السبت 26 أيلول/سبتمبر 2020

محنة الكاظمي

الاثنين 27 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

هل توهم السيد مصطفى الكاظمي بنصوص المفاهيم السياسية التقليدي بأن السلطة تمنح القوة لمن يقف على رأسها ؟ وإذا كان الجواب نعم، يكون قد ابتعد كثيرا عن الواقعية السياسية بقواعدها العراقية الشاذة وأزمتها التاريخية في ضياع هوية السلطة في مفازات الدولة _اللادولة التي تكرست بعد عام 2003 !
      دون مغالات فأن السلطة في العراق تركبت بموجب القوة بعناوينها المادية قدمها المحتل الأمريكي، أما الجانب المعنوي فيأتي بدعم مرجعية النجف الارشادية، حتى استقرت في وقت المالكي بدورتين مسندتين بتوافق امريكي _ ايراني، وكارتلات مالية وسياسية داخلية وأخرى طفيلية نمت واكتسبت قوة فاعلة بالمال والنفوذ والارتباطات الخارجية، جميع هذه القوى ومراكزها كان نصفها في الغاطس مع الدولة العميقة، ونصفها الآخر كان يسير الى جانب بعضها في كردوس لا يتقاطع مع الحكومة إلا في مفاصل معينة، سرعان ما تعالج بصفقات وأوامر خارجية .
    المرحلة اللاحقة أي بعد 2014 ونتائجها الصريحة بفشل ذريع وفجائعي للتجربة السياسية في العراق الجديد ، اختلفت الأمور وصارت تتشكل مراكز قوة إضافية من حركات وتنظيمات سياسية وعقائدية راديكالية ومتطرفة ومتشددة بتمسكها العقائدي الذي حل محل المواطنية، هذه القوى ساهمت بتأصيل  الدولة العميقة وتعظيم فاعليتها ماجعلها متحكمة بإيقاع الحدث الداخلي أمنيا، ومتغولة في اركان ومفاصل ومؤسسات الدولة من الناحية المالية والادارية .
         لايمكن النفوذ لرئاسة الحكومة أو أي موقع ومفصل حكومي دون ختم الموافقة من قبل تلك القوى وشروطها، الأمر الذي جعل مجلس الوزراء واجهة سياسية رسمية بطابع شكلي صوري محدد بأدوار وصلاحيات تقليدية لأي حكومة، لكنها لا تتقرب مما هو عميق ويعني بالأمن القومي أو ثوابت العلاقة مع دول الجوار وكل مايدخل باختصاص الدولة العميقة .
        شخصية مثل مصطفى الكاظمي الذي شغل منصب أمني ومعلوماتي رفيع في الحكومة رئيس المخابرات العراقية لمدة خمس سنوات، تجعله يملك أنوارا فيضية لمشاهدة ومعرفة ماتقدم برؤية أعمق واستطلاع تفصيلي .
   السؤال هنا .. ماذا يملك الكاظمي من قوة وعلى من يراهن ؟ الجمهور بغالبيته العظمى يتظاهر لانهيار الكهرباء مع تفاقم مظاهر الفقر والبطالة والفساد وفقدان الأمن وغيرها من الأزمات الوجودية الخانقة، الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة ومافيات المال وعصابات الجريمة المنظمة تقف بعدائية معلنة وصريحة ضد منهجية الكاظمي في مكافحة الفوضى والفساد واستعادة هيبة الدولة كما يكررها برغبة وطنية ليس لها صدى عند بقية اصحاب القرار ، وهكذا أصبح بين قوتين للضغط والتأثير،  واعني بين الدولة الضعيفة المهشمة واللادولة صاحبة النفوذ والسلاح والدعم الخارجي أيضا .
     لعل الأزمة المالية وافلاس الدولة يشكل العائق الأبرز اضافة لوباءكورونا 19، بوجود طبقة سياسية نصفها معارض والنصف الآخر موارب أو مبتز ، وتراكمات خراب عمره 17 عاما أسقط جميع مؤسسات وهيئات الدولة بالفساد المالي والاداري .
   ليس بوسع الكاظمي الاجابة عمليا على تلك الأسلئة سوى بكلام التهديد والتهدئة بالوعود، وللوعود مدى زمني ثم تفقد صلاحيتها، خصوصا مايتعلق بسؤال الأمن الداخلي والتحديات التي تمثلها الفصائل المناوئة له، في ظل وضع عراقي ملتبس ومتداخل ومحكومة بمراكز قوى متعددة ،يصبح التفكير بقوة السلطة المطلقة والفاعلة لرئيس الوزراء ضربا من الوهم مع افتقاده لعوامل القوة .
 يبدو لي أن السيد مصطفى الكاظمي يعاني امتحانا صعبا ومكابرة مصحوبة بالتحرك وفق رؤية ارضائية _شخصية ومواقف وسطية تنأى عن التصادم، حتى يتمكن من استدراج مكامن القوة المعارضة لصالحه، ويلقى من الدعم المادي والشعبي (الذي صار يتناقص) مايؤهله لاسترداد قوة السلطة والقيام بتنفيذ بعض مفردات المنهج الاصلاحي المعلن لحكومته، إذن لاسبيل لحكومة قوية فاعلة دون مصادر قوة ودعم يتفوق بها على اللادولة التي تتحكم بنصف المشهد العراقي أو أكثر  !؟




الانتقال السريع

النشرة البريدية