الثلاثاء 29 أيلول/سبتمبر 2020

إنفجار بيروت وإنفجاراتنا ، مقارنة

الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لا شك أن إنفجار بيروت هو الأكبر على وجه الأرض وفي التاريخ وحتى خلال فترة الحربين الكونيتين ، على الأقل من سلاح تقليدي ، ولا يفوقه إلا الإنفجارات النووية ، فأمريكا تفتخر كعادتها في إنتاج أساليب الإبادة البشرية ، بإمتلاكها قنبلة (أم القنابل) ، التي تزن 10 طن ، يتم إسقاطها من قاصفات إستراتيجية من طراز (B52) السيئة الصيت ، والتي طالما أفرغت حمولتها فوق بغداد ، أم القنابل أستخدمت للتعاطي مع كهوف (تورا بورا) وهدمها في أفغانستان للنيل (أو هكذا يبدو) من المقبور أسامة بن لادن ، لكن صورها لم تكن ولو قريبة من حجم دمار إنفجار بيروت ، هذا يؤكد أن هذا الإنفجار مدبّر ، وبالمناسبة أذكّركم بيوتيوب الصحفي الأمريكي (وليم كوبر) ، وهو يتسائل بالحرف الواحد (كيف لبلد كأمريكا ، بجيوشها وأجهزتها الأمنية العديدة ووكلائها وجواسيسها ، والتي تُصرف عليها مئات المليارات من الدولارات ، وتضع تحت تصرفها تكنولوجيا معلوماتية خارقة ، أن تعجز عن العثور على أسامة بن لادن ، بينما يتمكن رجلان من وكالة (CNN) من العثور عليه وإجراء مقابلة معه ؟) ، وبعد حوالي الشهرين ، قُتل هذا الصحفي إثر شجار مُفتعل مع الشرطة رغم كونه أعزل ! ، (إقرأ مقالتي –أحداث 11 أيلول ، الوجه الآخر) .

لقي لبنان دعما وتعاطفا دوليا كبيرا يستحقه بجدارة بل يستحق أكثر من ذلك ، وإتضح أن للبنان دفاعا مدنيا أرقى من دفاعنا المدني رغم بطء عمليات البحث والإخلاء ، فحادثة واحدة في الكرادة في عام 2017، قضى مئات الشباب الموت حرقا وببطء بعدما هرعوا إلى أعلى البنايات فطاردتهم النيران للسطوح ، وسيارات الإطفاء لا تستطيع الوصول لهم بسبب ضيق شوارع الكرادة ، بينما إتضح أن الدفاع المدني في بيروت يملكون طائرات هليكوبتر لإطفاء النيران ! ، وهذا ما لا يملكه دفاعنا المدني رغم الميزانيات المرصودة ، الأجدر أن يجهّز دفاعنا المدني بأحدث الأجهزة والمعدات ، كوننا (أكثر عراقة) بكثير من لبنان من ناحية صناعة الموت والكوارث اليومية ! .

كان إنفجار لبنان كبيرا ومؤلما وأدمى قلوبنا ، لكن عراقنا قد نزف من الدماء ما يفوق آلاف أضعاف خسائر لبنان في العُدّة والعدد طيلة 17 عام من الأعوام العجاف ، ولو أن العُدّة لا تُقارَن بالعدد فالأرواح لا تُقدّر بثمن ، لكنها كانت الأرخص لدى حكومتنا على الإطلاق .

هل تتذكرون تفجير منطقة (الزنجيلي) في الموصل ؟ ، الصور من الجو تبدو وكأنها ضُرِبَتْ بقنبلة نووية ، فقد مُسِحَت مئات المنازل بالأرض، بعد أن ألغمت عمارة من 3 طوابق عن آخرها بالمتفجرات من قبل تنظيم القاعدة ، راح ضحيتها المئات ، ولم نعلم حتى الساعة ، إن كان إنفجارا تحت السيطرة ، أم إن التنظيم إرتكب هذه المجزرة ، فإن كان إنفجارا تحت سيطرة أجهزة الأمن ، فلماذا الضحايا ؟!، هل تتذكّرونإنفجار سوق الصدرية ، وغيره من الأسواق ، صحيح أنا متأكد من أن التحقيق في حادث بيروت سينتهي نهاية سائبة ، وسيكون التحقيق سجينا لأروقة منظمات التحقيق الأممية وبيروقراطيتها لسنوات ، لكن لديهم شيء من الشفافية على عكسنا تماما .

رغم عودتنا إلى إنسان الكهف بسبب غياب الخدمات الأساسية التي هي حقوق أساسية أصلا ، ترانا نموت قتلا ونحرا ، وأرصفة الشوارع إمتلأت بأشلائنا بصمت بفعل القصف العشوائي وآلاف السيارات المفخخة في بغداد وحدها ، لم يسلم اي حي أو محلّة أو سوق من إنفجار مروّع ، وتحت شتى الأسباب والذرائع ، كالحرب الأهلية ، وتنظيم القاعدة ، وداعش ، وحتى تحت عنوان المقاومة ! ، وكأننا مجرد قطيع من الأضاحي يُساق إلى المسلخ بصمت على مسمع ومرأى العالم الحر ومنظماته الأممية التي فقدنا الثقة بها منذ زمن بعيد ، لكن لم يزرنا أي سياسي رفيع عند أية نائبة من النوائب الكبيرة ، عربي أو عالمي على الأقل تحت عنوان التضامن كزيارة الرئيس الفرنسي لبيروت ، كل الذي كان يحدث ، هو الزيارات المتكررة لرؤساء أمريكا المتورطون في الجريمة ودون إشعار الحكومة (إن صح تسميتها حكومة) على متن طائرة عسكرية ، وتقتصر على تفقّد قواتهم في معسكراتهم ثم المغادرة ، وكأن البلد (وكالة من غير بواب) وهي فعلا بلا بواب على حد تعبير المثل المصري !.

علامة فارقة إيجابية أخرى ، هو الإستقالة الجماعية للحكومة اللبنانية ، وهذه الثقافة مفقودة لدينا ، لا أتحدّث هنا عن مؤامرة (تسليم ) ثلث مساحة العراق لداعش والتي لم نحصل لحد الآن عن نتائجها التحقيقية ، فحادثة (سبايكر) وحدها والتي راح ضحيتها أكثر من2000 شاب (عشرة أضعاف ضحايا تفجير بيروت) ، من خيرة الشباب الأكاديميين (لا زال العدد الحقيقي غير معروف!!) ، والذي وضع ثقته في حكومة ليست أهلا للثقة ، وكانت طريقة القتل ، ابشع بكثير من معسكرات الإعتقال ومحارق النازية ، لكن صوتنا غير مسموع ، فقد شكل الضحايا طابورا بشريا طويلا ، وهم ينتظرون الذبح والرمي في النهر واحدا تلو الآخر (لا نعرف لحد الآن مَن هم الجناة على وجه اليقين) ! ، عدا عشرات حالات الإعدام الميداني وإبادة وحدات أفراد أمنيين وجنود تقطّعت بهم السّبل في أرض المعركة ، بسبب الإهمال وغياب التنسيق والإدارة والدعم والمتابعة من قبل قادتهم ! ، عدا حوادث أخرى كثيرة ، كحادثة سجن بادوش والصقلاوية وغيرها كثير ، وبدلا من أن يكون هذا وحدة كافيا لسوق رؤسائهم وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة فما دون إلى أقفاص الإتهام ، لم يقدّموا أصلا مجرد إستقالة كنظرائهم اللبنانيين ! .

عدا جرائم إبادة الأقليات كالأقلية الأيزيدية وهدم منازلهم ، وصمة عار بوجه العالم الذي يسمونه حرا ، وإنقراض الطائفة المسيحية لدينا للأسف الجديد ، ونمو الفساد كالسرطان الذي صار نهجا وثقافة ، أصاب الجميع من أصغر موظف إلى أعلى موظف ، كل ذلك ولا شيء سوى الصمت ، محليا ودوليا ، لا أحد يسمعنا ولا أحد يتدخّل ، مع غياب تام لإرادة التغير والإصلاح ، فلم يكن أمام الشباب إلا القيام بإنتفاضة تشرين ، إنتفاضة مؤدبة سلمية يقودها نشطاء على درجة عالية من الثقافة والمواطنة ، فانبرت لهم الدولة قتلا وخطفا وتعذيبا وإغتيالا وحرقا ، وتشويها إعلاميا للسمعات ، لكن الصمت لا زال مخيما أيضا ، عدا الإكتفاء ببعض التصريحات الخجولة هنا وهناك ، حقيقة أنا معجب بالشعب اللبناني من ناحية ردة فعله على هذا الحادث ، فلم يعد الصراخ من اليأس والألم ينفع مهما علا كحالنا ، ولم يجدوا آذانا صاغية ، فلم يملكوا إلا إستخدم مفردات شديدة ، وكلمات دارجة سوقية للغاية ، من سباب ولعن وتقريع شديد وتشهير ، فأتت أكُلَها هناك بإستقالات جماعية للحكومة ، إذ يبدو أن الطبقة الحاكمة هناك لا تفهم لغة الصحافة المعارضة المؤدبة لدينا ، على الأقل لحد الآن !.




الكلمات المفتاحية
‏‫‬إنفجار بيروت إنفجاراتنا مقارنة

الانتقال السريع

النشرة البريدية