الخميس 22 تشرين أول/أكتوبر 2020

متاهات الطلسم .. ليس هناك معيار نهائي لصواب السلوك

الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

من يطلع على الطب النفسي ، والتحليل النفسي ، وعلم النفس الوجودي .. سيتواضع كثيرا بخصوص إدعاءات فهم ذاته عندما يصطدم بأسرار طلاسم الشخصية ، وجهله بطبيعة مكبوتات اللاشعور ، وصعوبة الفرز ما بين السلوك الأصيل ، والعصابي ، وإعتلالات الدماغ … وسيبدو مضحكا له سماع جملة : (( انا  أفهم نفسي وأعيش حالة سلام وتصالح معها )) فمن دون فحص سلامة الجهاز العصبي والدماغ ، ودون الخضوع للتحليل النفسي الإحترافي الطويل الذي قد يستمر ثلاث سنوات .. لن يكون بمقدور أحد الإدعاء بفهم نفسه والتصالح بين الشعور واللاشعور .
 
كان  صديقي خالد مروان يكثر من الحديث عن إعتزازه بحريته الفردية ، وإستمتاعه بمباهج الحياة بفضل حرصه عليها ودفاعه عنها وأن العلاقات الإجتماعية – بما فيها – الحب والزواج – هي استلاب  لمساحة الحرية ، ، وقد قاده   هذh الإحتفاء بالحرية الى التمحور حول الذات و ومزاجها ورغباتها ومغامراتها .
سألته :
 
–  كيف تفرق بين الحرية الفردية والأنانية ؟
 
باغته السؤال ، وشعر كما لو أنني أوجه له اتهاما  بسبب  كونه إنساناً حرا .. ثم خلال ثواني إستوعب المفاجأة وأجاب :
 
– سؤالك يفترض وجود بشر غير أنانيين ، وهذا الإفتراض خاطئ من أين جئت به.. كلنا أنانيون بدرجات متفاوتة .
 
وأعاد لي الكرة الى ملعبي .. وكنت أعرف انه تخلص من غواية الجدال والتصميم على ان يكون على صواب وينتصر في النقاش كما هو الحال مع المرضى العصابيين الذي يعانون من الشعور بالنقص ، أو المضطربين عقليا   .
 
قلت له :
 
– ماذا تسمي تضحية الأم والأب لأولادهما ، وماذا تسمي تضحية البشر لأحبابهم وأصدقائهم ، والقيام ببعض النشاطات الإنسانية .. أليست هذه تصرفات عكس الأنانية ؟
– عزيزي .. عاطفة الأم والأب قهرية ليست خيارية ، فهما في حالة كانا يتمتعان بالصحة النفسية والعقلية ، فإنهما مرغمين جبرا من دواخلهما على مايسمى خطئا التضحية والعطاء من أجل الأولاد ، وبشأن البشر  وتضحياتهم من أجل الأحباب والأصدقاء والقيام بمبادرات إنسانية .. فإن المردود النفسي المستحصل من وراء هذه النشاطات سواء التخلص من الشعور بالذنب حيال الناس المحتاجين للمساعدة .. أو الشعور بالزهو الداخلي أو الخارجي .. في جميع الأحوال هذه المشاعر تكسب الذات الراحة وتعذي أنانيتها ، وعدم الانانية في مثل هذه التصرفات هو الإمتناع عن تقديم المساعدة وجلب النقمة والشعور بالذنب ومعاقبة الذات  … وهذا سيحرم الأنانية من متعتها ومسراتها .
لم تقنعني كثيرا تحليلات خالد مروان .. وأيضا ليس عندي الرد الحاسم لتفنيدها ، ليس لدينا معيار نهائي نستند عليه لتفكيك متاهات النفس البشرية ، ووفق فلسفة مابعد الحداثة الوجود يتصف باللايقين الذي يدفعنا الى الشك في القواعد والمطلقات والأحكام … كل شيء خاضع لقانون النسبية ، والبشر محاطون بأسوار سجون اللغة والعقل ولا يستطيعون رؤية الحقيقة كاملة ، وقيدتهم  ظروف حياتهم ومصالحهم ، ونحن نخاطر في إدعاءات الجدية والرصانة والحديث عن الحقائق العملية والإجتماعية وسائر حقائق الوجود ، بينما هناك إحتمال اننا نعيش حالة وهم  أشبه بأحلام المنام التي نراها ربما نكون أشباح  ونعيش حياة شبيهة بما نراه في تلك الاحلام   تحركنا أوهامنا ، فيزياء الكم تطرح فرضية ان لكل شخص عدة نسخ تنتشر وتعيش في أكوان أخرى متعددة بعيدة ، وطبعا لاتوجد شخصية هي رقم واحد بينهم ، كلهم متساوون ، ولانعرف شكل شخصيتنا أخرى هل لها نفس الهيئة والشكل ، أم ان الأمر يخص شيفرة كونية  متنقلة عبر الأكوان تتشكل بعدة أشكال حسب طبيعة كل كون هناك!




الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 66.249.74.9