الأحد 20 أيلول/سبتمبر 2020

ماهي القوى المتحكمة و الفاعلة لادارة الاقتصاد العالمي والدولي وأين تكمن شبكات النفوذ

الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

توصلت دراسة سويسرية فريدة من نوعها إلى أن “حوالي 147 شركة متعددة الجنسيات تتحكم في الإقتصاد العالمي بأكلمه تقريبا
، طالب عالم الاقتصاد ماورو برانزيني بـ “ضرورة إنشاء مؤسسات جديدة متعددة الجنسيات لتفادي هذا التركيز في النفوذ بين أيدي قلة قليلة وقام بحاثة المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ بتحليل النسيج الرابط بين مختلف الشركات النشيطة على المستوى العالمي. وتوصل هؤلاء الخبراء النظريون المتخصصون في تحليل الأنظمة المعقدة إلى قناعة تفيد بأن عددا صغيرا جدا من الشركات يتحكم في حوالي 40% من إجمالي مبيعات حوالي 40 ألف مؤسسة نشيطة تعمل في القارات الخمس وتشكل البنوك ثلاثة أرباع المؤسسات المتعددة الجنسيات التي تتكون منها هذه “الوحدة الضخمة”، مثلما أشار إلى ذلك الساهرون على إعداد هذه الدراسة التي تعتبر الأولى من نوعها التي تمكنت من الكشف بوضوح عن طبيعة هذا النفوذ المتشابك. وقد ورد تصنيف المصرفين السويسريين، كريدي سويس واتحاد المصارف السويسرية “يو بي إس” ضمن الشركات متعددة الجنسيات التي لها شبكات ترابط أكثر في العالم

لم تمتلك سويسرا طيلة تاريخها أي مستعمرات ولكن السويسريين كانوا ينشطون اقتصادياً بصورة تتماشى مع مصالح القوى الاستعمارية، واستفادوا كأطراف ثانوية من الاحتلال العسكري للبلاد والموارد.

وصف بعض الباحثين الأوروبيين في مجال العلوم الطبيعية أبناء الكنفدرالية السويسرية في مطلع القرن التاسع عشر بـ «أشباه البريين»، والذين يُذَكِّرون المرء بزياراته للشعوب البدائية على السواحل الوادعة”. وقد رأت أوروبا المثقفة في سويسرا أناساً لا يزالون يعيشون على طبيعتهم ـ وهي صورة غير حقيقية، اكتسبها السويسريون: إذ لم يكن النجاح ليحالف الدعاية للياغورت ولا الخطط السياحية بدون استخدام صور غريبة لبعض السويسريين، يبدون فيها كجماعة من «البريين المثاليين». وهذه الصورة الذاتية لا تزال تجد لها مكاناً في الخطاب السياسي التي ما يلبث أن يشتعل ويخمد حول خطر تحول سويسرا إلى مستعمرة داخل الاتحاد الأوروبي , وبالفعل، فإن السويسريين قلما وقفوا في تاريخهم الحديث في صف الشعوب التي وقعت ضحية للاستعمار، بل إنهم طالما وقفوا في صف القوى الاستعمارية. وصحيح أن سويسرا كدولة قومية لم تقم بحملات استعمارية، ولم تهيمن على مستعمرات، كما أن محاولات تأسيس مؤسسات اقتصادية كبرى مثل “شركة شرق الهند”، قد باءت بالفشل.

ولكن مما يدخل في إطار الاستعمار كذلك هو القناعة بأن البشر في المستعمرات هم أناس أدنى من الأوروبيين البيض. وكان هذا الفكر الذي ساد في سويسرا أيضاً جزءً من الفهم العام لهذا العالم لقد نشأت أجيال من السويسريين والسويسريات على ترداد قصص أطفال حول “الزنجي الصغير الغبي”، وتقارير حول البريين السذج والطفوليين، وصور دعائية يظهر فيها المستعمرون في أفضل الأحوال ككومبارس لتجميل بعض المنتجات الاستعمارية. وهذا الموروث الثقافي لا يزال يشغل سويسرا حتى اليوم.

جنود سويسريون في المستعمرات – إلا أن مشكلة تورط سويسرا التاريخي في الاستعمار تتخطى هذا الخلاف حول المسميات وهذا الإغراق بالصور: إذ كان هذا التورط يبدو أكثر وضوحاً حيثما كان السويسريون يحاربون كجنود في المستعمرات وحينما ثار العبيد السود في جزيرة سان دومينغ ـ تقع حالياً في دولة هايتي ـ في مطلع القرن التاسع عشر ضد نير الاستعمار الفرنسي، بعث نابليون بستمائة جندي سويسري لمواجهتهم، وهم الذين قدمتهم الحكومة السويسرية آنذاك كجند مرتزقة لفرنسا بموجب عقد. ولم تكن هذه حالة فردية. إلا أنه وحتى بعد تأسيس الدولة الكنفدرالية عام 1848 قاتل بعض السويسريين أيضاً لمصلحة قوى استعمارية، وإن كان ذلك بصورة غير قانونية. وكان دافعهم الأساسي هو الراتب الذي يتقاضاه الجندي المرتزق. فإن لم تقتلهم أمراض المناطق الحارة في الأشهر الأولى بالفعل وإن لم يضطروا لقطع خدمتهم العسكرية قبل موعدها، فإن معاشات تقاعد مجزية كانت في انتظارهم.
السويسريون وتجارة العبيد – إلا أن الأموال الطائلة القادمة من المستعمرات لم تنهل على المرتزقة، الذين طالما كانوا ينحدرون من أسر فقيرة وكانوا يرون في الخدمة العسكرية لصالح هولندا أو فرنسا مغامرة كبرى، بل كانت الثروات تتدفق نتيجة لتجارة السلع الاستعمارية، ولعمليات الإتجار بالبشر القادمين من تلك المستعمرات.
وكانت واحدة من أكثر الوقائع قتامةً والتي تورطت فيها سويسرا مع الاستعمار العالمي هي الإتجار بالعبيد:

لقد استفاد السويسريون والشركات السويسرية من العبودية كمستثمرين وتجار، ممن أرسلوا بعثات لجلب العبيد، وقاموا بشراء وبيع البشر، كما قاموا بصفتهم مالكي عبيد باستغلال المزارع اقتصادياً في المناطق الواقعة تحت الاستعمار ـ بل كانوا يطلقون عليها هي نفسها زهواً اسم «المستعمرات ولقد نجح نظام العبودية في منطقة الأطلنطي حتى القرن التاسع عشر كتجارة ثلاثية الأبعاد: إذ كانت السفن تسافر إلى السواحل الأفريقية محملةً بالسلع التي سيتم مقايضتها، حيث كان يجري مبادلة حمولتها مقابل العبيد. ومن ثمَّ كان يتم نقل هؤلاء البشر عبر المحيط. ومن هناك، كانت رحلة العودة إلى أوروبا، محملةً ببضائع أنتجها العبيد، كالسكر والقهوة وبخاصة القطن وفي سياق متصل وبحسب ما كتبه المؤرخ هانز فيسلر، الذي يتتبع تاريخ العلاقة بين سويسرا والعبودية منذ عدة عقود، فقد كانت سويسرا تقوم باستيراد القطن في القرن الثامن عشر أكثر مما كانت تفعله انجلترا. كما يؤكد كذلك أن تجارة العبيد كانت صناعة مفصلية، حيث أتاحت إنتاج الكثير من السلع. بل يُمكن القول: أنه لولا القطن الذي كان يقطفه العبيد لما أمكن لإنتاج النسيج السويسري أن يشهد ذاك التحول الصناعي , فضلاً عن ذلك فقد ثبت أن أحد فروع هذه الصناعة كان يستفيد بصورة مباشرة من تجارة العبيد: ويتعلق الأمر بمنتجي الأقمشة الهندية. حيث كانت هذه الأقمشة تنتج للسوق الأوروبية، ولكن أيضاً لتكون أحد سلع المقايضة في التجارة ثلاثية الأبعاد. بل إن الرسوم والنَقْشَات التي كانت تزينها كثيراً ما كانت مُوجّهة لتتناسب مع أذواق تجار العبيد، الذين كانوا يبادلون البضائع الفاخرة في مقابل البشر على السواحل الإفريقية.

ولقد كانت إحدى الأسر السويسرية التي تنتج هذه الأصناف من الأقمشة، تعلن عنها في دعاية تعود إلى عام 1815 بالعبارة التالية: «تلفت شركة فافر، بيتيبيير وشركاؤها عناية مموني سفن العبيد والمستعمرات إلى أنها تقوم في ورشها التي تعمل على قدم وساق، بإنتاج وتسليم جميع السلع التي يحتاج إليها سوق المقايضة مع السود، مثل الأقمشة الهندية والمناديل».

التحول إلى الاستعمار بدون عبودية – بعد تحريم تجارة العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية، انزلقت صناعة النسيج العالمية نحو أزمة في الحصول على المواد الخام: إذ أصبحت أسواق القطن في الهند مجدداً أكثر جاذبيةً. وقد قامت شركة فولكارت السويسرية التي كانت تعمل منذ 1851 من الهند وتخصّصت في تجارة القطن الخام هناك باستغلال هذه الفجوة. حيث قامت بريطانيا بالتحكم في الإنتاج: وهذا بأن أجبرت الفلاحين الهنود على إنتاج القطن بدلاً من المواد الغذائية. ومن خلال تعاونها الوثيق مع البريطانيين، سرعان ما تمكنت شركة فولكارت من الاستحواذ على عُشر جميع الصادرات الهندية من القطن إلى مصانع النسيج في كافة أرجاء أوروبا.
ويجدر الإشارة كذلك إلى شركة أخرى استطاعت تخطي الأزمة التي نشأت بسبب انتهاء العبودية، وهي إرسالية بازل، أي الجمعية التنصيرية الإنجيلية هناك. فبدعم من نفس العائلات القاطنة بكانتون بازل والتي كانت تستثمر قبل ذلك في الإتجار بالعبيد، خلصت الإرسالية إلى نموذج عمل جديد: إذ قامت بتحويل «الكفرة» في الهند إلى المسيحية. مما أدى إلى نبذ مجتمعاتهم لهم، ومن ثمَّ قامت إرسالية بازل بتوظيفهم في مصانع الغزل الخاصة بها. وقد أثنى أحد المنصرين على هذا النموذج في عام 1860 قائلاً:

«حينما يريد البعض التحول من الكفر إلى المسيحية (…)، فإننا نساعدهم في الحصول على مأوى بالقرب من مقر الإرسالية وكذلك على عمل يتكسّبون منه عيشهم، سواء كان ذلك في الزراعة أو في أية حرفة أخرى. وهذا ما يسمى بالاستعمار».

ويدخل في إطار الاستعمار استغلال القوى غير المتكافئة لتحقيق مصالح اقتصادية للمستعمرين. إلا أن الدولة السويسرية تركت البحث عن هذا المكسب في المستعمرات بصورة كاملة للمبادرات الخاصة. أما الالتماسات البرلمانية التي كانت تطالب بمزيد من دعم «الهجرة والاستعمار» من خلال الكنفدرالية، فإنها كانت تجابه بالرفض. وكانت الحكومة الفدرالية ترى أولاً، أن أية دولة لا تملك منافذ بحرية لا يمكن أن تكون لها مستعمرات؛ وثانياً، أن الكنفدرالية ستكون بذلك قد حمَّلَت نفسها مسؤولية لا تستطيع الوفاء بها ومما يثير الاهتمام، أن هذه الالتماسات قد قُدِمَت في ستينيات القرن التاسع عشر من قِبَل الديمقراطيين المتطرفين، الذين كانوا يُطالبون بإصلاحات اجتماعية، ويكافحون للحصول على المزيد من النفوذ في مجال الديمقراطية المباشرة على حساب البرجوازية المترسخة. ولقد رأى الديمقراطيون المتطرفون من مؤيّدي الاستعمار أنفسهم كممثلين عن هؤلاء الذين يرحلون عن سويسرا هرباً من الفقر والجوع وذلك لأن سياسة الهجرة التي انتهجتها سويسرا قد تغيّرت في القرن التاسع عشر: فإذا كانت النظرة إلى المستعمرات في بداية القرن قد تمثلت في كونها أماكن يمكنها استقبال البعض ممن لم يعد في الإمكان إعاشتهم، فإنها قد أصبحت تشكل قاعدة لشبكات عالمية، وذلك بصورة متزايدة: حيث كانت المستعمرات توفر مجالاً لتجارب بعض التجار الشبان وقد تمتعوا في غضون ذلك بنفس المميزات التي كان يتمتع بها رعايا تلك الدول الأوروبية الاستعمارية ـ أي أنهم كانوا مُستعمِرين بدون أن ينتموا إلى وطن إمبريالي.

وقد كان الخبير الاقتصادي الألماني أرفد إمنغهاوس قد أعرب عام 1861 عن انبهاره بهذه الاستراتيجية لـ «الصلات التجارية الممتدة» التي تمتعت بها سويسرا ورأى فيها ضرباً من السياسة التوسّعية الإمبريالية للقوى الاستعمارية و

«لم تكن هناك حاجة لأساطيل مُكلفة، ولا إلى إدارات باهظة، ولا إلى حرب أو قهر؛ إذ كان يجري الاحتلال بأكثر الطرق سلميةً وسهولةً في العالم »، على حد قوله.

ويقول ماورو برانزيني، العميد السابق لكلية الاقتصاد بجامعة سويسرا المتحدثة بالإيطالية: “إن شركة كبرى متعددة الجنسيات بإمكانها أن تملك نفوذا يفوق نفوذ رئيس دولة صغيرة أو متوسطة”.

swissinfo.ch: هذا التركيز للنفوذ بين شركات محددة هل هو سلبي في حد ذاته أم بالإمكان أن تكون له جوانب إيجابية؟

ماورو برانزيني: هناك جوانب إيجابية بدون شك. إذ تعرف الأسعار والخدمات تكلفة أقل مقارنة مع نظام يكون فيه النفوذ أقل تركيزا. ولكن هذا التركيز في النفوذ له أيضا جوانبه الخطيرة.

ما هي هذه الجوانب؟ ماورو برانزيني: أولا أنه يضعنا تحت نفوذ ورحمة بضعة أشخاص فقط. فهم عن طريق نفوذ وتـأثيرات جماعات الضغط داخل البرلمانات (ما يعرف باللوبيهات)، وعن طريق التأثير الذي بإمكانهم ممارسته مباشرة على الحكام، بإمكانهم ممارسة ضغوط على السياسيين، ومن خلالهم على المسارات الديمقراطية في المجتمع وبالإضافة إلى ذلك، وفي حالات الأزمات مثلما هو الحال في الأزمة المالية لعام 2008، قد يكشف ضعف النظام بشكل جلي. فعملية تركيز النفوذ (بين شركات محدودة العدد) قد يبدو متعارضا مع مفهوم حرية الأسواق الذي يعني ضرورة وجود عدد كبير من المنتجين والمسوقين والمشترين.

صنفت دراسة المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ كلا من “كريدي سويس” و”يو بي إس” ضمن فئة “الوحدة الضخمة”. هل يعمل تواجدهما ضمن شبكة مركزة على تقوية أو إضعاف المؤسستين المصرفيتين؟

ماورو برانزيني: ذلك يعمل على تقويتهما لأن شبكات نفوذهما تسمح للعديد من مراكز السلطة والنفوذ بالتفاعل مع اثنتين من أهم المؤسسات في العالم. وهذا ما هو إيجابي للغاية بالنسبة للمؤسستين السويسريتين. ولكن لو كان ذلك خاضعا لمزيد من القيم الأخلاقية لما كان فيه أي ضرر…

تشير الدراسة إلى عدم وجود اتفاقات سرية بالضرورة بين الشركات من أجل تحقيق هذا التركيز في النفوذ والسلطة. ما رأيكم الشخصي في ذلك؟

ماورو برانزيني: لا أومن بفكرة المؤامرة، بل كل ما هنالك هو أن الأمر يتعلق بتطور طبيعي وجد فيه القطاع المصرفي نفسه في مرحلة نمو فاقت كل الحدود. فالقطاع المالي استولى على كل شيء، وانفصل على قطاع الإنتاج الفعلي، أي عن القطاع الذي ينتج العائدات والثروة، وهذا سواء في قطاعات الزراعة، أو الصناعة أو الخدمات الأساسية.

وما هو القطاع الذي نواجه فيه بكثرة ظاهرة تركيز النفوذ؟ ماورو برانزيني: أعتقد أنه قطاع صناعة السيارات بالدرجة الأولى. في السابق، كانت تُعرف أربع شركات رئيسية، أما اليوم فلم تعد به سوى اثنتين. وفي سويسرا، نواجه مشكلة التركيز في مصانع الصلب والحديد. فقد كانت سويسرا تأوي أربعة مصانع أو خمسة في السبعينات، وهي اليوم لا تتوفر حتى على مصنع واحد. فقد تم نقل تلك النشاطات لمناطق أخرى، وربما يتركز كل هذا النشاط اليوم بين أيدي منتج واحد.

وظاهرة التركيز نعرفها أيضا في ميدان الثقافة والتعليم. فلو نأخذ على سبيل المثال جائزة نوبل للاقتصاد، فهي جائزة تقدم سنويا لشخصيات متخرجة من كبريات المعاهد في مجموعة ضيقة من الدول المختارة. أما ممثلو تيارات الأقلية فيُتركون جانبا، وأصحاب الأفكار الفريدة من نوعها والثورية يتم تجاهلهم، وهو ما يعمل على فرملة نمو وتطور الفكر الإنساني.

نفس الشيء ينطبق على الكتب الدراسية. فالجامعات الأوروبية والأمريكية واليابانية على سبيل المثال، لا تملك سوى كتابين أو ثلاثة من كتب الاقتصاد التي تتشابه فيما بينها، والتي يتم فرضها أيا كانت نوعية الطلبة.

فهل يجب الحد من الترابط والتشابك بين الأوساط الاقتصادية؟ ماورو برانزيني: من المستحيل الحد من ذلك وهذا على الأقل ما دامت هذه الشركات متعددة الجنسيات تقوم بنشاطاتها في إطار لا توجد فيه أي مؤسسة جدية قادرة على الحد من السلطة المطلقة. ولكن علينا ممارسة مزيد من الرقابة في هذا المجال.

لكن كيف؟ ماورو برانزيني: يجب خلق مؤسسات مالية جديدة على غرار مؤسسات “بريتون وودس” تكون قادرة على ضمان الاستقرار. كما نحتاج لمزيد من القواعد أو لنوع من الإجراءات مثل “رسوم توبين” التي تحمل اسم الأمريكي حامل جائزة نوبل للاقتصاد، والذي اقترح فرض رسوم على المضاربات المالية. كما علينا فرض مزيد من الرقابة على المضاربة في قطاعات مثل المواد الأولية، والطاقة أو المواد الغذائية.

ومن أجل مواجهة التصرفات ذات الطابع الاحتكاري أو التحديدي، هناك ضرورة لتأسيس محكمة شبيهة بالمحكمة الجنائية الدولية. فاللجان الوطنية لمحاربة الاحتكارات ليست لها صلاحيات إلا في إطار الحدود الوطنية، وهي بذلك ليست قادرة على التأثير في ظاهرة التركيز التي تتم على المستوى العالمي.

إن تاريخنا الإنساني مفعم بمراحل طبعتها مجموعات معينة تحولت في وقت من الأوقات إلى مجموعات ذات نفوذ مفرط. ولكنني أعتقد بأن مجتمعاتنا كان لديها ما يكفي من المضادات للتحكم في ذلك. وسنرى ما إذا كان ذلك سينطبق أيضا على الشركات متعددة الجنسيات.

شبكات النفوذ – تعتبر الدراسة التي تحمل اسم “شبكة الرقابة العالمية للشركات”، والتي تم نشر نتائجها في شهر سبتمبر 2011 في مجلة ساينس نيوز، أولى من نوعها لتحديد معالم شبكة النفوذ عبر معطيات علمية.
فقد حلل أخصائيو المعهد الفدرالي العالي المتعدد التقنيات بزيورخ، العلاقات القائمة بين مختلف المستثمرين في أكثر من 43 ألف شركة متعددة الجنسيات.

تم تحضير قائمة الشركات متعددة الجنسيات من بين عينة تحتوي على 35 مليون متعامل اقتصادي (ما بين شركات ومستثمرين) أعدها بنك المعلومات أوربس في عام 2007.

تشير التحليلات إلى أن مجموعة من 1318 شركة توجد في قلب التجارة الدولية، وتراقب حوالي 50% من عائدات كل الشركات المتعددة الجنسيات.

توجد عينة أكثر تركيزا مكونة من 247 شركة متعددة الجنسيات داخل هذه المجموعة، تشرف لوحدها على حوالي 40% من القيمة الإجمالية لكل الشركات متعددة الجنسيات.

يتصدر القائمة بنك باركلي (بريطانيا)، ومجموعة كابيطال كومباني (شركة استثمار من الولايات المتحدة الأمريكية) وشركة الاستثمار الأمريكية FMR Corporation.

يوجد مصرفان سويسريان من بين الشركات الخمسين الأولى في الترتيب الدولي. اتحاد المصارف السويسرية “يو بي إس” الذي يحتل المرتبة التاسعة، ومصرف “كريدي سويس” الذي يحتل المرتبة الرابعة عشرة. ويأتي في المرتبة الثانية عشر مصرف “دويتشي بنك”، ومصرف “غولدمان زاكس” في المرتبة الثامنة عشرة، و”مورغان ستانلي” في المرتبة 21، ومصرف “اونيكريديتو الإيطالي” في المرتبة 43، ومصرف. BNP Paribas في المرتبة 46، وشركة البتروكيماويات الصينية في المرتبة 50.

وقد أشار معدو الدراسة إلى أنه لا يمكن تأكيد ما إذا كانت هناك أية مؤامرة وراء إقامة مثل هذه البنية. لكنهم يرون أنه يجب تحليل تأثيرات هذا النظام سواء على القدرة التنافسية أو على الاستقرار المالي.

“من يتحكم بالاقتصاد العالمي؟”.. سؤال كثيراً ما يشغل بال الكثيرين، ففي الوقت الذي يؤكد فيه البعض أن اليد الطولى ما تزال للدول، يرى آخرون شركات عملاقة للغاية لها تواجد دولي بشكل يدفع للاعتقاد بهيمنة الأخيرة على الاقتصاد العالمي.العدد أم الترتيب الأعلى – فمن بين أكبر 100 “كيان” اقتصادي حول العالم، مرتبين من حيث الدخل أو الناتج المحلي في حالة الدول والعائدات في حالة الشركات، تظهر 29 دولة فحسب في القائمة، بينما تستحوذ الشركات على 71 مركزًا، وذلك وفقًا لتقرير لـ”المنتدى الاقتصادي العالمي”. وعلى الرغم من عدد المراكز الكثيرة التي تحتلها الشركات إلا أن المراكز التسعة الأولى محجوزة للدول، لتكون “وول مارت” أول الشركات ظهورًا في قائمة أقوى مائة كيان اقتصادي حول العالم، بما يعزز التساؤل حول أيهم يسبق؟ الشركات بالعدد أم الدول بالمراكز الأولى. وهنا يشير تقرير لمركز “ماكنزي” للدراسات الاقتصادية والإدارية إلى أن الفارق الرئيس بين القوتين، أن العولمة اضطرت الدول لـ”التحول” بحيث تمارس نفوذها وقوتها الاقتصادية بشكل غير مباشر، فبدلًا من الرسوم الجمركية وحصص الصادرات والواردات بل وإنتاج الحكومات للسلع، تصبح الضرائب هي أداة الدول الرئيسية لحصد الإيرادات والسيطرة على الشركات. وفي هذا الإطار يقدر المركز أن هناك 500 مليار دولار إلى نحو ترليون دولار (نحو 1% من الناتج المحلي العالمي في حالة افتراض الحد الأقصى) تفقد بسبب تمكن الشركات من التحايل على القواعد الضريبية المتعلقة بمنع الازدواج الضريبي (أي إنه لا يمكن محاسبة الشركة على نفس النشاط ضريبيًا في دولتين). وبناء على ذلك تقيم الدولة عدة مصانع في دول متفرقة لتصنيع منتجها، لتقوم بتجميعه في دولة أخرى، وتبرز ورقة تجنب الازدواج الضريبي كمهرب يجنبها التعرض للضرائب، والأزمة أنه يضعف إيرادات الحكومات.

الضرائب والتحالفات – وفي هذا الإطار تبرز المحاولة الفرنسية لفرض ضرائب على الشركات التكنولوجية العملاقة، بنسبة 3% من إيرادات الأخيرة، وفقًا لـ”فاينانشيال تايمز”، فتلك تبدو محاولة لتجنب حصول بعض الشركات على أرباح طائلة دون مشاركتها من جانب الحكومات، بما يضعف الأخيرة اقتصاديًا. وبجانب الدول المتسامحة مع فكرة الضرائب، والتي تضعف حكومات الدول الأخرى اقتصاديًا، أصبح العديد من حكومات الاتحاد الأوروبي سيئة السمعة لعرضها “صفقات تقلل من العبء الضريبي على الشركات متعددة الجنسيات إلى حد مذهل” وفقًا لتوصيف “ماكنزي”. وتحدد مجموعة أبحاث “كوربنت” في جامعة أمستردام مؤخرًا خمس دول تلعب دورًا إضافيًا مهمًا في تسهيل تجنب الضرائب: المملكة المتحدة وهولندا وسويسرا وأيرلندا وسنغافورة، وذلك بسبب تشريعاتها التي تتيح للشركات تجنب دفع الضرائب بأكثر من شكل.وتشير المجموعة إلى أنه خلال الخمسين عامًا الأخيرة فإن الشركات التي دعمت السياسيين الفائزين بالانتخابات في الولايات المتحدة، سواء حكام ولايات أو أعضاء كونجرس أو رؤساء للبلاد برمتها حققوا معدلات نمو تفوق باقي الشركات بنسبة 12-17% في المتوسط.

تقويض للدول – وهنا يجب التنبه إلى أن هذا الأمر لا يتم عادة بشكل من أشكال الفساد المباشر، ولكن بسَن البلاد مجموعة من القوانين واللوائح التي تدفع صناعة بعينها وتعطيها مزايا نسبية، ومن ذلك نمو صناعة السيارات في عهد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” بنسبة تفوق العقد الذي سبق عهده بـ14%. ولا شك أن كل ما سبق يعد تقويضًا لقوة الدولة الاقتصادية مقابل تشجيع دور الشركات، لا سيما والشاهد أن معدلات نمو الشركات الكبرى تفوق معدلات نمو الدول بشكل عام، ففي الوقت الذي تنمو فيه قطاعات مثل الدواء والتكنولوجيا بنسبة 30%، تبقى الدول المتقدمة تقليديًا بمعدلات نمو دول 3% بما يعكس قدرة الشركات على تدعيم مراكزها بشكل أسرع كثيرًا من الدول. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك ما يمكن توصيفه بـ”الردة” على العولمة بكل ما بها، من خلال ما ترصده “أوكفسام” من فرض قرابة 65 دولة، من بينها الولايات المتحدة والصين وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وتركيا، لجمارك استثنائية عكس اتجاه منظمة التجارة العالمية، بما يعني عودة ولو نسبية لدور الدولة الاقتصادي. ووفقًا لتقرير “ماكنزي” فإن الدول الناشئة هي “الأكثر ضعفًا” في مواجهة الشركات، حيث تبلغ نسبة ما تضخه استثمارات الأخيرة المباشرة فيها 40% من الناتج المحلي لتلك البلاد بما يجعل التنازل عن مثل هذا الدور أمراً شبه مستحيل، بينما لا تتعدى النسبة نفسها 12-15% في غالبية الدول المتقدمة في ظل اقتصاد محلي قوي. والفكرة هنا أن الشركات هي السبب الرئيس لنمو الدول الناشئة بشكل لافت، إذ يشير التقرير إلى أن العشرة في المائة الأنجح من الشركات هناك مسؤولة عن 43-60% من نسب النمو للدول الناشئة مما يجعلها في حاجة ماسة لتلك الشركات. ولعل الحالة الصارخة لهذا الأمر تمثلت قبل عام بالضبط لدى الإفراج عن وريث شركة “سامسونج” الكورية، رغم ما طال الأخير من اتهامات وإدانات كثيرة بالفساد، بسبب مساهمة الشركة العملاقة المساهمة بـ 20% من الناتج المحلي الإجمالي الكوري بما دعا البعض للتأكيد على أن المساس بها غير ممكن.وفي المقابل فإن بعض الدول لا تعاني من نفس المشاكل، ولعل هذا هو أحد أهم أسباب قوة الحكومة الألمانية الاقتصادية، بسبب الاعتماد في بناء الاقتصاد على شركات صغيرة ومتوسطة المدى (بنسبة تصل إلى 70%) في وقت تشكل فيه الشركات الأجنبية العاملة في البلاد نسبة لا تتعدى 4% فحسب.

مزايا أخرى – وفي هذا الإطار فإن الاشتراطات التي تضعها الدول المتقدمة، ولا سيما ما تصفها بـ”الفئة الأولى”، لقبول الاستثمارات تعكس موقفًا أقوى من الشركات، ولكن دون إهمال حقيقة أن غالبية الاستثمارات الأجنبية تنبع من تلك الدول وليس من خارجها. ولا يقتصر مفهوم القوة الاقتصادية على حجم الأعمال بطبيعة الحال، ولكن يشمل عوامل أخرى مثل ما يتمتع به الكيان الاقتصادي من مرونة وما يخضع له من قيود، ويشير تقرير لجامعة “هارفارد” إلى أن الشركات تتمتع بميزة كبيرة للغاية في مواجهة الحكومات في هذا الصدد. ففي ظل القدرة على التنقل بين مختلف الدول فضلًا عن الدمج المرن بين خطط قصيرة المدى ومتوسطة وأخرى طويلة تتمتع الشركات بميزة نسبية واضحة في مجال “المرونة” والقدرة على اتخاذ القرارات بدون قيود كثيرة. ومن مكونات القوة الاقتصادية بالفعل القدرة على اتخاذ القرارات بدون قيود كثيرة، ولا شك أن القيود التي يفرضها حملة الأسهم على مجالس الإدارة بالشركات أقل كثيرًا من تلك التي يفرضها “المصوتون” أو الشركات أو الدول الأخرى أو المؤسسات الدولية، بما يؤشر لحرية فعل كبيرة للشركات، ويعطيها ميزة نسبية جديدة. وفي المقابل تشير “هارفارد” في تقريرها إلى أن لدى الدول مكونات أخرى للقوى التي قد لا تكون اقتصادية ولكنها تنعكس على الاقتصاد، مثل القوى العسكرية، والسياسات الشعبوية، والعلاقات السياسية، التي قد تعطيها القدرة على الالتفاف في كثير من الأحيان حول قوة الشركات الكبرى. وتأكد حقيقة أن الدول لم تعد وحيدة على قمة الهرم الاقتصادي، وأصبحت الشركات الكبرى تزاحمها، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فبعض الدول قد تسبق الشركات، والعكس صحيح، وفي بعض الأحيان يتآلفون ويتنافرون في أخرى، ليبقى المؤكد أن “المستقبل للشركات” الأسرع نموًا والأكثر مرونة والأقل تعرضًا للضغوط.




الكلمات المفتاحية
الاقتصاد العالمي والدولي القوى المتحكمة شبكات النفوذ

الانتقال السريع

النشرة البريدية