الأحد 22 تشرين ثاني/نوفمبر 2020

ما حقيقة الخلافات الروسية السورية؟

الخميس 15 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تناولت بعض المقالات مؤخرا قضية التدخل العسكري الروسي في سوريا، حيث شرع البعض في استخدام الشماعة الروسية ليعلق عليها مسؤولية عدم الاستقرار في المنطقة.
بل وذهب بعض الكتاب إلى مد خطوط التداعيات السلبية لهذا التدخل لتشمل لبنان وتركيا وحتى ليبيا.
كذلك  فرضية أن التصعيد في العلاقات الروسية الأمريكية إنما يصب في مصلحة النظام بدمشق، لتعطيله مسارات الحل السياسي على مستوى لجنة الدستور، التي تستمر دمشق في إفراغها من أي مضمون، وذهبت فرضية أخرى إلى  الاعتقاد أن موسكو لم تمد يد العون لدمشق لحل أزمة المحروقات والحبوب وإطفاء الحرائق وسائر الأزمات المعيشية، لخلافات روسية سورية.
ان مضمون بعض هذه المقالات قد يحمل، قدرا من الموضوعية، و من الحقائق.
لكن لابد من وضع النقاط على الحروف، والتأكيد على أن الدعم الروسي لسوريا لم يكن تدخلا خارجا عن إطار القوانين والأعراف الدولية.
فقد جاء  بطلب رسمي من الجمهورية العربية السورية، لمساعدتها في كفاحها المشروع ضد التنظيمات الإرهابية تحديدا. وتنشيطا لذاكرة البعض، نعيد  إلى الأذهان ما قاله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، آنذاك بأن “الآلاف من المنضمين للتنظيمات الإرهابية من مواطني الدول الأوروبية وروسيا والاتحاد السوفيتي السابق”.
وأشار إلى أن المرء ليس بحاجة لكي يكون خبيرا في الشؤون الأمنية ليعلم أن “انتصار هؤلاء في سوريا يعني عودتهم إلى بلادهم أيضا”.
كذلك نعيد  إلى الأذهان السبب الرئيسي في التدخل العسكري الروسي؛ وهو الكارثة الهائلة التي كان من الممكن أن تطال المنطقة العربية بأسرها إذا ما تمكن تنظيم داعش من بسط نفوذه على سوريا والأردن ولبنان وأجزاء من العراق.
ليس في ذلك تهويلا او مبالغة ، وإنما  حقائق على الأرض، يكفي لمن يريد أن يتذكرها أن يقرأ عن معركة الموصل في يونيو 2014 (“غزوة أسد الله البيلاوي” في أدبيات التنظيم الإرهابي ودولة الخلافة الإسلامية فيما بعد!)، وذلك بعد سيطرة التنظيم على الرقة في يناير 2014، تحت سمع وبصر الجميع، وبتمويل ودعم من أجهزة دول.
إن موقف روسيا من أزمات المنطقة واضح وشفاف ولا يتضمن أي أهداف خفية أو نشاطات استخبارية أو أطماع اقتصادية على حساب الشعوب أو الدول الأخرى، وليس لدى روسيا أي مخططات عسكرية استراتيجية ضد دولة أو منطقة ما. فروسيا تبني علاقاتها مع العالم الخارجي على أساس المصلحة المشتركة والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين واستقرار واحترام سيادة الدول، والتقيد بمبادئ القوانين الدولية المعتمدة من هيئة الأمم المتحدة.
لهذا فموقف موسكو من الملف السوري واضح لا لبس فيه، ولا خلاف حوله، ويتضمن القضاء على الإرهابيين الدوليين، المدرجين على القوائم الدولية للإرهاب، وقد تم إنجاز 95% من هذا الهدف، والتقيّد بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، لإنهاء الأزمة الداخلية السورية.
أما ما عدا ذلك من عرقلة، وتأويل، ومماطلة، فتلك مشكلة سورية بحتة، يعالجها السوريون وفقا لرؤاهم ومواقفهم السياسية، وذلك على خلفية التوصل إلى وقف لإطلاق النار على  الأراضي السورية كافة . وقد  توصلت إلى  الاتفاق مجموعة أستانا (روسيا، إيران، تركيا).
نتفق مع  بعض المقالات  في أن الأزمة يمكن أن تطول، لكن ذلك إنما يعود لتفضيل كل من النظام والمعارضة مصالحهم السياسية الضيقة على مسؤوليتهم الأخلاقية في مساعدة الشعب السوري على تجاوز محنته، ووقف تدهور الأوضاع الإنسانية في البلاد.
أن الأزمة السورية لن تشهد انفراجة ولن يكون لها مخرج آخر سوى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، ومخرجات مؤتمر الحوار السوري السوري الذي انعقد في سوتشي.
إن جوهر الخلافات السورية السورية يتلخص في قناعة راسخة لدى جميع الأطراف  بامكانية تحقق المعادلة الصفرية..
“الأسد أو لا أحد” على جانب، و”لا مستقبل لسوريا في وجود الأسد” على الجانب الآخر. حيث يظن كل طرف من الأطراف، ووراءه داعمون من الداخل والخارج، أن المخرج الوحيد من الأزمة هو من خلال “إفناء” الطرف الآخر، و”التخلص منه نهائيا”.
من هذا المنطلق لا تريد دمشق الاعتراف بأن هناك شعب سوري “آخر” في شمال شرق وغرب سوريا، ساهم في محاربة داعش، ويريد التغيير والإصلاح الدستوري، وشكل جديد في المشاركة في الحكم، وهناك نسبة كبيرة من عامة الشعب السوري في جميع أرجاء سوريا، بما في ذلك ملايين اللاجئين أيضا يقفون وراء هذا “الشعب الآخر”.
من ناحية أخرى تضع بعض القوى المعارضة أهدافا غير واقعية بالمرة، يمكن أن تؤدي إلى نشوب حرب أهلية واسعة النطاق، ستكون نتائجها وخيمة على سوريا والمنطقة. لذلك تقف مجموعة أستانا ضامنا حقيقيا صلبا، يستند إليه الوضع في سوريا لتفادي مخاطر اشتعال حرب كهذه.
نقول لمن يدّعون بوجود خلافات بين موسكو ودمشق، إن الخلافات في واقع الأمر سورية سورية، وليست سورية روسية.
كذلك يؤثر استمرار الأزمة السورية بشكل مباشر على الوضع في لبنان، الذي يستضيف مليون ونصف المليون لاجئ سوري على أراضيه، وهو ما يلقي بتبعات اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة على الشعب اللبناني، إضافة إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن على سوريا، والتي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت ليزيد الطين بلة، في الوقت الذي تفرض فيه الدول والجهات المانحة (سواء في واشنطن أو دول الخليج أو الاتحاد الأوروبي أو صندوق النقد الدولي) شروطا تعجيزية على لبنان مقابل تقديم مساعدات مالية.
أن كل ذلك مرتبط بشكل أو بآخر بالأزمة السورية، ومن الصعب أن يتعافى الاقتصاد اللبناني في ضوء واقع تدهور الاقتصاد السوري، والقيود التي لا تسمح بوقف هذا التدهور، ومنها، وربما على رأسها، تجميد النظام البنكي في لبنان، ومنع وصول الوقود إلى لبنان كي لا يتم تهريبه إلى سوريا، وأثر ذلك على تزويد المدن اللبنانية بالكهرباء.
ما تريده واشنطن هو أن تعاقب الشعب اللبناني على وجود حزب الله بين صفوفه، من خلال تحريض اللبنانيين ضد إيران وضد النظام في دمشق، بل إن هناك من يراهن على ما هو أبعد من ذلك، كنشوب حرب أهلية لبنانية مثلا. لكنني على يقين بأن القوى السياسية اللبنانية قد أصبحت على درجة من الوعي، بحيث تدرك أن حربا أهلية واحدة تكفي، ولن تمكّن أي طرف أو قوى بعينها من العبث بمقدرات البلاد، وإشعال فتيل حرب جديدة.
نامله في  أن يستفيق ضمير المجتمع الدولي، ويباشر بتقديم مساعدات فورية للبنان، الذي يحتاج إلى مساعدات عاجلة تقدر بحوالي 30 مليار دولار، ليبدأ الاقتصاد اللبناني في التعافي. ولا شك أن لدى لبنان شخصيات قيادية واعية تستطيع تشكيل حكومة مؤقتة من الاختصاصيين، وفقا لتصريح رئيس الوزراء الأسبق، سعد الحريري، لأن عدم حدوث ذلك اليوم يعني ببساطة أن الدولار قد يصل خلال 3 أشهر فقط إلى 20 ألف ليرة لبنانية. أي أن لبنان على حافة الهاوية، ويقف على أعتاب كارثة لن يستطيع بعدها أحد مساعدته سواء كان ذلك الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أو غيره من الزعماء.
لذلك  على من  يجتهدون في كتابة المقالات أن يتوخوا الموضوعية في عرض الحقائق كما هي، سعيا  لتجنب مستويات مرعبة من المخاطر والمآسي لشعوب بأكملها.

* كاتب ومحلل سياسي




الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 66.249.74.9