الخميس 24 أيلول/سبتمبر 2020

إقتصاديات الحفاظ ومجالات خلق القيمة المادية من القيمة الإدراكية المحسوسة

السبت 08 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

في البدء لابد من الإعتراف بأن لغة الإقتصاد قد أصبحت من المفاهيم الأساسية الحاكمة التي تخترق حياتنا اليومية في كافة الأنشطة والتعاملات, ويعد مفهوم إقتصاديات الحفاظ واحداً من أهم تلك المفاهيم الجديدة التي برزت الى الساحة العلمية وأصبحت متداولة بين الأوساط العلمية, إذ يتدخل الإقتصاد وفقاً لهذا المفهوم في تحديد أولويات ما نحافظ عليه وهنا أعني تحديداً المباني والشواخص والآثار التي تتمتع بقيمة تأريخية حقبوية او حتى رمزية إعتبارية او عقائدية, فلو أفترضنا وجود مبنى او معلم او شاخص تعرض نتيجة لظروف معينة الى الإندثار او التصدع او التقادم….الخ لاشك ان ذلك يستدعي تدخلاً لإعادته الى حالته الطبيعية, هنا يأتي الدور في رسم مقايسة بين حجم الاموال المطلوبة لهذه العملية (الإنفاق) والعائد المتوقع بعبارة اخرى هل ان ما تتطلبه عملية إعادة إنتاج المعلم او الشاخص من أموال تخلق عوائد مستدامة اكبر او مساوية لحجم الإنفاق المطلوب؟ وهنا نقصد بالتأكيد العائد المحسوس المولد للعائد المادي الملموس.

أن وسائل القياس الاقتصادي التقليدية لا تمكننا من الوصول الى نتائج لأنها غير قادرة على التعامل مع المصادر غير المادية التي تمثل بعداً رئيس في مسألة التعامل مع الحفاظ على المباني والمعالم الآثارية والتراثية لذ لابد من توافر وسائل اخرى مساعدة تمكن من إدراك العوائد, ونحن كاقتصاديون او مخططون او معماريون ان تمكنا من خلق قيمة مادية من القيمة الحسية فأننا نقفز بمسائل الحفاظ والإهتمام بالمشيدات التراثية او التأريخية نفسها كأسلوب الى إدراك القيم المرافقة لعملية الحفاظ (المادية).
لكن السؤال هنا كيف يمكن خلق قيمة حسابية ومادية عن قيمة حسية جامدة ؟ الجواب ببساطة شديدة هو اننا نتمكن من ذلك بعد خلق قيمة إفتراضية روحية في داخل الحس الإنساني ترتبط بهذا المعلم او ذاك تدفعه الى تحويل هذا الإدراك او الاحساس نحو الاستعداد بالتخلي عن جزء من دخله في سبيل زيارة او مشاهدة هذه المعالم التأريخية لتفريغ شحنة الاحساس والتعلق المختلقة في داخله, ويمثل هذا الإنفاق القيمة المادية المتولدة عن القيمة الحسية او الإدراكية جزء من المردود المستخدم في تمويل إعادة بناء او ترميم او الحفاظ على المعالم او المشيدات التراثية او التأريخية .
ربما تسويق الأمثلة في توصيف اي فكرة يمثل جانباً مهماً في تقريب الصورة وسنحاول العمل بذلك من خلال ضرب مثال واقعي محلي بسيط كي تتضح الفكرة اكثر لدى المتلقي, تمثل المدن المقدسة مثالا واضحاً في هذا المجال فأن القيمة الروحية في داخل الحس الانساني لزوارها يدفعهم الى الاستعداد لإنفاق جزء من مدخولاتهم لملء الفراغ المتولد عن القيمة الحسية المغروسة في داخلهم, والكثير منا يشاهد حجم الاموال في داخل شبابيك الاضرحة المقدسة او يقوم هو نفسه بذلك, لماذا يقوم الزوار برمي هذه النقود في داخل هذه الاضرحة هل هو ترف ام تبطر؟ الجواب كلا اطلاقاً بدليل ان البعض منهم فقراء الى حداً ما وان الدافع لهم في ذلك هو اعتقادهم بأن هذه الاموال قد يذهب جزء منها في عمليات الحفاظ والترميم والتطوير التي تجري على هذه الاضرحة وان احد عوامل استدامة هذه العلاقة او القيمة الحسية بين الانسان والمكان تتطلب منه التنازل عن جزء من دخله لها, وبهذا فأن خلق القيمة المادية من القيمة الحسية او الادراكية متأتية من القدرة اعلاء الثانية داخل النفس الانسانية وبالتالي فأن هذه الاموال تمثل مصدرا من مصادر التمويل لعمليات الحفاظ على المباني والاماكن التراثية والتأريخية فما بالك لو تمكنا من رفع القيمة الحسية والإدراكية في داخل النفس الانسانية نحو باقي الاماكن وبهذا الاسلوب, وهنا نتمكن من تحديد القيم المصاحبة لعمليات الحفاظ على المعالم الآثرية والتأريخية الذي يمكن ان تقرر مدى الحاجة لها بأسلوب اقتصادي.




الكلمات المفتاحية
إقتصاديات الحفاظ القيمة الإدراكية المحسوسة

الانتقال السريع

النشرة البريدية