الجمعة 2 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

العقل السياسي العراق بحاجة للتخلي عن بعض منطلقاته الأساسية

عبر التاريخ المعاصر للدولة العراقية تلوث العقل السياسي بعدوانية ومغالطات الايديولوجيات والطروحات العشوائية الغوغائية ، والمؤسف دائما ماتغيب الحكمة عن العقل العراقي فهو ، لا يستفيد من التاريخ ، ولايراكم الخبرات ، والسبب لأن الفكر السياسي الأيديولوجي السائد في العراق مبتلى بمرض الجمود ( وعبادة الشعارات والأفكار ) ولايتفاعل مع الواقع المتحرك ومتطلباته ، ويتجاهل مصالح البلد والناس ، طبعا هذا المرض كان قبل دخول العراق مرحلة الموت وحلول الفساد والإجرام والعمالة والتدمير الشامل الحالي !

ينطلق العقل السياسي العراقي من منطلقات يسلم بها تسليما وكأنها بديهيات ، في حين ان الواقع السياسي متحرك ومتغير وهو خاضع للنسبية والتجريب ، ويفترض بحركة الوعي أن تتبع له وليس محاولة قولبته بقوالب جامدة والتشبث بمنطلقات ثبت فشلها بالتجربة لكننا لازلنا متمسكين بها دون جدوى ومن هذا المنطلقات الخاطئة:

– أوهام قدرة العراقيين على إدارة شؤونهم :

ثبت بالتجربة منذ تأسيس الدولة عام 1921 ولغاية الآن فشل العراقيين الذريع في إدارة شؤونهم بأنفسهم ، فقد سادت الفوضى والإضطرابات والإنقلابات والحروب حياتنا السياسية ، وأُهدرت ثروات البلد ، وتأخرنا في الصناعة والزراعة والتعليم وغيرها من المقومات الاساسية للدولة ، بل أكثر من هذا فشلنا خلال عمر الدولة في أبسط المهمات وهي حفر المجاري في المدن ، وإيجاد نظام للبلديات يساعد في رفع ( الزبالة ) عن الشوارع ، فأي فشل كارثي هذا وقع على أيدي العراقيين الذين حكموا بلدهم خلال 99 عاما .. فقد تعاملوا مع التجربة الحزبية ، والسلطة ، والدولة بعقل غريزي بدائي فردي يسعى لإفتراس الغنائم ، وغاب عنه الشعور بالمسؤولية نحو الجماعة وكانت المشاعر الوطنية : اما ضعيفة أو معدومة !

المنطلق الخاطيء الآخر للعقل السياسي هو :

– أوهام المطالبة بالديمقراطية :

وهذه كارثة ، لو جئنا بأشد أعداء العراق لما تمنى أسوأ من هذه الورطة للبلد ونعني بها ورطة الديمقراطية وفتح المجالات للحياة الحزبية وإجراء الإنتخابات وتشكيل برلمان وسلطة … فنحن في العراق وجميع الشعوب العربية ، لاتتوفر لدينا البنية النفسية والعقلية والحضارة لتطبيق الديمقراطية ، فعلى الصعيد الفردي والجماعي لايوجد في حياتنا مبدأ ( إحترام حق الإختلاف ) بإعتباره حقا بديهيا للبشر ، لأننا في الاصل يغيب عنا الإيمان ( بوجود الفروق الفردية ) ، لذا نحن نبحث عن التطابق وليس التنوع ، وعلاقتنا الإجتماعية تجري على تراتبية حيث يغيب عنها مبدأ المساواة وتقوم على أساس الراعي والقطيع ، مجتمع يقوم على القهر بكل أنواعه من قبل المؤسسة الدينية والعشائر وسلطة القوى الإجتماعية وسطوة الموروث الخاطيء للتقاليد والأعراف والأفكار … والأخطر من هذا غياب الشعور بالمسؤولية ومشاعر الإنتماء الوطني الحقيقي لدى (غالبية ) العراقيين ونزوعهم للفوضى وتدمير الذات .. ومن الطبيعي ان هذا الواقع مضاد تماما للديمقراطية التي حولها العراقيون مؤخرا الى وباء قاتل إجتاح بواسطتها اللصوص والمجرمون والعملاء ميدان السياسة وصنع القرار ، ونفس كارثة فشل الديمقراطية حصلت في : لبنان ومصر وليبيا والكويت وتونس على الطريق ، ليس كل شيء منطقي ومفيد يصلح للعراق والبلدان العربية ، فالزهور الجميلة لا تستطيع العيش في الصحراء!

اما هكذا خراب .. لايصح أبداً ان يتجاهل العقل السياسي العراقي معطيات تجربة الواقع ، ويبقى متمسكاً بأوهامه وخيالاته وأمنياته .. وبهذه المناسبة كم نحن الآن بحاجة الى حكمة المرحوم الشيخ زايد عندما شعر بالضعف وغياب الطاقم المحلي الكفؤ القادر على إدارة الدولة … فما كان منه إلا ان تخلى عن الكبرياء وشعارات السيادة والإستقلال وإستعان ببريطانيا وأميركا ونجح في بناء أفضل نظام سياسي ودولة مزدهرة في الوطن العربي : دولة الامارات الجميلة.

لقد ذهبت حضارات : سومر وبابل واشور، والعنتريات الفارغة لاتنفع ، لسنا الأفضل بين البشر … ونحن أبناء هذا اليوم الذي يعتبر فيه العراق دولة فاشلة بمعنى الكلمة .. دولة لا تستطيع توفير رواتب الموظفين ، وتوفير الكهرباء ، ولاحتى تنظيف المدن من الزبالة ، دولة الميليشيات والقتل وسرقة المال العام وجلعها ضعفها ألعوبة بيد إيران التي أدخلت لنا الخراب الشامل … وقد حان الوقت لتغيير منطلقات العقل السياسي على ضوء هذا الواقع المفجع !

صفحة 1 من إجمالي 2

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...