الخميس 22 تشرين أول/أكتوبر 2020

عراق موحد ؟.. والدولة الكردية

الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ـ أولى الخطوات للتقسيم كانت مبكرة جداً.. فقد تحرك الأكراد دولياً لتثبيت حقوقهم كشعب.. وطالبوا بتقرير المصير من مؤتمر سيفر العام 1920 الذي ناقش موضوع العراق والانتداب.. ويبدو إن المؤتمر لم يستجيب لمطالبيهم.. باعتبارهم جزء من العراق، وما يتحقق للعراق يتحقق لجميع شعبه.

ـ وهكذا تشكلت حكومة عراقية مؤقتة تحت الرعاية البريطانية.. وتم الاتفاق على ترشيح الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق.. وجرى استفتاء العام 1920على مبايعة فيصل من قبل كل المواطنين العراقيين.

ـ لكن أكراد العراق لم يشاركوا في الاستفتاء.. وعلى الرغم من ذلك فأن كل ما تحقق للعرب والمكونات الأخرى تحقق للأكراد يضمنها المشاركة في الحكم.

ـ في 29 تشرين الثاني 1936 قام الفريق بكر صدقي معاون رئيس أركان الجيش العراقي.. وهو كردي بانقلاب في بغداد.. ويبدو إن الأمنيات والأفكار أخذت تنتعش لإقامة دولة كردية في منطقة كردستان العراق.. لكنها لم تتحقق لأن بكر صدقي اغتيل بعد أقل من عام وانتهاء انقلابه.

ـ استثمر الأكراد الحرب العالمية الثانية ليعلنوا ثورتهم العام 1943 التي قادها الملا مصطفى البارزاني وعشيرته في منطقة برزان من أجل إقامة دولتهم.

ـ الا إن الجيش العراقي استطاع القضاء على هذه الحركة العام.

ـ ليهرب الملا مصطفى وحوالي 700 برزاني العام 1945 إلى إيران.. ومن ثم إلى الاتحاد السوفيتي التي أقاموا فيها كلاجئين سياسيين.

ـ وجاء دستور ثورة 14 تموز 1958 لينص على (إن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن).

ـ وعاد الملا مصطفى البارزاني وجماعته إلى بغداد.. ومنحهم الزعيم عبد الكريم قاسم رواتب مجزية.. وأسكن الملا في قصر الرحاب.. ومنحه سيارة الأمير عبد الإله (الوصي على العرش).. يحلم بها العراقيون العلماء والقادة.

ـ كما منح الأكراد حرية العمل السياسي.. فنشط ( الحزب الو طني الديمقراطي الكردستاني ) في بغداد والمحافظات العراقية ، وصدرت جرائد لهم (خه باتـ ..التآخي وغيرها).. وشكلوا ميليشيات عسكرية..(البيشمركة).

ـ وفي أيار 1960 بدأ تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في شمال العراق.. فوقف الأغوات الأكراد (أي الإقطاعيين الأكراد) ضد تطبيق القانون في كردستان.. وبدأت المناوشات بين الأكراد والجيش العراقي.. واستمرت الحرب بينهما.

ـ في أوائل العام 1963 التقى وفد من حزب البعث بقيادة الحركة الكردية بملا مصطفى البارزاني.. وتم الاتفاق على قيام الحركة الكردية بمنع أية وحدة عسكرية عراقية بالتحرك إلى بغداد لدعم عبد الكريم قاسم عند قيام الانقلاب.. مقابل منح البعثيين حقوق الأكراد.

ـ وهذا ما تم.. وسقط نظام عبد الكريم قاسم.. ولم تمض ثلاث شهور لتندلع الحرب بين حكومة البعث والبرزاني.

ـ استمرت الأوضاع في شمال العرق بين حالة الحرب واللا حرب.. وفشلت كل الاتفاقيات بين الطرفين.. حتى جاء اتفاق العام 1970 بالحكم الذاتي وطبقت كل الفقرات.

ـ لكن البرزاني رفض تنفيذ آخر بند بإعلان الحكم الذاتي في 11 آذار 1974.. وطالب بضم كركوك إلى الحكم الذاتي.. فاندلعت الحرب.

ـ جاءت اتفاقية الجزائر لعام 1975 بين إيران والعراق.. التي تنازل صدام عن نصف شط العرب إلى إيران.. مقابل عدم دعم إيران للبارزاني.

ـ بعد حرب العام 1991 وتحرير الكويت.. استطاع الأكراد إقامة الحكم الذاتي بعيداً عن سلطة بغداد.. وفرضت الأمم المتحدة حظر جوي وبري للقوات العراقية خط العرض36 ومنعت تدخل العراق بالشأن الكردي.

ـ بعد تطبيق برنامج الغذاء والدواء مقابل النفط 1994.. حددت الامم المتحدة حصة اقليم كردستان من موازنة العراق ب 12.6 % سنوياً.

كردستان بعد 2003 :

ـ انفرد دستور العراق لعام 2006 بفصل كامل لإقليم كردستان.. ومنحه حقوقاً أكبر من حقوق وواجبات الحكومة المركزية.. وفي حالة الاختلاف فتفسر الأمور وفق الفصل الخاص بإقليم كردستان.

ـ وهكذا أصبحت كردستان مستقلة دستورياً وقانونياً عن الحكومة الاتحادية.. مثلما هي مستقلة أمنياً وعسكرياً من خلال قوات البيشمركة.

الانفصال الكردي:

ـ بدأت حكومة كردستان العمل عملياً للانفصال وإيجاد المبررات لذلك.. ولابد أن نشير هنا إن رئيس جمهورية العراق جلال الطالباني السابق زار كركوك خلال ولايته ثلاث مرات.. أعلن في الزيارة الأولى: أن (كركوك قدس كردستان).. وفي الثانية قال: (إن كركوك كردستانية).. ولم يقوم مجلس النواب باستضافة الطالباني لتوضيح هذه التصريحات المخالفة للدستور العراقي.. ولم يزور الطالباني اية محافظة عراقية أخرى طيلة رئاسته للعراق!!

ـ جاء مشروع نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في نيسان 2013 لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم (كردي.. وسني.. وشيعي).. ورفض المشروع بقوة من قبل السنة والشيعة الذين أصروا على وحدة العراق.. فيما كان موقف الكتل الكردستانية بين مؤيد بشكل علني للتقسيم.. وبين موقف غير واضح.

استفتاء تقرير المصير:

ـ بدأت الدعوات من قبل حكومة كردستان للاستفتاء بتقرير المصير.. وأخذت العملية تتوسع بشكل انفصالي تماماً بعد احتلال داعش للموصل في 10 حزيران 2014.

ـ وإدخال كركوك ومعظم المناطق المتنازع عليها في ديالى وصلاح الدين والانبار في استفتاء تقرير المصير.

ـ وانطلقت شعارات وتصريحات من القيادات الكردية بأن المناطق التي تحررها قوات البيشمركة من داعش ارض كردستانية.. وفعلاً تدار المناطق المحررة من قبل كردستان.

ـ أكد رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني: (إن من حق الأمة الكردية أن تخطو الخطوة الحاسمة في الحصول على استقلالها.. لكن الظروف الحالية لن تسمح لها بضمان هذا الاستقلال).. مؤكداً (اهتمام كردستان بحل هذا المسألة حلا سلمياً وبخوض حوار مع بغداد حولها).

ـ وهنا يعترف البارزاني إن الظروف الحالية (المحلية والدولية لن تسمح بقيام كيان كردي لا في العراق.. ولا في المنطقة).. لكنه عاد لتأكيد إقامة الدولة الكردية.. فخلال جولته الخارجية لبعض الدول الأجنبية.. صرح: (لنا دولة ستعلن قريباً).

ـ إن أخطر تصريح صدر لمسرور البرزاني الذي كان رئيسا لمجلس الأمن في إقليم كردستان لجريدة الواشنطن بوست جاء فيه: (انه من الآن وصاعداً نحن لسنا مواطنين عراقيين.. ولا توجد أية روابط بيننا وبين بغداد).. مؤكداً: إن الحل الوحيد هو الانفصال.. مستدركاً: لكن بشكل سلمي بلا عنف واقتتال.

ـ بالمقابل أكد قباد طالباني نائب رئيس حكومة الإقليم: (إن الأكراد لا يستطيعون حل المشكلات السياسية والإدارية الداخلية.. فكيف بإمكانهم الاتفاق على مسألة مصيرية كالاستقلال؟ في الوقت الذي يشمُ عند النخب الكردية الرفيعة في الإقليم رائحة الانشطار الإداري).. وتابع قائلاً: (إضافة الى عدم توحيد المعبرين بين اربيل والسليمانية).. وأضاف الطالباني قائلاً: (إن طريق الوصول للاستقلال كهدف كبير لا يمكن أن يتم باتخاذ قرار متسرع.. لأن الإقليم ليس مهيئاً على المستوى الداخلي والخارجي لذلك).

ـ حقيقة الأمر إن البيت السياسي الكردي.. كبقية البيوت السياسية (الشيعية والسنية).. لم يعد موحداً حتى حول المطالب الكردية أمام الحكومة الاتحادية ببغداد.. بل تشرذمً وتقاطع بشكل واضح.. لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية معروفة.. ولم يعد بعض الأكراد يعترفون برئاسة مسعود البارزاني للإقليم.. ليس من قبل الأحزاب والقادة السياسيون فحسب.. بل من قبل الكثير من الشعب الكردي.

ضربات ضد الانفصال:

ـ وجهت لمشروع البارزاني في الانفصال ضربتين قويتين:

الأولى:

ـ إن 28 دولة أبلغت البارزاني رسمياً رفضها انفصال إقليم كردستان عن العراق.. من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا وروسيا.

الثانية:

ـ إقالة وزيره الوحيد وزير المالية في الحكومة الاتحادية هوشيار زيباري.. من قبل مجلس النواب الاتحادي بتهم فساد.

ـ إن الأزمة السياسية والاقتصادية والإدارية في كردستان.. والصراع بين حزب البارزاني والجماعة الإسلامية على حكم دهوك.. جعل من شعار (الاستفتاء حول حق تقرير المصير).. أفضل حل للهروب من المشكلات الداخلية.

ـ ولم تعد مسألة الاستقلال عن العراق ابرز الأمنيات الكردية الشعبية.. بل ألازمة الاقتصادية والسياسية وإعادة الديمقراطية هي المشكلات الأساسية التي يهرب منها البارازاني تحت يافطة (الاستفتاء والاستقلال.

ـ المهم جرى الاستفتاء يوم 23 لشهر أيلول/ سبتمبر العام 2017.. بتصويت 92% الى صالح الاستفتاء.. لكن الحالة لم تستمر وانتهت بعودة الحكومة الاتحادية والقوات العراقية للسيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها.. إلا إن جميع المشكلات بين الإقليم والحكومة الاتحادية مازالت قائمة!!

ـ يبدو إن قيادات الحركة الكردية استفادت من التجارب الأليمة مع الجيش العراقي.. فلم تدم الفرحة.. فبعد 20 يوما من الاستفتاء دخلت القوات العراقية الى كركوك.. دون قتال وانسحبت قوات البيشمركة من كركوك ومن المناطق المتنازع عليها… وعادت الى حدود الإقليم المثبتة بالخط الأزرق.. إلا إن جميع المشكلات بين الإقليم والحكومة الاتحادية مازالت قائمة!!

ـ بقيً أن نقول:

ـ إن أكراد العراق لم يكن لهم دولة.. ولم يتم اغتصاب أرضهم من قبل أية جهة غريبة.

ـ بل هم جزء من شعب العراق ذو الشرائح المنوعة من أديان ومذاهب وقوميات مختلفة.

ـ عندما تأسس الاتحاد السوفيتي.. وانضمت له ولايات أو دول برضاها أو عدمه.. ترك الدستور الحق لهذه الولايات.. أو الدول بحق الانسلاخ والعودة لاستقلالها كدولة إذا قرر برلمان أي منها استعمال هذا الحق.

ـ بينما الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت بثلاثة عشر ولاية في العام 1776.. وانتهت بخمسين ولاية في العام 1948.. نص دستورها على أن الدولة التي تنظم لها.. لا يحق لها مستقبلا الانفصال أو الاستقلال وفي أي ظرف.

ـ لو اعتبرنا وجود علاقة مشابهة.. وهي علاقة كردستان مع العراق.. وعلاقة إقليم كاتالونيا في اسبانيا .. فان برلمان كاتالونيا قرر الانفصال.. لكن لم يتم الموافقة عليه من برلمان اسبانيا.. وانفصال واستقلال كردستان.. يجب أن يحض بموافقة شعب العراق ودستوريا.. ممثلاً في برلمانه.. وليس من خلال برلمان كردستان فقط.
______________

* مؤتمر سيڨر: عقد 10 آب / أغسطس 1920.. وهو واحد من سلسلة مؤتمرات ومعاهدات.. وقعتها دول المركز عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.. وقد كانت مصادقة الدولة العثمانية عليها هي المسمار الأخير في نعش تفككها وانهيارها بسبب شروطها القاسية والمجحفة.. التي كانت بدافع النقمة من هزيمة الحلفاء في معركة جاليبولي على يد العثمانيين. وتضمنت تلك المعاهدة التخلي عن جميع الأراضي العثمانية التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية.. إضافة إلى استيلاء الحلفاء على أراض تركية.. فقُسِّمت بلدان شرق المتوسط حيث أخضعت فلسطين للانتداب البريطاني وسوريا للانتداب الفرنسي.. وقد ألهبت شروط المعاهدة حالة من العداء والشعور القومي لدى الأتراك.. فجرّد البرلمان الذي يقوده مصطفى كمال أتاتورك موقّعي المعاهدة من جنسيتهم.. ثم بدأت حرب الاستقلال التركية التي أفرزت معاهدة لوزان حيث وافق عليها القوميون الأتراك بقيادة أتاتورك.. ممّا ساعد في تشكيل الجمهورية التركية الحديثة.




الكلمات المفتاحية
الدولة الكردية عراق موحد

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 66.249.74.29