الاثنين 10 أيار/مايو 2021

ما سر التكالب على إقرار الخدمة الإلزامية ؟

الجمعة 28 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ارقى الدول المتقدمة لديها قانون خدمة العَلَم ، ولم يأتِ هذا من فراغ ، فبالأضافة الى رفد الجيوش المستمر بأرصدة بشرية ودماء جديدة ، فالجندية تقضي على الأنانية ، والنزق والترف والتذمر والفراغ لدى الشباب ، تعلم الشباب ما معنى العمل كفريق ، تقضي على نزعة التمرد والانفلات فتصقل فيهم الانضباط وروح الأنصياع للأوامر وأحترام المافوق والأكبر سنا فينعكس ذلك على نظرته لمجتمعه ، تعلمهم نكران الذات والتضحية ، تضعهم على محك الحياة ، بعد ان تُخرجهم من خيمة الابوين ، الى حيث الحياة الحقيقية ، ليعلموا أن طريق الحياة ليس دائما مفروشا بالورود ، تُعلم الصبر والخشونة وأخلاق الفرسان ، تشحذ فيهم قيم الرجولة والنبل والايثار والتشبث والثبات ، تنمي لديهم الكرامة والأعتزاز بالنفس ، انها بمثابة خطوة أولى لدرس عملي في حب الوطن ، بعد أن قرأنا أدبياته ورددنا أناشيده في مدارسنا كالببغاوات ، هذه هي مبادئ الجندية التي شببنا عليها ، فبعض العوائل كانت تحتفل عند دخول أحد أبنائها الى الجيش بفخر وكأنه عُرس ، فأية عائلة لا تتمنى أن يتصف أبنها بهذه الصفات الراقية ؟ .

أقول نعم للخدمة الألزامية ، ولكن بشرط ، أن يخضع لها الجميع ، أبن الأمير والفقير على حد سواء ، وعلى أن لا تظهر استثناأت تجر استثناأت ، وبشرط أن الأنتماء لميليشيا أوحزب لا يُسقط هذا الفرض ، ولا يعفي من له محسوبية أو منسوبية ، ولا يستثني مَن يحمل صكا مجيّرا من (الحجي فلان) ، أو الوزير أو عضو البرلمان الفلاني .

ولكني اتسائل ، هل تتوفر لدينا حاليا ، قيادات عسكرية غاية في الحرص والمهنية والرعاية الأبوية والتربوية ، بحيث نأتمنها على شبابنا ، تلك الثروة الي لا تُقدر بثمن؟ ، وهل هي أهلا لتحمل أمانة ومسؤولية جسيمة في قيادة جيل جديد ؟ ، أشك في ذلك ، ولشكّي هذا ما يبرره ، فما مأساة (سبايكر) و(الصقلاوية) ، والحصارات المتكررة لجنود في وحداتهم التي تلتها فيبادون عن آخرهم ،بسبب ضعف التنسيق والدعم ، وكأننا نقدم جنودنا مثل قرابين مجانية ، ما هي منا ببعيدة !.

التاريخ والتجارب وحتى النظريات تؤكد اننا يجب أن نختار بين اثنين ، أما الجيش أو الميليشيات ، وأن السلاح يجب أن يكون بيد الجيش وقوى الأمن حصرا ، فلا مكان لمقاتلين محترفين جنبا الى جنب مع مقاتلين هواة أوطارئين ، فعندها لن تكون ثمة سرية وكتمان ، اساس عمل الجيش ، سوف لن تكون هنالك خططا عسكرية وجهود موحدة ، وستتحول ميادين القتال الى فوضى تعمها النيران الصديقة ، ويتشتت فيها الجهد العسكري بدلا من توحيده باتجاه العدو ، هذا إن لم يحصل الإقتتال بين الإثنين !.

أسئلة مشروعة تدور بخلد ذوي المكلفين ، هل تمتلك الدولة المال الكافي وهي على حافة الأفلاس ، لفتح مراكز التدريب ؟ ، الأجدر بالدولة أن تطعم النازحين وأيواءهم ، فهل تتمكن من أطعام الألاف من المكلفين ؟ ، هل بأمكان الدولة شراء تجهيزات عسكرية لألاف الشباب ، وتهيئة وسائل الأيضاح ومعدات وساحات التدريب وكوادرها ؟ ، ما هي المواقع الجغرافية لمراكز التدريب ؟ ، فالبلد كله ما بين مناطق ساخنة ، ومحتلة ، ومناطق غاضبة ، تطلب الثأر لأبناءها المغدورين في سبايكر وأخواتها !.

ساحة البلد الحالية تبدو خالية من مقومات التجنيد الألزامي ، على الأقل ضمن الأفق المنظور ، فبالأضافة الى ما سبق ، هنالك الفساد وتسلط الطارئين وعديمو الخبرة ممن نصبتهم الظروف على المؤسسة العسكرية ، صحيح أن الخطوة الأولى للتخلص من جنرالات الفشل ، خطوة في مسارها الصحيح ، وهذا لم يحصل ، ولكننا بحاجة الى المزيد ، فكيف نأمن على أبناءنا وهم ينخرطون في خدمة العلم ؟.

من المعلوم أن مفتاح نجاح أي جيش في العالم هو توفير غطاء جوي لحماية مقاتليه ، كذلك يجب ان يكون لديه منظومات دفاع جوّي رصينة وفعّالة وكثيفة جغرافيا ، والحرب الحديثة هي حروب إلكترونية –إستخباراتية ، فمن أين لنا ذلك ؟ ، هل بواسطة صفقة طائرات (F16) الباهضة والتي أهملتها شركات تصنيعها من إجراء الصيانة اللازمة لها بحجة قصف القواعد ، بعد أن منحتهم الميليشيات المنفلتة هذا المبرر ؟! ، حتى قلّت أعداد الصالحة للطيران منها ؟ أما تسليحها فحدّث ولا حرج ، هل سمعتم أية فعّالية لدفاعنا الجوي رغم إختراقات أجوائنا التي لا تُعد ولا تُحصى ، وما هي خطوات تصحيح الخلل الكبير الذي صاحب عار الإنسحاب من الموصل ، والذي أمات الجيش سريريا ؟ وما هي خطوات بعث الروح فيه مرة أخرى والتي لم نلمسها ؟ هل إستفدنا من الدروس المريرة التي صاحبت ذلك ؟ .

من أين تأتي عقيدة التضحية التي تدفع شبابنا لخدمة وطن عقّه وسلبه حقوقه ، وأهمل خدماته وسلط عليه سوط الجوع والأمية والبطالة ، بل وقاتله وغيّبه وشوه سمعته لمجرد مطالبته بحقوقه الأساسية ؟، وأعود للإجابة على السؤال في عنوان المقالة ، لماذا التكالب على إقرار هذا القانون ؟

أحد هذه المبررات وكلّها سخيفة وغير عقلانية هو القضاء على البطالة !! ، وهل لدى الدولة التي تتباكى على خلو خزائنها من المال ؟ ، والتي بالكاد تستطيع دفع مرتبات موظفيها ، وماذا بعد أن يقضي المكلّف خدمته ؟ هل سيعود إلى جيوش العاطلين ؟ تصرفات الحكومة تجاه المواطنين طيلة سنوات السقوط العجاف ، تبين أن الدولة لا يعنيها تنمية روح الشباب ، وإبعاده عن (الميوعة) ، وتنمية الحس الوطني ، فالشباب لا ينقصه حب الوطن ، ولكن قولوا أنه باب جديد قد يُفتح (لا سمح الله) ولا ينغلق للفساد والإبتزاز والرشى وأعداد غفيرة من الفضائيين ، ولكم أن تتصوروا كيف سيتحوُل شبابنا إلى دجاج يبيض ذهبا ولكم أن تتصوروا الأموال التي تعود على الفاسدين المعشعشين في كل زاوية ، يريدون بهذلة شباب لا تنقصه البهذلة وهو يصارع الحياة ، بينما أولاد السياسيين والبرلمانيين وأذنابهم في منأى عن كل ذلك ، فهم في عيشة راضية في منتجعات أوربا وأمريكا وغيرها ، إنها الأنانية والنفاق بعينه ، والأهم من ذلك ، أن المشمولين بهذه الخدمة المزعومة ، هي الفئة العمرية لشباب الثورة التشرينية بأكملها ، وبهذا ستتخلص الدولة من صداع الإنتفاضة التي زعزعت عروشهم .




الكلمات المفتاحية
الأمير والفقير التكالب روح الشباب

الانتقال السريع

النشرة البريدية