الأحد 20 أيلول/سبتمبر 2020

عندي مرضٌ جميلٌ اسمه الحنين الدائم لبيروت

الاثنين 10 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

     “عندي مرضٌ جميلٌ اسمه الحنين الدائم لبيروت” 

     ” وفي دمشق يغنّي المسافر في سرّه لا أعود من الشّام حيّا ولا ميتاً ، بل سحاباً  “

اثنا عشر عاماً على غياب درويش …..

ماذا لو كُنت حاضراً بيننا اليوم يا محمود ؟ بماذا سترثي دموع بيروت و حرقة قلب دمشق و صنعاء و بغداد و طرابلس  ؟ و أيّ كلمات ستنسّق لتجعل منها حجارةً تلثم جباه الفاسدين و الخونة ، علّ ضمائرهم تستفيق من سباتٍ طالت سنواته .

كُنتُ في الثالثة عشر من عمري عندما رأيتك المرة الأولى و الأخيرة في دمشق ، في حفل تأبين ممدوح عدوان 30/1/2005

تعتلي خشبة مسرح دار الأسد للثقافة و الفنون ، يصدح صوتك الرخيم ملء جدران المبنى ، تُخيف كلماتك قلوب المثقّفين و السياسيين الحاضرين ، كعادَتِها .

رفضتَ أن تعترف بالحرف الخامس من اسمك و اسم ممدوح ، جاعلاً من حرف الميم في اسميكما قطعة غيار قد تحتاجا إليها أثناء السير على الطرقات الوعرة . 

قُلتَ لممدوح : ” في عام واحد وُلدنا ، مع فارِق طفيف في الساعات و في الجهات ، وُلدنا لكي نتدرب على اللّعب البريء بالكلمات ، ولم نكترث للموت الذي تدقّه النساء الجميلات كحبّة جوز بكعوب أحذيتهنّ العارية “.

سألتُ أمّي : من هذا ؟! 

قالت : محمود درويش .

بعد خمسة عشر عاماً من هذا اليوم تحوّلتُ فيها من طفلةٍ سمعت صراخك الثوريّ  فخافت ، إلى صبيّة سوريّة تدقّ أبواب موسكو ، تحاول أن تجد دفئاً بيّن ركام الثّلج ، في الوقت الذي أصبحت فيه  بلادي أبرد من شوارع الأسكيمو على أولادها . 

منذُ التاسع من أغسطس 2008 مازلنا نعاني بفقدان صرخاتك الحرّة ، رُبّما قُدّر لنا أن لا نحظى بشاعرٍ مثلك أبداً ، و أن لا تحتضن أوجاعنا إلّا كلماتك ، فليست كلّ الكلمات كلماتٌ يا محمود درويش . 

الآن نعي تماماً أيّ شاعرٍ خسرنا ، كُنت مسؤولاً عن قضيتنا ، نحنُ الضائعون بين أوراق اللعب بأيدي السياسيين و الحكّام الفاسدين في بلادنا …

ألم يقُل رسول حمزاتوف : ” نحنُ الشعراء مسؤولون عن العالم كلّه “

ألم يقُل غارسيا لوركا : ” آه يا لها من أحزان عميقة لا يمكن تجنّبها ، تلك الأصوات المتوجّعة التي يغنّيها الشّعراء”.

على بُعد 9 كيلومترات من عكا في قرية البروة تفتّحت عينيّ درويش ، تزامناً مع تفتّح زهر اللوز و الزيتون على سفوح جبال فلسطين ، بيوم ربيعيّ مشمس عام 1941 ، ليكون هذا إشارة من السماء على ولادة شاعر الثورة و الوطن . 

محمود الذي لم يكُن ليشبه غيره بشيء ، فريداً كان بكلّ شيء ، مختلفاً كجهارة صوته واضحاً للجميع ، محمود الذي عشق الرّسم وحلم باللوحات و الألوان و المراسم ، إلّا أنّه تخلّى عن حلمه البريء هذا رأفة بأبيه الفلاح الفقير الذي لم يستطع شراء دفتر الرسم ، فقرر أن يرسم أحلامه و آلامه بالكلمات و ينحت بصوته ضمائر العرب ، فالشعر لا يحتاج ألواناً و ألواح .

ما إن أصبح عمر الطفل ست سنوات حتى لجأ مع عائلته الى لبنان عام 1948 هرباً من غدر الصهاينة ، لم يرِق له ملجأاً غير بلاده فقرر العودة خفية مع أسرته عام 1949 ليجد قريته قرية أخرى بأبنية أُخرى و اسم آخر جديد ( موشاف ) القرية الاسرائيلية ، فعاشوا لاجئين في بلادهم بقرية مجاورة اسمها ( دير الأسد ) تحت مسمى ( الحاضرون الغائبون ) . تفوّق في دراسته فأحبّ القراءة و كتب الشعر باكراً حتى أكمل الثانوية العامة فلم يكمل تعليمه الجامعي ، وعمل في الصحف و المجلّات في حيفا ابتداءاً من (جريدة الاتحاد ) حيث كان آنذاك تحت الاقامة الجبرية في حيفا لعشر سنوات . عمل في صحافة الحزب الشيوعي الاسرائيلي و أصبح رئيس تحرير الجريدة ، قال مراراً : مايعني القارئ في سيرتي مكتوب في أشعاري . 

عام 1970 كانت موسكو وجهته التي لم تدم أكثر من سنة ، و أول رحلة له خارج فلسطين نحو العالم الخارجي ، فردوس الفقراء التي هي موسكو لم يجدها درويش أبداً جنة للفقراء ، فاتجه نحو القاهرة التي كانت له حلماً يصعب تصديقه فكان كل صباح يفتح نافذته و يراقب النيل ليتأكد من حقيقة الموقف . تعمّقت علاقاته الأدبيّة مع أبناء الثقافة المصريّة في جوهرة الشرق ، وكثرت لقاءاته مع صلاح عبد الصبور و أمل دنقل و أحمد حجازي و محمد عبد الوهاب و عبد الحليم حافظ و غيرهم ، وساعده محمد حسنين هيكل بالوظيفة في نادي كتّاب الأهرام الذي لم يكن ليكتب فيه إلّا أكبر الكتّاب في الوطن العربي آنذاك . فكان مكتبه في الطابق السادس بجوار مكاتب نجيب محفوظ و يوسف ادريس و توفيق الحكيم ، و من أجمل قصائده التي كتبها في القاهرة ( سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا ) ونشرها في صحيفة الأهرام . ثمّ انتقل الى بيروت 1973 حتى 1982 ، فكانت ورشة أفكاره و مختبراً لتيارات أدبية و فكرية و سياسية ، متصارعة و متعايشة في وقت واحد ، حتى اندلعت الحرب الأهلية في لبنان فغدا الموت و القتلُ سيّد  شوارعها التي تعكّرت بالدم ، وفقد صديقه غسان كنفاني فيها ، حتى حصلت الكارثة الكبرى مجزرة صبراً و شاتيلا ، فتيقّن وقتها أنّ بقاءه في بيروت ضربٌ من الطيش ، وتوجّه إلى دمشق ليحيي أمسية على مدرّج جامعة دمشق التي لم يتسع مدرجها للحاضرين ، فاضطرت الجهة المنظمة إلى نقل الحضور إلى مدرّج الأسد في باصات النقل العام و العسكريّ ، وهتف الشاعر ( الجنديّ) وقتها عبارته التي بقي محمود يتفاخر بها دائماً :

” والله لو قتلناه – نحن الشّعراء – و شرحنا أسبابنا للقاضي سنأخذ براءة ” .

ومن دمشق إلى تونس حيث رأى محمود رئيس بلاده ياسر عرفات يقيم في منتجع هناك ، فكانت أقوى الضربات على رأسه ، و وصف ذلك قائلاً : ” رأيتُ الثورة الفلسطينية تقيم في فندق على شاطئ البحر ” ، فذهب إلى قبرص و أصدر مجلّة ( الكرمل ) ، و انتقل إلى باريس ليعمل في تحرير (الكرمل ) من هناك و يطبعها في ( نيقوسيا ) بمساعدة الشّاعر سليم بركات .

عشر سنوات أقامها درويش في باريس يصفها بمحطة من حياته و يرفض أن يسميها مسكناً ، لكنّه لم ينكر أبداً أنّ ولادته الشعريّة كانت تحت سماء مدينة النور ، هناك كتب ديوان ( ورد أقل ) و ديوان (هي أغنية ) و ( أحد عشر كوكباً ) و ( أرى ما أريد ) و ( لماذا تركت الحصان وحيداً ) ، وفي باريس كتب نصّ إعلان الدولة الفلسطينية و مقالات أسبوعية في مجلة اليوم السّابع ، وبعد عشر سنوات في باريس خطى درويش الخطوة الأجرأ في حياته بعد خطوة الخروج من فلسطين ، فعاد إلى عمَان نهاية 1995 ، لقربها من فلسطين ، و أصبح يتنقل بينها وبين رام الله ، كتب هناك الجدارية ، حالة حصار ، لا تعتذر عمّا فعلت ، كزهر اللوز أو أبعد ، في حضرة الغياب ، أثر الفراشة .

بمثل هذا اليوم منذ اثني عشرعاماً في 9 أغسطس 2008 توفي محمود درويش شاعر القضية الفلسطينية و الوطن العربيّ في الولايات المتحدة الأمريكيّة بعد عملية قلب مفتوح أدخلته في غيبوبة لم يفق منها. 

نعته فلسطين و رئيسها عباس و نعاه العالم العربي بأكمله ، دُفن في قصّر رام الله الثقافي بعد أن شارك في وداعه الآلاف من الفلسطينيين و العرب . 

” سيبقى رنين قصيدتكّ يدقّ أجراس الكنائس في بيت لحم و رام الله ، و يربّت على أكتاف السوريين في شارع الحميدية وفي ساحة الجامع الأمويّ ، ستبقى أشعارك رايةً يحملها اليمنيون على ظهر جبل ظفّار ، و ترتيلةً يُنشدها اللبنانيون أمام صخرة الحمام في بيروت و في حقول الموز في دامور ، علّها تحمل لهم غصن سلامٍ أخضر طال انتظاره ” . 

* كاتبة من سورية /  موسكو




الانتقال السريع

النشرة البريدية