الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020

اذا تحدثت جدتي انصتنا خاشعين

الأربعاء 16 أيلول/سبتمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كثيرا ما تتحدث صديقتي الافتراضية “هديل” عن جدتها ، وعادة ما تستشهد الحديث بأقوالها”، حتى ايقنت ان لهذه الجدة مكانة عظيمة في داخل صديقتي الافتراضية هديل” ،

تنقل هديل قصص واقوال جدتها الى ابنتها الصغيرة، وكأنها ترسم صورة عني وعن الكثيرين ممن حظوا برائحة “الجدة” التي كانت تملىء بيوتنا حنانا ومحبة ودفء لم ولن يتمكن احدا غيرها تجسيده..!

تذكرت مع هديل جدتي الظاهرة الجنوبية الملفوفة بالحشمة والسواد من اقصاها الى اقصاها، وانا انظر لمخرجات حروفها، كنت ارى على يداها المتجعدتان اثرً لقهر كبير قد مرت به جدتي، وكنت ارى الحزن الساكن على تجاعيد خديها وهي تستذكر ايام صباها وكيف كان قوامها المملوء بالحيوية والنشاط ، وكثيرا ما تنعى احبتها ( راحوا هلي وضليت اصفج بديه،، دار الاهل يا حيف ضلت خليه) وتأن لذلك الزمن الذي كانت تشم فيه عطر اخوتها واحبتها الساكنين في اودية الموت منذ زمن بعيد ..!

جدتي كان لصوتها سماع خاص منا.. فلن نتلذذ بقصصها واقوالها ان لم نكن على استعداد تام لاستقبال ما يخرج من فمها من درر، وكأنها كانت تلف حروفها باحكام كما كانت تلف “شيلتها” على رأسها خوفا من ان يرى غريب ما تبقى من شعرها المعجون بلون الحناء والطين خاوة،

كان حديث جدتي يقينا نثق به منذ طفولتنا حد الكِبر ، لم يكن بيننا من له القدرة الكافية على رد بساطتها في الحديث وقوتها الشخصية، كانت تجمع امي وابي وكل عمومتي في شخصها، ومن منا له القدرة على مخالفة كل هؤلاء..؟!

انها الامومة البديلة والدفء الابوي الحصين الذي كنا نطوف حوله ونحن صغارا معتقدين انه كعبة مقدسة، نعم فلقد كانت هي المزار الاخير من ذلك الزمن الذي تأن اليه ارواحنا شوقا وتضطرب الانفاس ويتسارع النبض كلما تذكرناه،

كانت تحملنا بين يديها اطفالا في ليالي الشتاء وهي تقص عليها اساطيرها ، عن “الجنية” والحرامي الذي سرق بقرة من جارها الفقير.. ثم تنقلها عبر فطرتها الى واقعة الحسين ع وتستذكر فيه عمتنا الحوراء زينب وكيف كانت تقاوم السبي وتقف قبلها كأنها جبل وهي تعطي اخوتها ضحايا واحدا بعد الاخر، فكانت تجهش بالبكاء وتلطم صدرها وكنا نبكي لبكاءها على ما تقصه علينا من وجع لاطفال الحسين ع ومقتله،،! ثم تعود بنا لمأثر جدي وهي تصفه لنا بكل شوق اليه وتستذكر ايامها الجميلة معه وكيف كانت وكان معها وهما يتبادلان العشق ايام الخطوبة وبعد الزواج.. !
هكذا كانت جدتي طيبة وكانت حكيمة لدرجة انها كانت درسا بليغا لازال عالقا في ذاكرتنا وكنا نستمع لمعادلاته بشغف كبير..




الكلمات المفتاحية
الظاهرة الجنوبية الملفوفة خاشعين كمال الموسوي

الانتقال السريع

النشرة البريدية