقل ان تخرس الألسنة وتتلعثم الكلمات في الافواه، بل يجب ان تثير ثائرة الجميع, لأن السكوت بحق تدنيس مقدسات الاخرين, على اقل تقدير يعطي الحق لمن دنس (بضم الدال) مقدساته ان يسكت ويخرس حين تدنس مقدسات مقابله!
اكد السيد رئيس اقليم كوردستان من خلال بيان استنكاره على ان المهاجمة هذه كانت علی “التاريخ النضالي المشترك للكورد والقوى العراقية الثائرة للقضاء على الظلم والدكتاتورية”. في حين “لا ينبغي لأي تصريحات أو سجالات في أي مجال أن تخرب هذه الشراكة الجديدة بين قوميات ومكونات العراق الجديد”.
ومن هذا المنطلق فان تدنيس وحرق اي علم كان, عمل مشين يجب ادانته, وبما ان الشراكة الحقيقية في الوطن تعني احترام مقدسات كل مكون كائنا من يكون ولا يقبل من احد الاخلال بمباديء هذه الشراكة, من هذا المنطلق لابد من ادانة حرق علم كوردستان من قبل كل عراقي يريد الخير للعراق, لأنه لا يمثل حزبا معينا او مجموعة بعيهنا وانما يمثل جميع الكوردستانيين بكل اطيافهم القومية والاثنية والدينية.




الكلمات المفتاحية
غزوة القدس نوري بيخالي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 66.249.74.29