السبت 26 أيلول/سبتمبر 2020

أنا كمختص!

الأربعاء 12 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

هذه العبارة التي صار يتكيء عليها كل من اتخذ إجازة او شهادة في باب ما او علم او ادب او فن ، ليجني من قوله امرين : الاول منع الناس من الخوض في هذا الباب وقصره على نفسه ، والثاني مداراة مايخبئه خلف شهادته تلك من خواء علمي او جفاف ادبي اونضوب فني .
المختصّ : هو كل من برع في باب من فن او علم او ادب وعُرِف عنه نجاحه فيه ، واشتهرت مهارته ودربته وحسن التعامل مع ادواته وقياساته ومعاييره ، وكان خطأه فيه أندر من غيره من اقرانه في ميدانه ، وشهد له بذلك كل من يعرفه ممن يعرف في هذا الفن او يمارسه او يتذوقه . ولا اعتبار ان كان حصّل ذلك باجازة او بالممارسة والاشتغال .
فكم من “معمار” نال ارفع الشهادات وما رأينا له اثرا معماريا على الارض او منشأً يشهد له . وكم من “ناقد” شوّش اسمه النقاشات وصوته الجلسات وتقدّم وجهه الدعوات ، وما عرفنا له اسهاما نفعنا ، او حكما امتعنا اونصا اوجعنا . وكم من “طبيب” علق شهاداته على جدار بيته او محل عمله ، وما سمعنا انه اسعف مريضا او احيا نفسا او كشف علة او واسى عليلا ، وانما يقتات على اموال السوقة والمساكين ، ويكتب مااعتاد ان يكتبه دون تمكين ، ومن كل الف مريض يشفى على يديه واحد بالحظ او التخمين .
فمنذ القدم والعلوم تؤخذ بالدرس ومن الشيوخ والاساتذة والحكماء والفلاسفة ، ومن التبصّر في شؤونها وفي تفاصيلها ، ومن النظر في الغابر والحاضر منها وممارستها والكتابة والتاليف فيها ، حتى سُمّي فلان “العلامة” باستحقاقه واصبح علان “فهامة” في تخصصه بكده وفهمه وقلمه والاخر “فيلسوفا” والرابع “أديبا” ، ومنهم من تخصص في اكثر من فن وتمكن من اكثر من صنعة . وماحصل احدهم على شهادة (تخصصه) من مؤسسة، ولا لقبه العلمي (من جامعة) ، بل ها هي المؤسسات تتوسل باسمائهم لتجعلها عناوين لها ، وهاهي الجامعات تتخذ من اعمالهم مناهج ومن سيرهم بحوثا لالقاب علمية ، ولا حاجة لشواهد فكلهم كذلك تقريبا حتى عصر العقاد الذي ولد وعاش ومات في ذروة موضة الشهادات والجامعات وما انهى الابتدائية الا مُجبرا .
فلاتصدّع رؤوس الناس بقولك (أنا كمختص) لمجرد انك تحمل ختم مؤسسة علمية او درع منظمة فنية او شهادة جامعة رسمية او اهلية . فما نسبته 70% ممن تخرجوا من الجامعات والمؤسسات وممن مازالوا يشتغلون بها ككوادر لادرارتها او لتخريج طلبتها ، هم في الحقيقة عالة عليها وعلى العلم وعلينا . ولو ان قانونا (ذكيا مُبصرا) يُسنّ لوُضِع اكثرهم في السجون لانتحالهم صفة العلم ولفظائع يرتكبونها بحق الفن والعلم والادب ، وبحق العدل والدقة والاصلاح ، فهذا لايقرأ مايكتبه طلابه ولا يميّز بينهم بالفهم ، فيضع العلامات كما يشاء او يظن ، فيضيع على يديه النابغ ويخسره المجتمع ، ويتخرج على يديه المزور الراشي فيهدم المجتمع ، وذاك كل جهده انه يتكلم من كتاب ، لايزيد عليه حرفا ولا يبتكر خطابا ولايحسن من جواب . وثالثٌ جُلّ مايفعله سرقة جهود الاخرين المبدعين ، والذين -يتقاضى هو معاشا عن ذلك-وهم لايتقاضون ، ويظهر هو للناس وهم لايظهرون ، ويتحصل هو المديح وهم مغمورون . وهكذا من غرائب تلك الامور في المجتمع (المختص)!
جلسَ صديقٌ لي يكسب من اعمال حرة (ليس جامعيا) مع زميل لي (في جامعتي) “مختصٍ في حقله” في سمر الى وقت متاخر من الليل ، والصديق يتحدث ويحاجج والزميل يتهرب ويتعثر ، ويلتفت الي الصديق متعجبا ، والصديق يبتكر اراء ويسوق الاحداث براهينا ، والزميل يتمتم حائرا لايدري مايقول ،ويلتفت الي الصديق متعجبا ، ولما صرنا لوحدنا سالني مندهشا : أيعقل ان يكون هذا استاذا مختصا معكم ، فلم اجب . ولما استغرب من عدم اندهاشي ، قلت معترفا مطرقا راسي : كلهم هكذا ياصديقي الا ماندر ، وليتك تاتي وتدرس عندنا ، قال : لا والله ، لا اتشرف!.
فاليوم وقد اتيحت المصادر بضغطة زر ، وتشكلت الاراء “الكترونيا” ، وصار كل تخصص متاحا ، فاحذر من قولك هذا ، ولاتتصدر له الا اذا كنت حاذقا ماهرا متمرسا فيه متمكنا منه ، فلم يعد يكفي -لسوء حظك- انك تحمل تأييدا خطيا انك مختص . فسيظهر لك عشرات ومئات لم يصلوا جامعة ولم يلتحقوا بمؤسسة ، وسيعرّونك من ثوبك المنتحل ، وسيكشفون ماستره المركز والالقاب ، وسيحرّمون عليك معاشك الذي تتقاضاه باسم التخصص .إلا إذا صّادقتَ ماحملتَه بما عملتَه، عندها مرحبا بك (كمختص).
عصرنا هذا (وبسبب المنبر الرابع) خلَط الامور كثيرا حتى تدخّل كل غير ذي صنعة بما لايحسن ، وميّز الامور كثيرا حتى كشف كل ذي عورة في علمه وفنه وادبه . فالامران حاصلان جاريان يتسابقان مع بعضهما بدأبٍ لاينقطع ولايتوقف .
وماعاد “مختصا” الا من ابدعَ في أدبه وظهر ابداعُه ، او اخترعَ في علمه ونجح اختراعُه ، او برع في فنه وطال باعُه.
و “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏” ، “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”




الكلمات المفتاحية
أنا كمختص الحكماء والفلاسفة

الانتقال السريع

النشرة البريدية