الأربعاء 21 نيسان/أبريل 2021

بالحبر الأبيض ـ سيرةٌ صحفيّةٌ ـ (١٤) / داخل (الأوقات)، وخارجها !

السبت 25 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

التقيتُ الخارج من السجن، يومها، الناقد بشير حاجم ظهيرة يومٍ قائظٍ هو يوم السبت الموافق ٢٠٠٣/٦/١٤ م. في شارع السعدون، قرب عمارة زكريا بعد خمس سنوات على فراقه.
لم أستطع زيارته في سجّنه.
قال لي : لقد حكم عليَّ بالسجّن في سجن أبي غريب لمدة اثني عشر عاماً بتهمة التظاهر في صلاة الجمعة بعد إغتيال السيد محمد الصدر( ١٩٤٣ ـ ١٩٩٩م) في ١٩٩٩/٢/١٩ م بثلاثة أسابيع، إذ شاركتُ في تظاهرةٍ في مدينة الشعلة غربي بغداد ، ولم أستطع إنكار التهمة لأنَّ تسجيلاً فيديوا كاملاً قد صوّر التظاهرة.
يضيف : تعرضت للتعذيب، ثمَّ حُكم عليَّ بالسجن اثني عشر عاماً، كما حُكم على زميلي القاص، والكاتب حميد المختار بالسجن ست سنوات في الوقت نفسه ، لكنَّي وضعت في سجن الأحكام الخاصة الذي يُسجن فيه ذوو الأحكام التي غالباً ما تكون سياسيّةً، ولكن لا يشملهم أيّ عفوٍ !
تابع : حاولتُ في السجن أن أدير، وحميد المختار نشاطاً ثقافياً يتعلّق بتنظيم مكتبة، ولم تكن الأمور تخلو من مشكلات إلى درجة أني عوقبت داخل السجن بإيداعي في المحجر (الحبس الإنفرادي) !
أضاف : صدر عفوٌ عامٌ عن المسجونين في شهر تشرين الثاني من عام ٢٠٠٢ م لكنَّه لم يشملني ، كذلك لم يشمل مَنْ كان معي في قسم الأحكام الخاصة، وكان عددنا خمسةً، وعشرين سجيناً.
سأتحدّث قليلاً عن قضاء أبي غريب الذي يقع فيه أشهر سجون الرعب، وقد ألّفت أعمالٌ أدبية، وثائقية كان مكانها السجن منها رواية (عين الدود) للروائي ( نصيف فلك) الصادرة عن دار الجمل /٢٠١٠م، ولا أنسى المشهد البشع في الرواية ، حين يكتشف السجناء أنَّ اللحوم الغريبة التي تقدّم لهم في وجبات الطعام هي لحوم أصدقائهم المفقودين، وأنهم تحوّلوا إلى أكلة لحوم البشر! ،كذلك الكتاب السردي (ليالي أبو غريب) لمؤلفه الكاتب (سامي الساعدي)( مؤسسة الورّاقين/ الطبعة الثانية ٢٠١١ م) الذي يتحدث عن عذاباته طوال أحد عشر عاماً قضاها في السجن. وكتاب ( الهروب إلى الحرية) (١٩٩٩ م) للدكتور حسين الشهرستاني الذي يتحدث عن معاناته في سجن أبي غريب على مدى عشر سنوات من اعتقاله سنة ١٩٨١م، وحتّى الحكم عليه بالإعدام، ثمَّ خُفّف إلى المؤبد، وظل في السجن حتى سنة ١٩٩١ م إذ نجح في الفرار إلى إيران ثمَّ إلى كندا، بل أنّ الباحث عدنان حسين أحمد قدّم دراسة نقدية عنوانها ( أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق (١٩٦٣ م ـ ٢٠٠٣م) صدر عن دار الحكمة ببغداد سنة ٢٠١٤ م.
وأبو غرَيب قضاء يقع غرب بغداد، ويبعد عنها ٣٢ كم، شرقي مدينة الفلوجة، وتعدُّ ٨٠ في المئة من مساحته أراضي زراعية تقطنه عشائر زوبع والشعار، والهيتاويين ، والجبور ، والمسارة، والدليم (البو علوان والكرابلة، والمحامدة) ، وبني تميم ، وبعض العشائر الأخرى .
كان القضاء تابعاً إلى محافظة الأنبار إلا أنه صار تابعاً لمحافظة بغداد عام ١٩٩٠ م . وتوجد شمال هذا القضاء كلّيّتان لجامعة بغداد هما كلّيّتا الزراعة، والطب البيطري لأنَّ الموقع يساعد على الدراسة فيه لكثرة المناطق الزراعية، وتربية المواشي.
لكنَّ شهرة هذا القضاء اكتسبها من شهرة أكبر سجون العراق الا وهو سجن أبي غريب الذي يسمى حالياً بـ(سجن بغداد المركزي)، ويقع قرب مدينة أبو غريب .
أنشأت السجن عام ١٩٥٠ م شركةٌ بريطانيةٌ متخصّصةٌ بالسجون، ويقع على مساحة ثماني دونمات، وتحيط به ثلاثة أسوار، واستحدثت ثلاثةٌ أخرى بعد سنة ٢٠٠٣ م .
أستخُدم، لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق المدانين بتهمٍ جنائيةٍ مختلفةٍ، فضلاً عن القضايا السياسيّة، ويضم ستة أقسام هي : القسم الثقيل للأحكام المؤبدة، وقسم النساء، وقسم الأحداث، وقسم القضايا السياسيّة، وقسم المخدّرات، والقسم الخفيف، فضلاً عن قسم الإعدامات، الذي كان يتألّف عند إنشائه من مقصلة إعدامٍ واحدةٍ، ثمَّ أصبحت خمساً، ثم زادت إلى تسعٍ بعد سقوط بغداد !
في عام ٢٠٠٣ م أصبح السجن تحت إدارة الأمريكان، وبعد ظهور “فضيحة أبي غريب”، وعرض صور تبين طرق تعذيب الجنود الأمريكيين للسجناء، وإذلالهم، جرت محاكمة أحد عشر جنديا أمريكيا متورّطاً بالفضيحة، مما أدّى إلى إغلاق السجن في تشرين الأول عام ٢٠٠٦ م حتّى شباط عام ٢٠٠٩م، إذ جرى افتتاحه مجدداً. ثمَّ أعلنت وزارة العدل في ٢٠١٤/٤/١٥م إخلاءه من السجناء وإغلاقه بدواعٍ أمنيةٍ.
سألتُ بشير حاجم ، ونحن نتناول نصف نفر كبابٍ عراقي قرب سينما النصر : وكيف خرجتَ من السجن ؟
قال: خرجتُ يوم ٢٠٠٣/٤/١٤م !
قلتُ مندهشاً، وكدتُ أغصُّ بلقمتي : ماذا تقول ؟ أعد التاريخ رجاءً ؟
قال : قلتُ لك :إنَّه يوم ٢٠٠٣/٤/١٤م !
أكمل بعد أن لاحظ إزدياد دهشتي : نعم الأمر كما قلتُ لك، فأنا لم أنل حرّيتي إلا بعد خمسة أيام من سقوط بغداد !
وبدأ بفكّ اللغز.. قال : حين بدأت الحرب في فجر يوم ٢٠٠٣/٣/٢٠ م كنَّا نسمع أصوات ضرباتٍ صاروخيّةٍ على بغداد، وكنا نظنّها حالها حال الضربات السابقة حتى حلّ يوم التاسع من نيسان، فشعرنا أنّ السجن أهدأ من ذي قبل، وأنه لا أصوات بشرية إلا الحرس، وبعد يومين اتّسعت دائرة الصمت، وفي يوم ٤/١٤ لم نعد نسمع أيّ صوتٍ !
تجرّأنا على دفع باب الزنزانة، فانفتح ! ما الذي يحصل؟ لكنني أظن أنّ الحرس هو الذي ترك باب الزنزانة بلا قفل.
تسلّل إلينا ضوء النهار خارج الزنزانة لكنّنا وجدنا حرسا يرطنون ..
ـ? who are you (مَن أنتم) ؟
ـ مَنْ أنتم؟
كان التساؤل متبادلاً بيننا، لكن أحد الجنود قال : نحن من قوّات التحالف، جئنا لتحريركم.
يضيف بشير :كان هذا أحلى خبر نسمعه.. لكن أحد الجنود تفاعل معنا، فأجهش بالبكاء حين عرف أن إدارة السجن أخرجت الجميع بما فيهم المجرمون الكبار، واستثنتنا !
قال لي، بعد أن شربنا الشاي حين سألته عن عمله، أنه يعمل بالقطعة في صحيفة (اليوم الآخر)، فدعوته إلى العمل في صحيفة (الأوقات) لصاحبها مظهر عارف الذي يروون عنه ـ في معرض مدحه ـ أن جريدة (العراق) كانت تنفد من المكتبات في يوم الأربعاء بسبب مقاله السياسيّ الرصين.
بعد الثانية، والنصف ظهراً دخلتُ ، والناقد بشير حاجم إلى مقر ( حزب الخضر الوطني العراقي) لمؤسسه ورئيسه الدكتور أكرم الحمداني، وهو لا يدعو إلى نظافة البيئة، فحسب، وإنما إلى تحقيق العدالة الإجتماعية.
صعدنا إلى شقّةٍ بعمارةٍ قريبة من ساحة النصر بناءً على دعوة من الصحفي (جاسم محمد سالم)(أبي سرمد) :سكرتير تحرير جريدة ( العراق) صاحب النكتة الحاضرة وقد اتّصل بي لإدارة الصفحة الثقافية ، وحين رأى بشير حاجم سُرَّ به، وكلّفه بالعمل معه في الصفحة الأولى، وتحرير الأخبار، ووعد بمنحنا رواتب مجزيةٍ. ولم أستطع أن أتبيّن وجود علاقة بين حزب الخضر، والجريدة.
إلتقيتُ في المكان نفسه المصمّم محمد الميموني، والمصمّم سعد الدين رشيد ، والصحفي إبراهيم محمد علي (أبأ منتصر) الذي كان يعمل تحت الخوف في جريدة (بابل) منذ تأسيسها، وحتى إغلاقها ؛ فلا يستطيع من يعمل في (بابل) أن يختار ! الآن حطّ رحاله في جريدة (النهضة)، وامتدح الدكتور جلال الماشطة، ووصفهُ بأنه سخيٌّ.
عرفت أنّ الصحفي عبد الرحمن عناد هو مدير تحرير (الأوقات)، وأنّه يقوم حاليّاً بإعداد الصفحة الثقافية إعتماداً على صحفٍ عربيةٍ ، وأن الصحفي ، والكاتب كاظم الطائي كان قبل ساعاتٍ هنا، فشعرتُ بالأسف لأنَّي لم ألتقه منذ أربع سنوات بعد استقالته من جريدة (العراق) سنة ١٩٩٩م، وإنتقالته المصيريّة من قسم الأخبار المحلية في مجلة (الف باء) إلى القسم الرياضي على إثر رؤيا لأحد الصالحين ! وهو أكثر من صديقٍ، وقد عمل معنا سبع سنوات في الوجبة المسائيّة، كنّا فيها ننتصر على الأحزان، والآلام بالضحك .
شعرتُ بالإطمئنان ؛ لأنَّ هذا المكان مألوف ، ومسكونٌ بأهل الصحافة !
كانت صحيفة الأوقات أسبوعية تظهر كل يوم سبت، وتطبع ثلاثة آلاف نسخة بكلفة ثماني مئة ألف دينارٍ عراقي ( نحو خمس مئة دولار أمريكي حسب سعر الصرف وقتها) لكنّها تختفي من السوق مباشرةً، وحين أراد صاحب المشروع (مظهر عارف) أن يتّفق مع موزّع إحدى شركات التوزيع اشترط عليه الموزّع أن تكون في الصفحة الأخيرة صورة فتاة شبه عارية من النجمات الشهيرات ليوزّعها، فرفض صاحب المشروع هذا الشرط !
غادرت المبنى إلى الطريق الموحش في الشارع المشجّر قاصداً ساحة الطيران، وهو طريقٌ غير آمنٍ، وطالما صارت فيه حوادث تسليب، واغتيال لقربه من أخطر منطقة في بغداد ، وهي منطقة البتاويين مأوى الذين سحقتهم الظروف، فبحثوا عمّن يسحقونه !
في اليوم التالي جاء إلى جريدة ( الأوقات) الكاتب خضير ميري ( ١٩٦٢ م ـ ٢٠١٥ م) ، حيّاني، وقال : إنني أعمل رئيساً لتحرير جريدة (الإستقلال) المتواجدة حاليّاً في مبنى جريدة (الثورة) مقابل ساحة عقبة بن نافع في منطقة الكرادة، عرض عليَّ أن أزوره في الجريدة، والعمل معه.
شكرته، ثمَّ أعددتُ الصفحة الثقافية، وقابلتُ الكاتب وسام فاروق ، وأخبرني أنّه يعمل في صحيفتي (الحدث)، و(العهد الجديد). كانت حالة عدم ثقة تسود بين العاملين بعدم استمرار الجريدة ، برغم التعامل الراقي من إدارة التحرير خاصةً مدير التحرير عبد الرحمن عناد الذي كان ودوداً، وطيّباً جدّاً.
في طريقي راجلاً إلى ساحة الطيران في الباب الشرقي، توقفتْ قربي سيارةٌ حديثةٌ ، فانتبهت أنني أمام مقرٍ للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.
ناداني السائق، فإذا هو الصحفي (غالب زنجيل) آخر سكرتير تحريرٍ في وجبة الظهر في جريدة (العراق) قبل توقفها يوم ٢٠٠٣/٤/٩ م ، وهو من الكفاءات الصحفية المحترفة من مدرسة جريدة (الجمهورية)، وقد استقال قبيل الحرب بأيامٍ، وفُسّرت إستقالته على أنها إستباقٌ لما سيحصل.
قال لي زنجيل : اركب معي.
شعرتُ بالأمان، قال :إنَّه يعمل حالياً في صحيفة (العدالة) لصاحبها السيد عادل عبد المهدي، وعرض عليَّ العمل في الصحيفة نفسها براتبٍ، قال : (إنَّه سيغنيك عن العمل في عدّة صحفٍ) ، وشدّد على قبول العرض، مضيفاً أنّه يريد العمل معي.
لم أعطهِ جواباً، وشكرته على العرض الذي قدمه ، وصعودي في سيارته ! ونزلتُ قرب ساحة الطيران حيث سيارات مدينة الكاظمية.
تواصلتُ مع جريدة الأوقات ثلاثة أيام في الأسبوع أداوم بعد الإنتهاء من دوامي في جريدة (التآخي) ، كان دواماً مريحاً لأنَّه لا يتطلب سوى إعداد مواد لصفحة ثقافية للعدد الذي من المقرّر أن يصدر هذا الأسبوع، مع تهيئة صفحةٍ أخرى احتياطية تحسّباً للمتغيرات.
في ظهيرة يوم الأحد ٢٠٠٣/٧/٦ م التقيتُ الكاتب مظهر عارف، أخجلني بالحفاوة، وأثنى على الصفحة التي أعدّها، وقال: مع الأسف لم أكن أعرفك من قبل، فشكرته على هذه الشهادة.
التفت إليَّ : قال :سأُكلِّفك بمهمةٍ.
قلتُ : تفضل.
قال : أريد منّك الإتصال بالشاعر علي الحلي، وإجراء حوار معه حتى لو كان قصيراً ، وجلب مادةٍ منه.. ثمَّ أضاف لتسهيل مهمتي. : قل له : يسلّم عليك (أبو محمّد)، ويريد منك مادّةً لجريدة (الأوقات).
وحكى نكتةً حقيقيةً عن الفساد المالي قال: حدثني أحد الأخوة أنَّه حضر مؤخراً عرساً، فلما حان وقت دفع الواجب، أو الفضل كما يُسمّى في بعض مناطق العراق، أخرج عملةً نقديةً فئة العشرة آلاف دينار، وأعطاها لأحد المقرّبين من العريس فما كان من المستلم إلا أن قال لمن بيده السجلّ : سجّلْ سبعة آلاف دينار وخمس مئة ! وأردفها بضحكةٍ مجلجلةٍ !
عبّرَ عارف عن حيرته في التعاطي مع قضايا الساعة، وضرب مثلاً حصل قبل أيامٍ ، فقد اتّصلت به قناةٌ فضائيةٌ تسأله عن رأيه بالتسجيل الصوتي المنسوب للرئيس المخلوع، وتاريخه ٢٠٠٣/٦/١٤م، فكان عارف بين كمّاشتين حسب تعبيره : الأمريكان ، وأنصار الرئيس المخلوع، فإن تكلّم على أيٍّ منهما عرَّض حياته إلى الخطر !
بعد أيامٍ ناداني محاسب الجريدة ، وقال لي : تعال لأعطيك مستحقّاتك، فسلّمني اثني عشر ألف دينار عراقي (ثمانية دولارات أمريكية)، وقال: لقد توقّفت الجريدة ؛ بسبب سوء التوزيع ؛ وسيسافر مظهر عارف إلى الإمارات العربية المتحدة في مهمّة عملٍ، إن نجح فيها، سيعود إصدار الجريدة، وسنتّصل بك.
وضاعت عليَّ فرصة اللقاء بالشاعر علي الحلي !
برغم قصر تجربتي في جريدة (الأوقات) التي لم تتجاوز الأسابيع الثلاثة ، إلا أنَّها أفادتني كثيراً، فقد عرَّفتني ببعض الأسماء الصحفية المهمّة، وكانت محطةً لإلتقاط الأنفاس، واسترداد الثقة بالنفس.
بدت لي هذه التجربة، كمن يحتاج إلى علاقةّ جديدةٍ ـ حتى لو كانت عابرةً ـ تأتي بعد تجربةٍ عاطفيّة فاشلةٍ يثبت فيها لنفسه أنَّه مازال مرغوباً فيه !
أو كما ورد عن المتصوف ابن عطاء الله السكندري (٦٥٨ هـ١٢٦٠ م – ٧٠٩هـ/ ١٣٠٩م)، الذي يقول : (إذا أردتَ أن تعرف مقامك عنده ـ الله ـ فانظر ما أقامك فيه ) !
(السيرةُ مستمرةٌ ، شكراً لمن صبر معي.. يتبع)




الانتقال السريع

النشرة البريدية