الجمعة 7 أكتوبر 2022
41 C
بغداد

الدعاية في العراق فوضى.. وفي أوربا ثقافة وثروة اقتصادية

الدعاية تاريخيا، ذراع للشركات الرأسمالية، قبل أن تستثمر السياسة فيها، لتصبح آلتها الضاربة، الأمر الذي ربطها بالخداع والتسويق النفعي، وتحوّلت مهمتها التوعوية والارشادية الحقيقية الى الإشهارية أولا قبل المصداقية.

ومهما كان التقييم لها، فإنها انقلبت الى سلعة اقتصادية وسياسية، لا غنى للحياة عنها.

 

في عراق قبل 2003، خفتت الدعاية الحرة، وانحسرت الى تفخيم النظام السياسي، ونشْر أيديولوجياته وشعاراته،

وتجبّرت المنشورات الاعلانية والحزبية على سواها، وهو شأن بديهي في أزمان الحروب، مثلما هو نمط دأبت عليه جميع الأنظمة الشمولية.

 

في عراق ما بعد 2003، استفاضت الدعاية وشملت كل النشاطات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأسهم في رخاؤها، تطوّر تكنيكيات النشر والاعلان.

لكن الظاهرة المميزة، في العراق، هو تحوّل منصات التواصل الاجتماعي، والكثير من وسائل الاعلام والفضائيات، الى

واجهات دعائية سياسية، فيما غزت الإعلانات التجارية، بغداد بطريقة فوضوية، وضاقت النوافذ الاعلانية المتخصصة، التي تمنع استغلال المحيط العام والخطاب الاعلامي الحكومي، في الدعاية.

 

لا يُعرف بالضبط حجم وارادات الإعلانات الى ميزانية الدولة، فيما المؤكد ان البلديات في مدن أوربا تجني ملايين الدولارات منها، موفرةً المال وفرص العمل للعاطلين، ولتطوير مشاريع البنى التحتية. ولا يقل ثمن الإعلان في شارع في مدينة هولندية او ألمانية، في مراكز المدن، عن الثلاثين ألف دولار في السنة، على أقل تقدير.

 

الدعاية السياسية، البيضاء، والرمادية، وفّرت عبر التاريخ، وجبة معلوماتية دسمة مخلوطة بالأكاذيب والحقائق، اقتادت الشعوب، وحسمت محصلات الحروب الاقتصادية والعسكرية، بعد ان نجحت في تطويع آراء الناس وسلوكهم نحو الاتجاه المطلوب، على رغم من انها استُثمرت حتى في التزييف والاكاذيب ولوي أعناق الحقائق، للوصول الى الهدف.

 

في العراق، تحرّكت الدعاية السياسية الداخلية والخارجية بعد 2003 وما قبله، على وتر الانفعالات والعواطف، وكان لها دور كبير في الأزمات السيكولوجية والعاطفية، التي أثّرت على مدارات الأحداث.

 

لا يبدو العراق قصيّا عن شعوب العالم في مفعول الدعاية على مستقبل البلاد، ففي العام 1792 أنشأت الحكومة الفرنسية وزارة متخصصة بالدعاية، فيما الثورة الفرنسية لم تبتعد عن توظيف الدعاية للترويج لشعاراتها.

 

لكن الدعاية السياسية في أوربا اليوم، ناسبت نفسها مع رخاء الديمقراطية الحقيقية، بعد ان كانت ومنذ الحرب العالمية الأولى تركّز على تفخيم الملوك والزعامات والشخصيات المهمة، وهو الامر الذي لا يزال يطبع البلدان العربية وشعوب العالم الثالث.

الإمبراطورية الألمانية بقيادة بسمارك و فيلهلم الثاني، اعتبرت الإعلان جزءاً جوهريا من البروباغندا السياسية،

وعوّلت إنجلترا وألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، على الحرب الدعائية بقدر التركيز على الحروب العسكرية.

وألهمت الفاشية والشيوعية والاشتراكية الوطنية، الأنظمة الشمولية في العالم، طرائق تمجيد الحزب والقائد، وانفقت أموالا طائلة لغسل أدمغة الأفراد.

 

ومع تطور وسائل التواصل، استثمر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما العام 2012، في الدعاية في حملات مركّزة، لغايات سياسية عبر التواصل الاجتماعي، ما دفع إدارة فيسبوك، الى وضع قوانين صارمة تهمّش الاستهداف السياسي.

وفي هولندا، اثار توجيه رسائل دعاية سياسية عبر فيسبوك الى الأعضاء المشتركين، خلال الانتخابات، ضجة واسعة لتأثيره الواسع على نتائج صناديق الاقتراع.

 

آنفا، حظَر قانون البث البريطاني العام 1990، أي شكل من أشكال الدعاية السياسية على الراديو، وانطبق ذلك حتى على منظمة “محترمة”، مثل العفو الدولية التي مُنعت من إطلاق حملة إعلانية حول الانتهاكات في رواندا.

القوانين الصارمة الخاصة بالإعلان، تجاوزت الأحزاب والنوافذ السياسية، الى الشركات المصنّعة للمنظفات، والسكائر، والمشروبات الروحية، حفاظا على البيئة والصحة العامة.

 

الديمقراطية العراقية الناشئة تحتاج الى ضبْط الدعاية على اختلاف شواكلها، منعا للفوضى السمعية والبصرية، قبل السياسية، وللحيلولة دون توجيه الرأي العام لجهة على حساب أخرى، وتحويلها الى مشروع ربحي يدر بالأموال الطائلة على الميزانية.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
877متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

حوار الفرقاء .. ومستقبل العملية السياسية .. قراءة وتحليل – الحلقة الاولى

استبشر العراقيون خيرا بزوال طغمه الفساد والترويع والتقتيل عصابات البعث المقبور متأملين ان يكون القادم افضل مما سبق ، الا ان واقع الحال لم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المشهد داخل ايران والعراق

❖ كتابة : نصيرا شارما ❖ ترجمة : وليد خالد احمد مازلنا نتذكر شهر ايلول1980 ولياليه الطرية المنعشة عندما وقعت الضربة الاولى على مجمع الصلب في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

: معادلةٌ بلا رموزٍ للتفكيك .!

بالمدفعيّة وبالطائرات المسيّرة المسلّحة , القوات الأيرانية تقصف مواقع الأكراد الإيرانيين < او اكرادها > في شمال شرق العراق , ايضاً : الجيش التركي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اعلان مناقصة انشاء حكومة لجمهورية العراق

بعيدا عن البرلمان الذي جاء بانتخابات مزورة كما أعلن ذلك على الأشهاد الإطار التنسيقي ، وبعيدا ايضا عن البرلمان الذي ضم نوابا من الخاسرين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عيد الأستقلال وغياب السيادة!

مر يوم الأثنين الموافق 3/10/2022 باهتا على العراقيين بلا لون ولا طعم ولا راتحة كباقي أيامهم التي يعيشونها بلا معنى بعد أن أخذ منهم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

متى يحتفل العراق بالعيد الوطني ؟

اصدر مجلس الوزراء العراقي في الاول من ايلول عام 2019 قرارا باعتبار يوم 3 تشرين اول/اكتوبر العيد الوطني للبلاد ، واعتمد بذلك على تأريخ...