الثلاثاء 17 مايو 2022
25 C
بغداد

دراسة في رواية ( سيدات زحل ) للكاتبة لطفية الدليمي

حياة ريشة الطاووس في كراسة تواريخ مقتل الطاووس
الفصل الثاني ـ المبحث (2)
توطئة :
لعل مبدأ المضاعفة الدلالية في منظومة المحفز الذاكراتي الموظف في حلقات و فصول وظائف بناء أحداث و شخوص الرواية ، راح يجسد أثرا خاصا من جملة ارتدادات الأمكنة و الأزمنة الاستعادية في مرويات الشخصية المشاركة سردا ـ حياة البابلي ـ تأطيرا مضاعفا في مبلغ مروى حكايا المدونة الذاكراتية ، التي تتحكم بعلامات أزمنتها و أمكنتها مؤشرات بؤروية ذروية من مؤشرات وقائع شخوص التخييل و المخيلة من قبل الراوي المشارك في منجز الرواية .

ـ الراوي بين جوهر الحكي و إستعادة أزمنة النص .
لعل من أهم خصائص الحكي المسرود في مجرى الرواية ، يبدأ من فلك ذلك التقليب أو التغليب في إعادة تداول و استرجاع الأحداث الشخوصية في مسار السرد من قبل مرآة الراوي المشارك فالسرد في وقاع حاضر الرواية ، يبدو لنا كحالة من حالات جملة استدعاء الأحداث الماقبلية في النص الحاضر من السرد ثم بالتالي تدوينها داخل محكيات خاصة من تقانة ( تداخل الزمن / استعادة الزمن / مراوحة الزمن ) حيث يشعر القارىء لأحداث فصول الرواية ، وكأنها العلامات الميتاسردية من تمفصلات واقع حقائق مدونة في كراسة متخيل المذكرات ، رغم أن صياغة الأحداث تبقى جارية ، وهي تترجم هواجسها ورؤاها في مبنى الخطاب من السرد ، فيما تبقى معادلات قيم صياغاتها أي المذكرات منقولة و مدونة في مقاربات من المكتوب النصي المدون في كراسات الرواية .

1 ـ البنية السردية و وقائع تشكلات المسرود بالسرد :
النظام السردي في فصول الرواية ما هو إلا تجربة متخيلة حياتية ذات أبعاد تشكيلية خاصة بالمرموز و الإيحاء القصدي ، مما جعل مكونات النص ، عبارة عن ملازمات تكوينية مضمرة لمحاور السارد المشارك في النص ، و من ثم فإن عملية انتساب الأحداث إلى متن النص ، أخذت تواكب و تزامن قصديات مغايرة غالبا للأحداث المتقادمة من جهات ذاكراتية مخفية و واضحة بطرائق ملفتة من أداة المدون و يقين التدوين . نعاين من جهة ما فقرات هذه التفاصيل الوحداتية ، ما يجعلنا نشعر إزاءها باسترجاع الزمن الماقبلي في أبعاد مدونة بدلالة علاقة المسرود الحاضر بالمروى عبر لسان السارد المشارك : ( تفاصيل ـ بيت البابلي في شارع 14 حي الداوودي ناحية المنصور ، شارعنا يمتد بين سكة حديد قطار البصرة التي تفصله عن حي الجامعة و بين شارع السفارات و خزان الماء ، القطار كان غواية للسفر و الترحال و إقتفاء أثر الحلم في طفولتي ، صوت القطار كان يحملني بعيدا إلى بلدان و فراديس و بحيرات ، صوته تحول في شبابي إلى نذير عندما كان يمر محملا بالدبابات و المدافع و مئات الوجوه لجنود يافعين تطل من النوافذ و عليها أمائر هلع و شارات رماد وهم يساقون للموت. / ص61 الكراسة 3 ـ الرواية ) فالإطار الاسترجاعي للزمن في محددات النسق المسرود ، ينفتح نحو تتابعية زمنية و مكانية متعالقة و حدود مرحلة الطفولة و أحلامها ( القطار = مؤشر الزمن = كفاءة الأداء = فاعل الحالة = تحول ) بيد أن تحولات خاصية صوت القطار مع مرور الزمن صار يشكل لدى حاضر الظرف الزمني لدى الشخصية الساردة إلى (محكي حاضر ـــــــ صوته تحول في شبابي = علاقة بموضوع = نذير شؤم = محمل بالدبابات = موت الحاضر ) و على هذا النحو تبقى هواجس الشخصية الساردة ، محاطة بملامح الحرب و الدمار ، و شيئا فشيئا تتحول مشاهد الزمن الحاضرة ككوابيس من كهوف الواقع الذاتي للساردة .

2ـ الشخصية حامد أبو الطيور و لوحة رسم الطاووس :
و تحيلنا مرويات الساردة المشاركة إلى مقصدية محققة من واقع سفر الحرب و القتل بالمدينة ، و هذا الأمر ما راح يكشف لنا عن حكاية شارع الطاووس الأزرق ، الذي قام فيه ثلة من الأولاد في تثبيت لافتة فوق أحدى أعمدة الكهرباء ، على حد ما تخبرنا به الرواية عن ذلك الطاووس الجميل الذي كان يترنح في حديقة الأخرس حامد أبو الطيور ، كان الطاووس يستعرض ريشات ذيله المتوجة ، ماشيا مشية الملوك من أمام مشهد الطيور الأخرى : ( تفاصيل ـ ظهر طاووس حامد في حي الداوودي و صار يرى في الشارع متبخترا و عشرات العيون المرسومة على ريش ذيله الحرير تنظر إلينا / ضحك الأولاد و أغلقوا كتب العلوم حين همس واحد منهم : ريشة الطاووس تنمو و تطول لو وضعناها في المصحف ، في تلك الظهيرة سرق الأولاد عشرات الريشات من ذيول طواويس حامد و خبأوها في المصاحف لينتظروا عاما فيعثروا على المعجزة . / ص62 الرواية ) و إذا ما تفحصنا قيمة توالدية حكاية الطاووس ، لوجدناها تنبعث من رحم تصورات شعبية ذاكراتية موغلة في متون خيال الساردة المشاركة لتقدم لنا بالتالي تلك الترسيمة النذيرة و المحكومة بهواجس هالات و أفعال الحرب و ويلاتها فالرواية إذن بهذا المعنى كشكل منفتح ، أخذت تولد فينا محفزات سببية من رؤية تشظيات دال الحرب و الدمار ، لتقودنا نحو تفاصيل جديدة من ( الرؤية من خلف ) و ما تحتفظ به كراسات ضمير التدوين من مضمرات مرجعية مشدودة بخيوط الماضي ، و بالشكل الذي راح يبئر حكاية الرواية على النحو المناسب من الحكي داخل المحكي : ( فتح الصغار المصاحف ، فما وجدوا الريش الذي خبأوه ، قالت لهم الأمهات هذا نذير لنا و طالع شؤم / أينما ولينا وجهنا فثمة موت متاح يهبه لنا المحتلون و المسلحون الغرباء الذين أجتاحوا أحياءنا ،الموت كان هبة الجميع لنا فلماذا تعجلت لمى الذهاب إلى حتفها ؟؟ . / ص62 ) .

3ـ زوال الريشة من المصحف و مشاهد مقتل الطاووس :
يتمظهر عنف الحرب في شوارع المدينة ، مخلفا وظيفة قتل الجمال و إنتزاع الحياة من أفواه الأطفال و الأمهات ،وحتى ذلك الطائر الطاووس لم يكن بمنجى من نيران عصابات التطرف الديني العابث . تكشف لنا الرواية عن مقتل الطاووس الذي يعود بملكيته إلى شخصية حامد الأخرس ، بإحدى رصاصات بندقية أحد المتشددين متصورا هذا الأمر من الحكاية المغلوطة : ( قال أحد الصبيان : واحد من المسلحين أخبره أن اليزيديين ـ يقدسون طاووس ملك ـ رئيس الملائكة فقرر قتل الطاووس ، الحمد لله لم يقتلوا صاحب البيت حامد . / ص63 ) و تتوالى أحداث غريبة و موحشة في مسار دلالات الرواية و أحداثها ، منها إصابة حياة البابلي رصاصة في ذراعها عن طريق إطلاق الرصاص العشوائي من جهة مجهولة ، و قد يرجح احتمالا بأن من أطلق النار على حياة البابلي ذلك الحارس العجوز الذي يقوم بحراسة المكتبة : ( أم تراه من تلك الجماعة التي أرسلت لي خطاب التهديد بعد اختطاف صديقتنا الفرنسية بريسكا ؟؟ لم نعرف ، لا أحد يعرف شيئا في بغداد ، لكن حامد بأرتيابه الدائم خمن أن من أطلق النار هو الحارس الكهل نفسه الذي كنت أقدم له الطعام كل يوم ثم اكتشفنا أنه أختفى بعد الحريق و لم نعثر له على أثر ./ص65) .

4ـ حياة البابلي بين غيبوبة الموت و دوامة الأيروتيكية :
و هكذا يصبح الموت فعلا أيروتيكيا مخالفا لوظيفة العلاقة الوجدانية السليمة فحياة البابلي الملقاة على أرضية حادث الانفجار و الرعب ، تخبرنا عن حادثة وقوعها في غيبوبة مؤقتة أثر أصابتها برصاصة في ذراعها ، فكان حامد الأخرس بدوره عندما لا يجد حياة البابلي في بيتها ، يخرج مصروعا إلى موقع الحادث : ( أشتهى مضاجعة جثة ملقاة في العتمة تحت أشجار التوت المتفحمة ، متعة تكفيه مشقة البحث عن جثة جديدة في أماكن القصف الأخرى ، كنت في غيبوبة متقطعة و قد وهن جسمي ، تعذر علي الصراخ ، بدأ يتحسس جسدي و يقلبه ، رفع طرف قميصي المدمى و كشف عن بطني و صدري . / ص65 ) و في سياق آخر من تصعيد حمم الموت ، تطلعنا الساردة على وقائع إيهامية و هي داخل خزانة الموت ، إذ تعاودها ظهورات أرواح أهلها عبر رفات بقايا حياتها بعد أن كانت مندرجة في عداد الموتى وسط النيران : ( كان الموتى من أهلي أبي و أمي و أخوتي يسحبونني إلى ممر مغبر يتوهج فيه ضوء برتقالي و أنا أصرخ و هم يتصايحون بأصوات مشتبكة ضارعة : ـ تعالي ، تعالي ، هيا غادري أرض الجنون ، أبقي و قاومي موتك . / ص66 ) و تبعا لهذا الأحتدام مع كائنات الموت و الحريق ، تكشف لنا الفقرات السردية عن ظهور حامد الأخرس بعد أن رأى جثة حياة البابلي ما بين الجثث العديدة : ( سحبني برفق ، أفقت لدى هبوب الصوت الأبكم وهو يصرخ ، لمحت ما تبقى من لسانه المبتور ، قطعة لحم وردية مشوهة بندوب على حوافها ثم عدت إلى الغياب . / ص66 ) من هنا لعلنا نلاحظ بأن الكاتبة الدليمي قد منحت بطلتها المشاركة حياة البابلي أكثر مما ينبغي عليه حال عنصر الصوت الواحد في الرواية ، بل أنها جعلت منها فكرة تعويضية عن ذات المؤلف نفسه ، وصولا منها إلى صورة البطل الروائي ، الذي غدا يحمل و ينيب عن موقف المؤلف التكويني بذاته ، فيما يبقى الوعي الذاتي و الموضوعي و الانبعاثي لدى الشخصية البابلي بمثابة المعادل المباشر عن دخولات وتوقفات صوت المؤلف في مجسدات متخيل الأحداث و السرد في النص و في إطار صيغة و رؤية هذا المبحث الفرعي من دراسة كتابنا حاولنا الكشف عن الزمن المترامي ما بين جملة الأبعاد الاسترجاعية و إطار المستلهم الزمني من أحداث و عادات السرد المبئر في موضوعة تفاصيل رؤية السارد إلى المدينة و إلى ذلك المجال من زاوية دلالة حياة ريشة الطاووس و حادثة مقتل طاووس في الآن نفسه ، اقترانا عضويا بموقع حادثة حريق المكتبة و غيبوبة الشخصية وسط ألسنة النار الملتهبة من حول جسدها ، ما جعلنا نتفاعل وحدود موضعية التبئير للسارد ، على أنها ذلك المكون المرشح في القيمة الزمنية المتداخلة في مشاهد التركيز على وحدات مسرحة الشخوص و حكايتهم في أحداث المروى عبر حال من فضاءات السردي الواحد .

ـ منزل النساء و أحلام الحظوظ المفقودة .
تدور أحداث الفصل الفرعي من الرواية ( بيت النساء ) في جملة خاصة من التشكلات التنويعية الدالة من حضور النساء في ميزان ( زحل / ذاكرة ـ الحضور ـ الغياب ) و من جملة خاصة من مسارية الفجوات الحظوظية الواهنة من مقدرات مصائر قدرية النساء في هذا الحيز من دلالة الرواية ، فهن دائما بانتظار ذلك الحبيب أو ذكراه أو الطلاق و الانفصال عن المؤسسة الزوجية بهوية النقصان أو مشيئة مقولة النصيب العاثر مع ذلك الزوج المخصي . فلذا ليس غريبا أن يمثل الحاجب الارتباطي نوعا ما من تناقضية الوضع الاجتماعي للذات النسوية في الرواية ، ما يجعلها حالة من حالات الشذوذ و الانحراف في منظر ما يحيطها من النظرة المجتمعية و الحلم وراء درامية مواقف العيش في حلقات توازنية خاصة من آمال العاطفة الواهنة في محطات من الانتظارات الشاحبة : ( من أبعد الديات أرى عيني ناجي تذرفان عشقا و ابتسامة شغف تترنح على فمه ، أسمع نبرته في همهمة الريح و أشم رائحته في طلع النخيل : صوته كامن في الهواء ، سحابة نجوم تمطر من نظرته وهو يناديني : حياة حياة ؟ أتنبه لتكرار الصوت ، يالجنوني إنه ببغائي ـ حسوني ـ يناديني : حياة حياة .. يدي تنبض بألم الحرق وجسدي يرتعش في وجع الجلد . / ص69 : الكراسة 4 بيت النساء ـ الرواية ) اللحظات المتخيلة لدى ـ بيت النساء ـ تأخذ مداها الأقصى وعيشها المفقود بطعم ملامسة الحقيقة و واقع التصديق ، ولن ينطوي صوت أنا السارد إلا ليحصي مهددات تصاعد جملة تشابهات الأيام و اختلاطها مع بعضها البعض ، وكأنها الأمس أو الآن أو في الغد من اللاجديد أو من القادم الذي هو حكاية من حكايا بنية الموت وحصاد الضياع في مدينة النار و الدخان . المحيط النسوي في منزل النساء ، كان يشكل بمثابة الطاقة الجماعية الصوتية و الذاتية المستوعبة بذاتها لكل علامات الزمن الماقبلي و الزمن العابر أو الاضافي المعلق في غيب الانتظار ، فيما يبقى الخوف الداخلي يتفاقم متصلا بمدار الذاكرة للشخصية حياة البابلي ، وهي تستعيد بقايا من شريط الاستعادة الذاتية المتبقية من زمن الخراب و الضياع في مدينتها : ( أسمع انفجارا ، ربما هو يوم آخر بعد عام أو أثنين أو ثلاثة من يدري ؟؟ . / ص70 الرواية ) .

1ـ مؤثثات كوابيس الموت بين حلم النساء و دخان الجثث :
كما رأينا في محاور الأقطاب السابقة من دراسة فروع مبحثنا المركزي ، كيفية الأحداث الجارية في مواطن و أشكال و أسباب حرائق المدن في بغداد ، علاوة على ما أصاب الشخصية الساردة حياة البابلي من طلق ناري أستقر في موضع من ذراعها ، وقد تفصح لنا مؤثثات كوابيس الموت في مكونات هذه الأحياز الزمنية في الرواية ، عن حدوث ذلك الانفجار المهيب في تفاصيل حادثة المكان : ( يدي اليسرى ينز منها مرهم الحروق الأصفر ، من الذي قام بمداواتها ؟؟ راوية أم حامد أبو الطيور ؟؟ أم منار ؟؟ لا أذكر ذلك ، انفجرت العبوة الناسفة قرب البيت ، احترقت سيارة الشرطة .. اللهب تعالق بزخارف الباب الحديدي ، وطال شجرة النارنج ، شممت رائحة شواء لحم في الدخان . / ص70 ص71 الرواية ) .

2ـ أيروسية أمثولة النساء تلعق جراح الرجال :
تقدم لنا مقتطفات الوحدات السردية في الرواية ، تلك الهواجس الغرائبية إزاء حادثة إصابة حياة البابلي بعيار ناري . فهي تحمل ذاتها المستلهمة إلى استرجاع ذلك السقف الحكواتي من حكايا جدتها ، التي تخبرها عن حادثة غريبة من أحوال جدها ، تمسكا بأمثولة النساء المعتقات النساء وهن يلعقن جراح الرجال : ( ـ الرجال أطفال ماكرون ، تقول جدتي : كان يجرح يده دونما حياء و يناديني لألعق الجرح فتسيل شهوته من عينيه و يسحبني إلى السرير ، الرجال أطفال جشعون / تعلمت أمي درسها و نساء أخريات ، ياللرجال من محظوظين حين تحبهم النساء و تلعق جراحهم / تقول هذا وهي نتظر إلى صورة جدي الذي كان ضابطا ممتطيا فرسه الشهباء . / ص70 ) اقترانا بحكاية جدة الساردة المشاركة ، حول شهوات الرجال و سيل دماء أيديهم طمعا بلعقة ايروسية من قبل النساء ، ذلك من القول المقبول لو كان الاثنان معا من يشتعل في شهوة موحدة ، على اية حال تقابل هذه الوحدات من مشهد شهوات جدة و جد الساردة ، صورة احتراق العريس الشرطي عبد الأمير الذي كان مقدرا له الزواج ( ليلة الجمعة . / المصدر ـ الرواية ) ولكنه بعد أن صار عريسا من رماد تلاشى حلم زوجته المنتظرة حتى ولو إلى لعق رماد جثمانه . يطلعنا خبر الرواية حول دلالات عناصر منزل النساء : ( حياة .. راوية .. هالة .. منار .. هيلين ) كل هذه العصبة من النساء يحيين على أمل من السواد و الأمنيات القاحلة ، بدءا بالشخصية راوية ، التي تحيا على أمل من الوهم من عودة نديم ذلك الشاب الذي فر من بطش سلطات البلاد إلى لندن ، و قد شغلت راوية كل آمالها لمجيء نديم للزواج منها ، ثم سفرهم إلى خارج البلاد معا . في ظل تتفاقم أزمة الحرب في شوارع المدينة لتطارد و تغتصب حريات الناس و خصوصياتهم المهدورة من قبل تلك العصابات المتشددة ، وصولا إلى أحكامهم الباطلة في القتل و التفسيق لحرمة الأعراض من النساء : ( تقول راوية : طاردني رجال ميليشيا ملتحون ورشوا على رأسي و ثيابي طلاء أسود لأنني لم أكن أرتدي جوارب سميكة و جلبابا و غطاء رأس / وفي الحي لاحقها شبان ملثمون وضعوا علامة على باب بيتها وكتبوا : ـ بيت عاهرات . ص75 الرواية ) و بعد مرور فترة من الزمن عثرت الشخصية راوية على رسالة إبتزاز تهديدا بالقتل و إخلاء بيتهم ، ما جعل والدتها تلوذ بالفرار إلى بيت قريبتها ، فيما لجأت راوية إلى الإقامة مع الشخصية حياة البابلي في منزلها . تخبرنا الساردة المشاركة ، بأن الشخصية راوية كانت تتجنب النزول بصحبتها إلى عوالم قاع السرداب : ( في السرداب ينقبض قلبي و أفكر بأمور مروعة ، أريد أن تتفرغ حواسي و عقلي لأنظاره فحسب . / ص76 الرواية ) كما و تخبرنا الساردة المشاركة أيضا عن الفتاة مصففة الشعر هيلين و كيفية حكاية عشق محمود شقيق الشخصية راوية إلى هذه الفتاة ،ولكن ما هو أصعب في أمر حكاية هذا العشق ، أن أهل هيلين هم من الرافضين إلى فكرة زواج محمود بفتاتهم ، و يتبين في الأخير أن سبب رفض والد الفتاة إلى هذا الزواج ، يعود إلى واقعة ( مجزرة قرية صوريا الشمالية ـ المصدر : الرواية ) أي أن هذه الفتاة سوف تبقى رهينة أحقاد والدها و ذكرياته الدامية في الرواية .

ـ تعليق القراءة :
إلى هنا نقول : حاولنا قدر الإمكان توضيح مدى تضاعيف العلاقات البؤروية و الدلالية المتشابكة عبر عشرات من التفاصيل و الأحداث و الوقائع في رواية لطفية الدليمي ، حتى لنتمكن من إيصالها إلى ذهن القارىء كحالات انطباعية من التحليل و الممارسة المقاربة إلى مجال أحداث الرواية الدالة لدى مخيلة الكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي . أقول مجددا لاشك من أن مسار السرد في رواية ( سيدات زحل ) ما هي إلا جملة مركبة من العلاقات القصدية و الإيحائية و الدلالية و التوثيقية ، ما جعلها في الآن نفسه ، تتكفل بمصاحبات العوالم الداخلية و الخارجية من موقع المادة التأريخية و المرجعية الذاكراتية الخاصة بموقع رؤية الشخصية الساردة . و تبعا لهذا تبقى ساردية مشاهد الحلقات السردية من الرواية في مواضع و مواقف متقدمة و متراجعة من تصوير أفعال الماضي و الحاضر في واقع النص الروائي ، لتتحول وظائف النص إلى نقطة محورية من رؤية الساردة ـ حياة البابلي ـ و ليبقى صوتها في النص ذلك الصوت السارد و المسرود ضمن العلامة المتحكمة و المقترنة في دلالات أحوال التمثيل للصورة و الفكرة من نصية ( الميتارواية ) وتماثلاتها المتخيلة و المتنامية في مدارات مواقع الشاهد و المراقب و الروائي و الحكواتي المتكفل إلى ضم جميع أصوات الرواية في موجهات بلاغة صوته السردي الواحد .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
854متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق : القضاء , والقضاء والقدر!

منَ البيديهيّاتِ او منَ المسلّمات , او كلتيهما أنْ لا أحدَ بمقدورهِ توجيه النقد للقضاء " إلاّ بينه وبين نفسه , او مع مجموعةٍ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الدور الشعبي في علاقة العرب بتركيا وإيران

لم توفق الدول الأوريية الرئيسية في تذويب النعرات القومية العنصرية المتأصلة في شعوبها فتُوحد الفرنسيَّ مع الإنكليزي، والألماني مع الإنكليزي، بجهود حكوماتها، وحدها، بل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التطورات الاخيرة لتأليف الحكومة العراقية القادمة!

هناك تحــرك داخل (الاطار التنسيقي)للاحزاب الشيعية بعيدا عن جناح (المالكي) للتفاوض مع تحالف (انقاذ وطن) الصدري الذي يمثل73 نائبا والاحزاب السنية(السيادة)برأسة خميس الخنجر و(التقدم)ل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تعثّر مشاريع المعارضة.. الأسباب والحلول

مؤسف أن نعترف بأن مشاريع المعارضة العراقية لم تحقق النسبة الكافية للنجاح طوال فتراتها الزمنية سواء قبل أو بعد العام ٢٠٠٣. والأسباب قد يتصورها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل الأمن الغذائي بأيدي أمينة؟

يذكرنا اللغط والاختلاف حول قانون الدعم الطاريء للامن الغذائي والتنمية بقانون تطوير البنى التحتية الذي طرح عام ٢٠٠٩ في فترة المالكي الاولى وارسل الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العقيدة الاسلامية بين محنتين … الأعتقاد ..والمصالح الخاصة

الوصايا العشرفي العقيدة الاسلامية مُلزمة التنفيذ..لكن أهمال المسلمين لها ..أدى الى تغيير اهدافها الأنسانية ...من وجهة نظر التاريخ . وهذا يعني فشل المسلمين في الالتزام...