الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020

جلس مكتئبا

الثلاثاء 15 أيلول/سبتمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كتابات قديمة
جلس مكتئبا يلفه حزن عميق وبضع نجوم يتراقص ضوؤها في ليل بهيم .
اشعل لفافته وراح يتابع حلقات الدخان المتصاعد واذ ذاك ايقظه صوت زوجته وهي تسأله
ماذا في الآمر يا طارق…؟
ارتسمت على وجهه علامة غضب وحزن واجابها بكلمة :- لقد تركت عملي.
تسمرت الزوجة في مكانها لبضع لحظات ثم سرعان ارتمت عليه واخذت رأسه بين يديها لتقول لا لا تظنني جازعة سنصبر مادام هذا قرارك الذي اتخذته ولكن تعلم انه ليس غير هذا الراتب وسيلة لعيشنا …ماذا سنفعل …كيف نسد رمقنا…؟؟
نظر اليها فرأى في عينيها الف تساؤل وتساؤل لم تنطق به شفاهها لكن العين اغنت عن كل كلام.
في الحقيقة ليس في وسعه ان يجيب تساؤلاتها فهو الآخر لا يملك جوابا شافيا.
ثم تدفقت كلماتها بصوت لم يكد يبلغ مسمعه لانخفاض نبرته
– لماذا بالله عليك …ما الأمر…لماذا يلفك هذا الصمت اي سبب يدعوك لهذا…؟

ظل مسمرا الى كرسيه وامتدت يده الى كتاب على المنضدة المجاورة وراح يقلب صفحاته كمن يبحث من خلال السطور الماثلة في تلك الصفحات عن جواب وبعد لحظات من الصمت قال:-
انني لم استطع ان ابيع نفسي أجل لا يمكن ان ابيع نفسي مقابل القوت
اغمض عينيه على صورة اطفاله وما يمكن ان يعانونه في ما يأتي من الايام العجاف فهاله الامر لكن لاحت له صورة اخرى اشد ايلاما وهي انه لو استمر في عمله فان ما يطعم اطفاله هو السم الزعاف الممزوج بالعسل والنيران. ومرت لحظات راح خلالها يقاضي ذاته ويستعجل الحكم فضيق عينيه واقترب حاجباه من بعضهما حتى لم يفصل بينهما سوى انملة صغيرة وبشيء من الغضب انتفض صارخا :-
– لا ابيع نفسي مقابل القوت …انا اكرم من ان اضيع في لجة الحرام او الذل سأعمل اي شيء لأطعمهم قوت كرامة لا ذلة.
تراجعت المرأة وشيء من المرارة تحسه نفسها فهي تعلم جيدا انه ليس مخطئا ,لقد عمل منذ سنوات مع المهندس المدني نجيب والذي كان في بداية مشواره العملي وكثيرا ما تناولا طعامهما معا مما كانت تعده لهما بيدها ثم سرعان ما اتسعت اعمال المهندس نجيب بينما ظل زوجها يراوح في مكانه يعمل معه ولم يراوده اي شك في نبل صاحبه ولكنه وقبل اشهر معدودة عرف ان صاحبه ليس امينا وفكر في ان يترك العمل معه ولكنه اراد ان يعرف الحقيقة ويصل اليها بالدليل القاطع لذا قصد الحاج كامل الذي اكد له ان صاحبه ليس بالرجل النبيل والنزيه بل هو غارق في الزيف والتزييف ومع هذا ارادت ان تستوضح الكثير فهتفت:-
-ولكن يا طارق كيف تأكدت من الامر ربما كان الحاج كامل مخطئا .
عجبت لنفسها لماذا تبحث عن التبرير وكيف ترضى ان يكون قوتها حراما ومهانه ولكن لتطالبه بالدليل.
كيف تأكدت وما هو الدليل…؟
تملل في مكانه ورفع لها عينيه فكررت له عبارتها السؤال:-
قل شيئا يا طارق وامسكت يديه وجلست الى جواره هاتفه قل لي كيف تأكدت من ذلك…؟
استمعت الى صوته كأنه صدى يأتيها من مكان بعيد وحلقات من النجوم تظهر وتختفي خلف النافذة وحيث غيوم السماء تتجمع وتتفرق وكلماته تصل اليها بل الى شغاف قلبها و ايقظها صوت صغيرها ….
آه ندت عنها آهه وذهبت تهدهد طفلها وهي تمسح من عينيها ظل دمعة اما هو فأجابها بكلمة قاطعة
نعم تأكد لي انه غير امين.
وغاب في تفكير عميق بداية عملهما وقد وجدفيه اخ وصديق وخير معين لكنه اخيرا ادرك ان من يعمل معه ليس نظيفا ولهذا الزم نفسه موقفا محددا لم تهزه المغريات ولم تستطع النفائس ان تغيير من سلوكه ,ربما غيرت سلوك البعض ممن كان يعدهم طيبين لكنه هو ينبغي ان يظل ملتزما بقضيته لا يمكن ان يهادن او يتهاون لذا قال للمهندس نجيب وجها لوجه ستأخذ الحكم لقضيتنا …لا يمكن ان تسلبنا هذا الحق وبكل شجاعة صرخ بوجهه ينبغي ان تقدم للعدالة . هو يدرك انه لن يظفر بالعدل فالمهندس نجيب محاط بجماعة من اولي الامر كما يقولون والعدل والنظام بالنسبة لهم اشبه بشبكة العنكبوت بخيوطها المتشابكة والتي لا يمكن لغير المستفيدين ان يظفروا اما هو وامثاله فليس لهم الا السجن والحرمان وانتهاك الحقوق .
كم آذاه ان يقابل كلماته بضحكة ساخرة تكاد تكون من الاعماق ثم وضع رأسه على حافة الكرسي قائلا بأسلوبه الساخر سنرى .
انه تحد اليم حين يكون صاحب الحق ضعيفا مهانا وصاحب الباطل سيد مطاع .




الكلمات المفتاحية
الراتب جلس مكتئبا

الانتقال السريع

النشرة البريدية