الثلاثاء 6 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

صوت الشّعر العربيّ الحرّ و سبعة و تسعين عاماً على الميلاد

نازك الملائكة .. توأمي الذي وُلد قبلي ب ثمانية وستين عاماً مع اختلافٍ بسيط في الجهات على الخارطة الكونيّة بين بغداد و دمشق 

اعتمدتُ القراءة بكثبٍ منذ زمن طويلٍ كمنهجٍ مدروسٍ بإتقانٍ بغية تعزيز ثقافتي و معارفي بشكل عام ، ودعم مهارتي الأدبية واللغوية بشكل خاص ، وكنتُ قد اطّلعتُ على الأدب الغربيّ و لاسيما الرواة الأشهر عالمياً أمثلة فولتير و موليير و ألبيرتو مورافيا و ألبيركامو و جوزيه ساراماغو و غيرهم .

ولكنني لا أنكر أبداً أنني تعمّدت التّركيز على الأدب العربيّ بمجمله و نتاجاته في قراءاتي ، ليس بسبب تخصّصي الجامعي فحسب ، بل قرار اتّخذته مع ذاتي بعد اعترافي لنفسي و تصالحي المطلق مع ما أحبّ أن أقرأ وما أحبّ أن أكون .

و بدأتُ منذ سنواتٍ تُحسبُ أنّها طويلة قياساً بعمري البيولوجي الذي لم يكمل الثلاثين حتى الآن ، بالقراءة بنهم لا يشبهها نهم ، فأذكر كم تقاعستُ عن واجبات بسبب التزامي بقراءة كتاب كنت قد وضعته ضمن خطّتي السّنوية ، وأذكر صديقاتي كم غضبنَ مني مراراً بسبب تهرّبي من نزهاتنا سويّة بسبب رواية كنتُ كنت عاهدتُ صفحاتها أن أنهيها بيومين مثلاً .

بعد تخرّجي من الجامعة في سوريّة و حيازتي على بكالوريوس الأدب العربيّ من جامعة تشرين ، و أثناء متابعتي لمرحلة الماجستير في الأدب المقارن ، كنتُ قد عملتُ في إحدى مدارس العراق لسنتين متتاليتين ما زلتُ أذكرها بشوقٍ ، فأذكرُ عندما عيّنتُ مدرّسةً للغة العربيّة هناك للمرحلتين الإعداديّة و الثّانويّة ، وقد كانت أعمار الطّلاب تتراوح بين الثانية عشر و الثامنة عشر .

ليس من السّهل أبداً أن تدرّس الشّعر العربيّ لأبناء العراق ( أرض الشّعر ) ، فكثيراً ما كنتُ أخوض النقاشات مع طلابي في قصص حياة الشعراء و الأدباء العرب و نتاجاتهم بأسلوب يحبّب إليهم المطالعة كفكرة مبدأية في حياتهم العلميّة و الشخصيّة .

و لأنّني كنتُ أصغر أفراد الطّاقم التدريسيّ في المدرسة ؛ كنتُ أحظو بحبّ الطلبة و صداقتهم حتّى غدوت بيت أسرار بعضهم وما زلتُ سعيدة و فخورة بذلك حتى يومي هذا . 

و أعترف أنني قمتُ باستغلال محبّتم الكبيرة لي استغلالاً مشروعاً  حسب اعتقادي ، فحوّلت دروس التّعبير الإنشائي التي كانت دروس فراغ و تسلية لهم يتمتعون بها بالنوم الهنيء على المقاعد أو بالتهام  الطعام المُخبّأ في الحقائب ، إلى دروسٍ جديّة مخصّصةٍ لدراسة الأعمال الأدبيّة العربيّة في العصر الحديث ، فكنتُ على سبيل المثال أوكل إلى كلّ من طلاب الصّف الواحد كتابة بحث بعدّة صفحات عن كاتب عربيّ أحدّده لهُ مسبقاً ، و كنتُ شديدة جداً في هذه الدروس مما أثار ريبة الطلّاب ، فقد كسرتُ أحلامهم التي عقدوها على ملء حصة التّعبير باللهو و المزاح .

حتى قال لي أحدهم ذات مرّة ” ست نحن لسنا طلاباً متخصصين بدراسة الأدب العربي ، ولسنا طلاب جامعة ، نحن طلاب مدرسة فقط “

فأجبته ” لكنّك تحمل الهويّة العربيّة و من العار أن تُسأل ذات مرّة عن رموز الأدب في بلادك و تقف صامتاً بلا جواب و أنت ابن أرض المتنبي و  الجواهري و أحمد مطر و بدر شاكر السيّاب ” 

و بعد مرور بضعة أشهر لعملي في المدرسة هذه و اطّلاعي على المنهاج العراقيّ للمرحلتين الإعدادية و الثّانويّة ، لمستُ قوّة المنهج الأدبيّ و اللّغويّ ، و رأيتُ بعيني متانة سلسلة دروس القواعد العربيّة التي تدرّس لطلاب الثّالث الثّانوي بفرعيه العلميّ و الأدبيّ . 

غصّة دفينة كانت تملأ قلبي كلّما تصفّحتُ كتاب ” الأدب ” للثالث الثانوي ، لم أستطع الخروج من جلد الأنوثة مهما حاولتُ ، فكنتُ أبحثُ مراراً في الكتاب عن قصيدة ما لشاعرة عربيّة زاحمت الرّجال في السّاحة الشّعريّة .

كنتُ أبحثُ عن عربيّة ثائرة على التقاليد البالية و الجهل الذي يغزو منطقتنا العربيّة ، تصرُخُ ضدّ معاناة المرأة العربيّة كما صرخ سميح القاسم و محمود درويش ضد الصهيونيّ .

كنتُ أبحثُ عن شاعرة عربيّة تدافع عن حقّها في الحبّ بصوت جهور ، ليقيني أنّه حين تُقيّد المرأة عن الحبّ تُقيّد عن حبّ الحياة و الأشخاص . عن شاعرة أُنثى يقرؤها طلّابي في كتبهم ، تعلّمهم حبّ الوطن و الحريّة و القوّة بصوتها العربيّ الدافئ .

نازك الملائكة هي الصوت الأنثوي الوحيد مع فدوى طوقان الذي وجدته في منهج الثالث الثانوي في قسم ” مدرسة الشعر الحرّ ” ، قصيدتها ” مرّ القطار ” مطلعها :

اللّيل ممتدّ السكون إلى المدى 

لا شيء يقطعه سوى صوت بليد

-سبق و أن شبّهني أصدقائي و أساتذتي بنازك ؛ لتقاطُعنا في المسيرة الدراسية و لتشابُهنا في الحساسية المفرطة المتعبة على حسب وصفهم .

فقد كانت بكر والديها كما كنتُ أنا أيضاً ، نشأت في عائلة مولعة بالأدب و القراءة ٢٣ أغسطس ١٩٢٣ ، نازك التي أراها مثالاً للمرأة التي أشتهي أن أكون ، كانت قد سُمّيت باسمها تيمّناً بالثّائرة السّوريّة ” نازك العابد ” التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي في ذات العام ، لتولدَ ثائرة على التخلّف بعون والدها الأديب و مدرّس اللّغة العربيّة الباحث صادق جعفر الملائكة . عندما كنتُ أحدّث طلابي عن سيرة نازك و حياتها و جدتُ نفسي أروي الكثير من سيرتي ، فكان لها أمّاً كاتبةً درّبت ابنتها على جميع عروض الشّعر وأوزانه كأمّي ، لتبدأ نازك كتابة الشّعر و هي في العاشرة .

درست في قسم اللغة العربيّة في بغداد ، كما درستُ أنا ذات اللغة التي عشقتُ في اللاذقية ، و كما أكملت الملائكة ماجستير الأدب المقارن في أمريكا ، أكملتُهُ أنا في موسكو . 

وعندما تحدثتُ عن رفض نازك مصطلح الأدب النسوي ، بكلّ صدق كنت أتكلّم عن قناعاتي التي مازلتُ مليئة بها ، فالأدب أدبٌ و لن يتجزّأ يوماً إلى نسويّ أو ذكوريّ ، فالأدب أدب الإنسان و الانسانيّة فقط .

رأينا كيف اكتفت نازك بالتوصيف الفنيّ الذي وصفت له الأرضيّة النقديّة بنفسها حين كتبت كتابها النّقدي “قضايا الشّعر المعاصر “

و رأينا كيف سار على نهجها النقديّ كلّ من جاء بعدها من شعراء قصيدة التّفعيلة .

نازك المقاتلة ضدّ التقاليد البشعة صرخت بوجه الظّلم فقالت :

إنّ قيدي عار 

و جمودي انتحار 

-كما يروي جميع من عرف نازك أنّها كانت وجدانيّة حدّ الإفراط ، فهي إنسانةٌ أوّلاً ، و عربيّة ثانياً ، اختلطت روحها بآلام الأمّة العربيّة فعاصرت ثوراتها و أيّام تحرّرها ، كما اختلطت روحي أنا بحزني على دمشق و وجعي على ذكرياتي التي ضاعت مع رائحة الياسمين الشّامي في حارات دمشق القديمة .

نازك التي كانت ملهمةً لكلّ الذين عرفوها نشرت مجموعتها الشّعريّة الأولى ” عشّاق الليل ” عام ١٩٤٧ ، فكتبت قصائدها على الشّكل العموديّ ، فكانت ردّة فعل هادئة على توحّدها الخاص مع الطبيعة .

وفي نفس العام نشرت قصيدتها الأشهر ” الكوليرا ” إزاء تفشيّ مرض الكوليرا في مصر وارتفاع عدد الوفيات به ، فقالت ” خلال ساعة واحدة انتهيت من كتابة القصيدة ، وركضت مسرعة إلى بيت أختي إحسان ، فقلتُ اها لقد كتبتُ شعراً مختلفاً من حيث الشّكل و سوف يسبّب جدلاً كبيراً ” . نعم صدقت نازك فلقد أثارة قصيدتها هذه سخرية والدها و استهزائه متوقّعاً لها الفشل ، فردّت عليه ” قُل ما شئت أن تقول ، إنّني واثقة من أنّ شعري سوف يغيّر خارطة الشّعر العربيّ ” .

كانت رؤيتها صحيحة فها قد غدا الشّعر الحرّ هو الأشهر و الأحبّ لقلوبنا ، و بالرّغم من أنّها أوّل من كتب شعراً حرّاً لكنّنا لا نستطيع اعتبارها قائدة لهذه المدرسة وحدها ، فكثير من الصحف العربية و العراقية تحدّثت عن حرب اشتعلت بين نازك و بدر شاكر السيّاب حيث قام السيّاب بنشر قصيدته ” هل كان حبّاً ” عام ١٩٤٦ أي قبل نازك بعام ، لكنّ نازك عادت و اعترفت أنّ لها محاولات شعريّة بالشّكل العموديّ منذ عام ١٩٣٢ .

عام ١٩٣٢ ألقت محاضرة في نادي الاتحاد النسائي بعنوان ” المرأة بين قطبي السلبيّة والأخلاق ” حثّت فيها المرأة العربيّة على رفض  السلبيّة التي تعيشها في المجتمع العربيّ ، و في قصيدة ” غسلاً للعار ”  تطرّقت إلى جرائم الشّرف فنالت انتباه الإعلام العالميّ و أسّست جمعيّة للنساء اللواتي يرفضن الزواج . قالت فيها :

وانبجث الدم واختلج الجسم المطعون

والشعر المتموِّج عشش فيهالطين

(اماه) ولم يسمعها إلا الجزار

وغداً سيجيء الفجر وتصحوالأوراد

والعشرون تنادي والأمل المفتون

فتجيب المرجة والأزهار

رحلت عنا… غسلاً للعار

-استمرّت نازك بالكتابة حتى آخر لحظاتها في القاهرة حيث دفنت  ٢٠/٧/٢٠٠٧ ، فكتبت أكثر و أكثر عن الذات و امتازت كتاباتها بالرومنسيّة الفرديّة ، فكانت لها فلسفتها الذّاتيّة ، و تحدّثت عن تجربتها مع الاكتئاب ضمن سيرتها الذاتية عندما كتبت ” كما أذكر لقد غصتُ عميقاً في التّحليل النّفسي ، و قد اكتشفتُ أنّني لا أجسّد او أعبّر عن أفكاري و مشاعري كما يفعل الآخرون من حولي ، لقد اعتدتُ الانسحاب و أن أكون خجولة ، و قد اتّخذت القرار بأنّني سوف أنتقل من هذه الطّريقة السلبيّة في العيش ” .

لقد كان الحزن صديق طفولتها بعد وفاة والدتها التي كانت صديقتها الوحيدة فقالت ” بعد وفاة والدتي بقيت أبكي ليل نهار حتّى صار الحزن مرضي و تجاوز ذلك إلى حدّ الاكتئاب ” .

لقد غدت نازك صوت المرأة العربيّة البكماء عنوةً  و غصباً ، فجعلت للأنوثة العربيّة دوراً أساسيّاً في اللّغة ، أضافت للحداثة لوناً نسوياً جذّاباً ، وكسرت الحدود بين ما يُقال عنهُ شعر أنثويّ و ذكوريّ . 

* كاتبة وباحثة سورية مقيمة في موسكو

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الامبراطورية الخائفة من أهلها

تتحدث الأنباء عن تمارين عسكرية أمريكية إسرائيلية ترجَمَها بعضُ العراقيين والعرب والإيرانيين المتفائلين بأنها استعداد لضربة عسكرية مرتقبة لإيران. ولنا أن نتساءل، إذا صحت هذه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل يتجزّأ الإقليم .؟

 العنوان اعلاه مشتق ومنبثق من الخبر الذي انتشر يوم امس وبِسُرعات لم تدنو من بلوغ سرعة النار في الهشيم , وكانت وسائلُ اعلامٍ بعينها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قراءة في كتاب “لماذا فشلت الليبرالية”

بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة عام 1990 اعتبر الغرب أن ذلك يمثل نجاحا باهرا ونهائيا للرأسمالية الليبرالية والتي يجب أن يعمم نموذجها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فشل بناء الدولة الوطنية الديموقراطية بغداد .طهران .دمشق نموذج ,الاستبداد الشرقي

التطور سنة الحياة وحياة بني البشر في تطور مستمر ودائم .تتطور قوى الانتاج وطرق المعيشة و الثقافة و القوانين والنظم وشكل الدولة وتتطور الثقافة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

وصلتني سير الدعاة

في كربلاء الحسين التقيت بالدكتور شلتاغ الذي صنع التأريخ بقلمه, وضم في موسوعته أساطين الكلمة ممن اعتلى مشانق الجهاد لترقص اجسادهم فرحين مستبشرين بمن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتقاعدون.. والسوداني.. ومأساة المتاجرة الدعائية برواتبهم المتدنية !!

تعد شريحة المتقاعدين ، وبخاصة ممن شملوا بقانون التقاعد قبل عام 2014 ، من أكثر شرائح المجتمع العراقي مظلومية ومعاناة معيشية ، وهم من...