الخميس 17 حزيران/يونيو 2021

ج16 اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

السبت 03 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خياراتنا محدودة
كان عليَّ أن اكون شديداً مع نفسي فلا انهَدِن بسهولة،ولابد ان اتحمل ما اتجشمه من مشاق دون ان اتيح للآخرين ان يشعروا بذلك،واظنني قد افلحت الى حد كبير في ان احجب عنهم ما يدخل في باب الامور ذات الخصوصية الشخصية،والتي لاشأن لهم بها ولاينبغي ان يطلعوا عليها،مهما كانت بسيطة،وهكذا كنت احتوي ذاتي بذاتي،بطوق من الكتمان،قاطعا بينها وبين الاخرين بمسافة،لكنني لم اكن اتخيّل ابدا ان تصطبغ حياتي برائحة المستشفيات وان تنغرس اقدامي بين ممرات عيادات الاطباء والمختبرات وغرف الاشعة،مدفوعا بمزيج من العواطف التي ازاحت بقوتها تلك المسافة بيني وبين الآخر،وهذا ما لم أكن اتوقعه ان يكون على تلك الصورة من التسامي،وما يستدعي الغرابة انني وجدت نفسي مبتعدا عن حالة النفور التي لطالما لازمتني ازاء الاماكن التي يتواجد فيها المرضى،واصبحت موقِنَا من ان ضرورات الحياة تفرض على الانسان في اغلب الاحيان ان يغيّر من قناعاته،وبدا ذلك بالنسبة لي بمثابة قانون ازلي يسري عليه مثل دورة الليل والنهار،ولايستطيع الافلات منه مهما حاول،فالخيارات بقدر ما تبدو امامه كثيرة لكنه بالتالي سيكتشف انها محدودة جدا،وعليه ان يتعامل معها ويكيِّف حياته وفق هذا المسار المرسوم لها،فالمدى الواسع الذي كان يضعه نصب عينيه في المراحل الاولى من شبابه ياخذ بالتضائل يوما بعد آخر،وتتحول تصوراته الجامحة الى افكار واقعية تتأقلم مع ماهو متاح وملموس،وهذا ما سيعمق من احساسه بمذاق الحياة،بالتالي سيزيد من ارتباطه بها،وبقدر ما يشكل هذا التغيير تقاطعا مع ما كان يضعه في جعبته من احلام، إلاّ انه يحيله الى مرحلة من النضج،تجعله يعرف حقيقة قدراته وما يمكن ان يحققه من دور في هذه الحياة،فالشعور بالنصر والانجاز يتحقق عندما يصنع الانسان من اللاشيء شيء،وبذلك يكون قد اختبر ذكاءه وقدراته بما هو متاح ،ورسم لنفسه طريقا من النجاح في ما لم يكن ممكنا تحقيقه .

هي مِرآتي
ربما كان من العسير علي ان اتقبّل فكرة حلاقة راسي بالصورة التي ابدو فيها مثل الجنود المستجدين في صفوف الخدمة العسكرية،ودائما ماكنت اعتبر من يلجأ الى ذلك،عادة ما يكون شخصا مشغولا في العمل،ولايعير اهمية لشكله ومظهره امام المجتمع، خاصة اذا كان عمله لاصلة تجمعه مع الصحافة او الفن او الادب لان من يعمل في هذه الحقول عادة مايرتفع منسوب النرجسية لديه،ودائما مايعشق ان يرى صورته بارزة في كل شيء ينجزه،بغض النظر عن قيمته من وجهة نظر الآخرين،مع انه حتى يستميلهم اليه يتفنن في استعراض نفسه،بينما يبدو الأمر معكوسا لدى غالبية البشر المنغمسين في الكفاح من اجل تدبير لقمة العيش لهم ولاطفالهم فمثل هؤلاء آخر ما يمكن ان يفكروا به ان يستعرضوا مظهرهم مع ما ينجزونه من اعمال ،لانه ليس من ضمن اولويات اهتماماتهم،وانا بطبيعة الحال بحكم مهنتي وعملي في مجال انتاج البرامج التلفزيونية والاعلام سأكون ممن يهتمون بمظهرهم بقدر ما يتطلب عملي،لكن هذه الفكرة غابت عني ولم تعد تعني شيئا لي،عندما نظرت صباح اليوم الثاني من عيد الفطر الى شكلي في المرآة،وكانت جلدة راسي تلمع تحت ضوء النهار،وكأنني كنت على تلك الصورة منذ فترة طويلة،خاصة بعد أن وجدتُ زوجتي تغادر حالة الحزن التي كانت قد تلبّستها اثناء ما كنتُ منشغلا بحلاقة شعرها في الليلة الفائتة،وما ان اصبحت اقرعا لم تعد تجد نفسها في وضع مختلف عنّي، بعد ان تشاركتُ معها التجربة،حينها شَعَرتْ بالاطمئنان مِن انها لم تعد وحدها،وان هناك من يشاركها ويقف معها ويسندها،فلاشيء يعادل قسوة الشعور بالوحدة إذا ما سيطر على الانسان،فمن الممكن ان يحيله الى مخلوق يشعر كما لو انه يعاني من جرح عميق في روحه ومن الصعب ان يندمل ،وغالبا ما تقتحمة هواجس وخيالات متشابكة تمنع عنه طريق الحكمة في التفكير،لانه دائما ما يشعر وكأنه يحارب ولوحده في معركة،ولا احد يقف الى جانبه،فتزداد الهوّة بينه وبين العالم الذي يحيطه،وانا شخصيا مررت بهذا الشعور،واستطيع ان اؤكد بانه كان ملازما لي،لفترة طويلة من حياتي،لكنه بدأ ينحسر وهانت حدته بعد ان وجدت في حياتي الزوجية كيانا انسانيا يحتويني بكل ما يسكنني من شعور بالوحدة والاغتراب لم اكن استطيع الخلاص منه،وإليها اعزي مسؤولية هذا التحول،لانها بطبيعتها الفطرية تحمل بذاتها تصالحا مع نفسها ومع الحياة مهما بدت صروفها كثيفة السواد في بعض الاحايين وهذا ماكنت افتقده واسعى للتقارب منه، فكانت مرآتي التي ارى فيها حقيقتي الداخلية بوضوح شديد،بكل ما فيها من ضعف وقوة وقتامة وبراءة وقسوة ووهن وسذاجة، ومن هنا بدأتُ معركتي مع نفسي،للخروج بها الى حيث تتنفس الهواء وتشم عطر الحياة وترى مالم تكن تراه من جمال في الآخرين،ولهذا ظفرتُ بسعادة داخلية عندما رايتها بشعرها الحليق وهي تبتسم ،وكان ذلك اشبه بسماع صوت فيروز في ذلك الصباح المشمس من يوم الخميس المصادف في السابع من شهر تموز 2016 بينما كنا قد عزمنا على ان نذهب الى مستشفى ويلفر في منطقة بختياري،لغرض سحب ماتجمع خلال اسبوع من السائل اللمفاوي في منطقة الصدر،وبات يشكل ثقلا عليها،فيعيق حركة يدها اليسرى،اضافة الى ما كان يسببه لها من ألم لاتستطيع ان تتحمله .

عيد الفطر في مستشفى بختياري
اتصلت في تمام الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر باستعلامات المستشفى لاجل ان يحددوا لي موعدا مع الطبيب محمد علي الذي سيتولى عملية سحب السائل،لان دكتور جمال غفوري وقبل ان يسافر الى لندن في اول يوم من رمضان لقضاء اجازته مع عائلته التي تقيم هناك، كان قد اوصاه بان ينوب عنه في هذه المهمة،باعتباره احد طلبته،فابلغني موظف الاستعلامات بالحضور الى المستشفى في تمام الساعة الثالثة والنصف عصرا،اي بعد ساعة من اجراء المكالمة .
امست قواها البدنية واهنة خلال الايام الماضية،وبدا واضحا انها كانت تمرُّ في مرحلة صحية غير مطمئنة،حتى انها اخبرتني بانها غير قادرة على ان تتحمل السير من باب البيت الى الشارع الرئيس حيث سنستأجر تاكسي ،رغم انها مسافة قصيرة لاتزيد عن مائة متر، ومما ضاعف من حالتها تلك ان درجات الحرارة كانت مرتفعة جدا ،ولهذا طلبت منها ان تنتظر حتى اذهب لاستأجر سيارة وآتي بها الى البيت ومن ثم نذهب الى المستشفى.
بدت الشوارع خالية تماما من السيارات والمارّة في تلك الظهيرة التموزية القائظة والتي يمكن ان تُشَّم فيها رائحة حرائق،نظرا لسخونة الهواء الذي كان يلفح وجهي قبل ان يطلب مني السائق ان اغلق النافذة حتى استقبل الهواء البارد الذي بدأ يهب من جهاز التبريد الخاص بها،ولمّا وصلنا الى مبنى المستشفى في منطقة بختياري كان الهدوء ايضا مخيِّماً على صالة الانتظار التي كانت تخلو تماما من المراجعين،ولم نجد سوى موظف الاستعلامات جالسا لوحده وهو يلهو بهاتفه الشخصي،وعلى ما يبدو انه كان يتبادل التهاني مع اصدقائه ومعارفه بمناسبة العيد .

البحث عن اجابة
خلال فترة الانتظار كنت احاول بيني وبن نفسي ان اجد مبررا يدفع الانسان الى ان لايصل مرحلة الجزع من الحياة،بعد ان يجد العيش فيها مثل من يقطع دهرا من عمره في رحلة محفوفة بالمتاعب والمشقات لاكتشاف اماكن جديدة ،لكنه وفي لحظة ما يكتشف بان حاله يشبه حال ذاك السجين الذي كان يتحرك طوال فترة سجنه في مساحة ضيقة ولم يتمكن من توسيعها مهما شطح به خياله بعيدا عنها..فما هي حقيقة هذه العلاقة التي ترغمه بان يتعالى على جراحه ويبقى صامدا،مع انه سيصل الى نتيجة واحدة ؟ . . لماذا هذا الهيام بالحياة مع اننا سنغادرها دون ان نحتفظ بذاكرتنا ؟ .. وما جدوى ان نرتبط باشياء واماكن واشخاص إذا كانت ستغيب عنا في اللحظة التي نصبح فيها في عالم الفناء ؟ . .أليس من الاجدى ان لايكون لنا علاقة مع كل ماهو خارجنا حتى لا نتألم ؟. . ولماذا ندفع انفسنا الى هذا الألم ؟ .
وصلت في تفكيري الى اللحظة التي بدأت احسد فيها الحجر والماء والاشجار والهواء والرمال، وكل شيء لايملك ذاكرة ، وبدأت اعتقد بان الفرح الحقيقي يكمن فيها،لانه ازلي،ولن يتغير أو يزول ،وليس الفرح في ما نصطنعه نحن ونقنع انفسنا به على انه شعور بالفرح .
هذه الافكار التي كانت تدور مثل حجر الرحى في راسي ليس دافعها انني كنت احاول الهروب من الحال الذي اصبحتُ عليه،بعد ان ايقنت من ان رحلة علاجها ستمتد طويلا وربما ستطحن ماتبقى من سنوات عمري،ابدا، فهذه العاصفة من الاسئلة دائما ما كانت تعاودني خلال مراحل كثيرة من حياتي،ولم اكن اصل فيها الى اجابات تملأ الفراغ الذي يهجع في روحي . بل على النقيض من ذلك كانت تجربة مرضها بكل مافيها من تبعات تحتاج مني الى صبر وحكمة وجلد ،بالتالي دفعتني الى ان أُنحّي جانبا كل الافكار التي كنت اتناغم معها لانها كانت تنتظم عند الدروب المعتمة والنوافذ المغلقة .

طبيب كوردي ولغة عربية
انتظرنا خمس عشرة دقيقة الى ان جاء الطبيب،وكان شابا متوسط القامة في الثلاثين من عمره،وبلحية سوداء كثة،وبعد ان سلم علينا اشار لنا بان نتبعه ونتجه الى غرفته التي تقع في نهاية ممر طويل يبدأ من صالة الانتظار،واخبرنا بلغة عربية سليمة ونحن نسير خلفه بانه قد حضر من البيت خصيصا لاجلنا،رغم انه كان يستمتع باجازة العيد،ولفت انتباهنا سلامة لغته العربية بدرجة كبيرة رغم انه كوردي،وهذا مما زاد اعجابنا به،لانه على الاقل افضل منا لاننا لم نكن نتقن الحديث باللغة الكوردية،ثم استدرك قائلا “ارجو ان لاتفهماني بشكل خاطىء،فأنا ادين بالفضل لاستاذي الدكتور جمال،كما انني اعتبر مجيئي في مثل هذه الساعة جزءا من مسؤوليتي المهنية والانسانية ” . كان واضحا بالنسبة لي ان ما دفعه الى ان يقول ذلك خشيته من اننا لربما قد فهمنا كلامه على غير ما كان يقصد ، لذا اراد ان يؤكد لنا بانه لم يكن يعني ابدا ان يجعلنا نشعر بفضله علينا،ومن جانبنا عبَّرنا له عن شكرنا وتقديرنا لموقفه،وقدمنا له التهنئة بمناسبة العيد. وكان من السهولة لمن يراه ان يدرك مدى الالتزام الديني في سلوكه،وهذا ما كانت تشير اليه تلك العلامة في وسط جبهته،بملمسها الخشن ولونها الداكن والتي عادة ما تبرز لدى المصلين الذين يكثرون من السجود. .وبعد ان هيأ السرنجة،طلب منها ان تستلقي على السرير، وبدأ في عملية سحب السائل اللمفاوي،وانتبهتُ الى انها هذه المرة كانت تشعر بألم شديد لم يسبق ان بدا عليها عندما كان دكتور جمال غفوري يتولى عملية السحب في عيادته في الاسابيع الماضية قبل سفره،فَعَمَدَت على ان تكتم صرخاتها بأن ادخلت قبضة كفها الايمن في داخل فمهما،وبدأت تضغط عليها باسنانها،في جميع المرات التي كان يغرز فيها الابرة بصدرها،ومن ثم يبدأ بسحب السائل ومن بعدها يفرغه في المغسلة. في تلك اللحظات حاولت ان اطوّق سمعي بعوازل وهمية من الاصوات التي حاولت ان اتخيلها حتى ابتعد عن الوجود المادي المحيط بي،لانني لم اعد احتمل ما كانت تشعر به من ألم،خاصة وان قوتها البدنية قد ذبلت بشكل كبير،بعد ان تناقص وزنها بما يزيد عن عشرة كغم خلال شهر واحد فقط ، ولمَّا لم افلح في ان ارتحل بمخيلتي عن محيط الغرفة،اضطررت الى ان اضع سماعة الهاتف في اذنيّ وأبدأ بتشغيل مقطوعة للموسيقار المصري ياسر عبد الرحمن من ضمن مجموعة قطع موسيقية كنت قد خزنتها في هاتفي،لكنني شعرت بضميري يؤنبني لانني تركتها لوحدها تعاني،ولم اشاركها تلك اللحظات التي كانت تتقلص فيها عضلات فكيها كلما كانت الابرة تنغرس في مكان العملية،فما كان مني إلاَّ ان رفعتُ السماعتين عن اذنيّ،واعدتهما الى جيبي في البنطال من بعد ان اطفأت الهاتف.
“عفوا دكتور، متى يمكن ان ينشف السائل اللمفاوي،فقد مضى اكثر من شهر على اجراء العملية،ومازال يتجمع ما أن يمضي يومان على سحبه ؟”. كنت اتوخى بسؤالي ان اصل الى اجابة تدعني اتأمل ان ينتهي هذا العذاب الذي كان يحصد اسبوعيا ماتبقى لديها من لياقة بدنية .
“هذا يتبع حالة جسم المريض من حيث البدانة وعوامل اخرى،وهنالك حالات ينشف فيها السائل بعد عمليتي سحب . ”
اجابني الطبيب اثناء ما كان منشغلا بعمله،إذ لم يكن قد انتهى بعد،ثم استدرك قائلا”عندما يعود الطبيب جمال غفوري بعد العيد،ينبغي ان تراجعونه في عيادته وتسألانه حول ذلك،لانه هو من اجرى العملية واعرَفُ من غيره بحالتها ” .
“هل يمكن ان اتناول مضادات حيوية لتخفيف درجات الحرارة لان حرارتي مازالت مرتفعة منذ يوم امس”. سَألتَه بينما كانت تحاول ان تستعدل بجذعها قبل ان تتهيأ للنزول .
“لابأس ان تتناولي اربع كبسولات،فليس هنالك من ضرر” .
اجابها بينما كان يقذف بالسرنجة في سلة المهملات،ثم اخذ ينزع عن يديه كفين من النايلون،ثم اتجه الى المغسلة وفتح صنبور الماء وبدأ في تطهير وغسل يديه بمادة معقمة.
بدا التعب واضحا عليها عندما اعتدلت بجسمها على السرير وانزلت قدميها على الارض ثم انتعلت حذائها. اما الطبيب فقد رفض ان يأخذ اجرته،وأصرَ على انها هديته لنا بمناسبة العيد،فشكرناه وغادرنا مبنى المستشفى .
ارتأينا ان نعبرنا الشارع باتجاه الرصيف المقابل حيث دخلنا سوبر ماركت وتبضعنا سلعا غذائية ضرورية،لان معظم الاسواق كانت مقفلة في المنطقة التي نسكنها،ثم عدنا الى البيت بعد ان استقلينا سيارة اجرة .
يتبع ..




الكلمات المفتاحية
اكتشاف الحب اوراق من مدونتي الشخصية مروان ياسين الدليمي

الانتقال السريع

النشرة البريدية