الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2020

تحت رباب الداروينية : سياسة بثياب الحروب !

الثلاثاء 07 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

مقدمة
من المعروف ان كل علم بما رحب من استراتيجيات وإن كانت متباينة تضطلع بدراسة السلوك البشري وفهم العلاقات الأنسانية وأرتباطها بأرض الواقع لتحقيق أهداف سامية بطرق وقوانين شرعية بعيدة عن العجرفة والانانية والإستبداد ووسائل وأولويات حديثة دنت او تباعدت عن المرجعيات الوجودية يسمى بعلم ” السياسة “.
من جمال هذا العلم أنه عصمة للأرض والزرع والحيوان وسماء يحيى بها الوالد والمولود ويأتي بدنيا يُسعد بها الإنسان ويجعل المنايا بلا حروب والنساء بلا عويل ولطم على الخدود , اذا تقدم بشكل وئيد وكان عادلآ للواحد والجميع وفرّق بين العقيم والمخصاب وإن تعددت لغاته فإنه يفكك الظلم والعنف بلا ثياب للوغى ويقارب بين المذاهب والأديان .
يمكن ان نكمل أسطرنا بقراءة كتاب ” نظرية التطور : تأريخ ومجادلات ” The Theory of Evolution : A History and controversies لدينس بيكان وسيدريك جيرمو , فهو في حقيقة الأمر مقدمة واسعة عن تطور عالم الطبيعة والروابط العلمية فيما بينها قبل ان تتبنى نصف اوربا مذاهب الوجود والإلحاد ويستبدل الإنسان أظفاره بمخالب الذئب وتبدأ باقي البشرية بالصراخ والعويل .
في هذا الكتاب يسرد الكاتبان تأريخ معرفة الإنسان بنظرية التطور منذ فجر الفلسفة اليونانية القديمة , وأنباء عن العشرات من العلماء السابقين والمختصين بعلوم الأجتماع والطبيعة والأحياء والمساهمين من الفلاسفة والأدباء للدلالة على افكارهم وشدة اتصالها بنظرية دارون الذي جعل من يغوص بها يرى ان في جوهرها ايديولوجيا وخيال بلا أفق ومخالب ذئاب لمن يعمل بالضد من معاييرها العلمية .
وضع هؤلاء العلماء , منذ ذلك الوقت ولغاية القرن التاسع عشر , بذور هذه النظرية بشكل مباشر وغير مباشر حتى ترسخت بجذور أولية قبل ان يصيغها دارون بشكلها الأخير كمثل شجرة الخروع , تارة تمنح من زيت بذرتها دواء ومن سحن قشرتها ذرورآ لقتل الإنسان بلا إعتبار للإنسانية المشتركة بين الأمم , وتارة كمثل منزل ومرجع للعلوم الأخرى يحفظ للأمم تعدد أعراقها وأديانها .
إذآ يمكن القول أن نظرية التطور كانت تقرأ بلغتين على مسوَّدات العلماء الذين أشار اليهم الكتاب المذكور وهم : جورج لويس ليكليرك في القرن الثامن عشر ومندل ولامارك وهربرت سبنسر في القرن التاسع عشر قبل صياغة دارون الأخيرة لها ودوران عجلة التغيّر الكبير في اخلاق العالم بعد تبني معاييرها .
من الجدير ان نتوقف عند الفيلسوف الأنكليزي هربرت سبنسر وتأثيره الكبير على الحركات الفلسفية التي ظهرت في ذلك القرن . فقد كان عنيدآ ذو نزعة تجريبية وإستقلالية فكرية وصفت بالفلسفة اللاأدرية Agnosticism وتعني أن القيم والغيب لأي دين هي قيم غير محددة ولا يمكن معرفتها وهو بهذا لايؤمن بالذات الألهية ولكن لا يكفر بها .
أول كتاب ظهر له بعنوان ” المباديء الأولى ” First Principlesعام 1862 وقد احتوى على الخطوط العامه لفكرة التطور وبهذ فقد سبق دارون في مسألة التطور بسنين عدة .
في هذه المقالة سنبحث عن المعادل الموضوعي للنظرية , تزامنآ مع ايقاع السياسة الراهنة وبدلالاتها كفكرة دعت اليها شياطين السياسة لتحقيق منافعهم التي لايمكن تحقيقها من الناحية القانونية والاخلاقية في أي نظرية أخرى دونها .
لذلك لا نستطيع فهم الاحداث التي مرت منذ عقود إلا من خلال نظرية دارون وعلى نحو لا لبس فيه , لأن لغتها الثانية قد غيّرت السياسة بدلالة مقدمات ونصوص النظرية وحالة الشعور الى سياسة موحشة ومرعبة لاتنتمي الى جنسها السوي , لذلك أنشدَّ اليها وأندمج بها الكثير من عامة الناس بشكل عام وكبار القادة السياسيين المستبدين بشكل خاص الذين امتد بهم الظلم فاستغلوا فرصة تغيير معاييرها بطريقة لم تخطر على البال للوصول الى المجد .
وتغيرت معها معايير امبراطورياتهم سايكولوجيآ وفلسفيآ وأخلاقيآ الى معايير بتوصيفات الممالك الوحشية , فعبرت عن إنعدام إنسانيتها واخلاقها عندما خلعت بسياستها مسامير الواقع الدولي القديم ليحل محله شكل آخر للوجود الإنساني مبني على الغاء قيم الوجود القديمة التي إنحبست بها رغبتها الشاذة الى وجود ونصيب آخر شاذ بقيم ومعايير شاذة .
وهذا يذكِّر بعض الشيء بنصيحة صاحبة الحانة “سدوري” Siduri لكلكامش التي عبّرت فيها عن انتهاز الفرصة والنظر الى الحياة بمنظارين ; منظار الحياة ومنظار الموت عندما يشعر الإنسان بثقل النصيب والواقع الرتيب الذي يصعب تغييره عندما قالت له وهو يحمل انكيدو سعيآ لإحيائه : الى اين تسعى يا كلكامش ؟ إن الحياة الخالدة التي تبغي لن تجدها . وهي في ذلك ربما ترمي الى خلود اوتونابشتم الذي ناله بظروف خاصة لن تتكرر لأحد آخر , إذ بنى سفينته قبل الطوفان وأنقذ بها سائر الحيوانات والإنسان معآ , ثم القت على مسامعه هذه النصيحة : أنت إنسان ، يا جلجامش ، فكُل أطيب الطعام وأشرب ، وافرح وابتهج ليل نهار ، ودلل صغيرك ، وأسعد زوجتك ، فهذا هو نصيب الإنسان ، وهو ليس بقليل .
كانت ملحمة كلكامش تعالج قضية البحث عن شكل للوجود الدائم وهو الخلود بدأب إنساني وعلى درجة من البراءة , إلا أن الأستعمار وشياطين السياسة كانوا يعالجون الوجود بشكل مؤقت ورتيب , لإقتناص الفرصة التي توفرها المراحل القادمة لتغييره , ولكن بتأجيل للأخلاق وعلى درجة من إنكاره وتغييره بالتحرش ومضايقة الآخرين والحروب لتعتلي شعوبهم عرش المجد الخالد . أليست هذه السياسة نابعة من جوهر فكرة البقاء المادي , وما حدث منذ عقود ؟
أما الدافع المادي لكل ذلك فهو التعويض عن الفقدان وتوسيع الملكية وإقتناص الفرصة التي يوفرها شكل الوجود المؤقت ثم يجري الحال الى لجم الضحايا من الدول بالعهود والمواثيق حتى إذا عاودت تحصين ذاتها من التمزق والضياع واستدراك مافاتها وتبدأ بالنزوع الى امتلاك القوة يكون عندئذ للأمر كلام ثان ,
أي قبل ان تتماهى الدول المنكوبة بالقوة ويشتد بأسها , يكون الوقت قد ادرك , فينطلق الشياطين ثانية وثالثة كالذئاب على صيد آخر من خلال ثقوب وضعوها بالمواثيق والمعاهدات لإختلاق الحجج الواهية لتضع خاتمة لضجيجهم وواقعآ آخر أكثر ضراوة ليبدأ الجميع بالصمت الطويل ثانية حتى يتآكل بإنتفاضة جديدة .. وهكذا دواليك .
هؤلاء الشياطين قرأوا ملحمة كلكامش والأوديسا إضافة الى نظرية دارون , ويعرفون ان كلكامش ملك أوروك لم يكن في بادئ الأمر بطلآ وإنسانآ حكيمآ رغم أنه يكنى بملك الأبطال , بل طاغية وفظآ ومشاكسآ وزانيآ بسبب القوة التي يمتلكها .
ولكن بعد موت أنكيدو والعمل بنصيحة سدوري , مضى مدركآ أن خلود الإنسان يكمن في أعماله فحسب وإنجازاته للبشرية . لكن الشياطين ظلوا مؤمنين بفكرة “من الم الشعوب نصنع المجد” ولا أحسب أن أحدآ لايؤيد أن مافعلوه بالبشرية يؤيد تلك الفكرة .
لهذا نبحث هنا عن العلاقة بين السياسة الدولية قبل نظرية دارون وفي ضوء النظرية نفسها بعد استبعاد جانبها الشافي واللجوء الى جانبها السام مع من لا ينحني لها من الشعوب أو يقاوم شروط انسانيتها الجديده , وبين السياسة الحالية التي أعتبرت جدلآ أن الأختلاف المميز لها بعد التعديل عن مفهومها الأصلي , يتماهى مع فكرة أصل الكائنات الموجودة مسبقآ والتعديل الذي جرى عليها في الأجيال المتعاقبة وهذا يتطابق تمامآ مع كينونتها الجديدة .
هذه النظرية كانت الشاهدة والحجة لها في ذلك , والسبيل الذي إتبعته الدول التي عانت ضغوطآ إقتصادية وإجتماعية ومنها بريطانيا في عهد رئيس وزرائها اليهودي المطيع بنجامين دزرائيلي عام 1874 .
فقد دفعتها الحجة لتجيز لنفسها أن تخلق وجودآ آخر بسديم قذر لتتوسع ديموغرافيآ على حساب الشعوب وإمتصاص ثرواتها والسيطرة عليها من دون أي معايير أخلاقية أوقانونية , بل بمبررات عقدة الدونيّة Inferiority Complex التي تشوه الحياة كفكرة ” عبء الرجل الأبيض ” white man burden theory التي سادت في القرن التاسع عشر ووقوف كبار العلماء والأدباء بجانبها ينظّرون للقصد الذي ينزعون اليه ليقود الى المجد والإستعلاء .
أما في أمريكا التي انفتحت على التبريرات والتأويلات , فقد بررت احتلالها للأراضي المكسيكية بذريعة ” القدر المتجلي ” التي تجيز لامريكا امتلاك القارة الشمالية بأكملها لأن العناية الآلهية اعطتهم هذا الحق , ولا ريب في ذلك فقد نشأوا وكبروا مع الأنكليز وأجتذبتهم الغابة بسماتها حتى ورثوا كينونتها وكانت هذه عقدتهم ورسالتهم للبشرية .
وتبعآ لذلك توسعت أمريكا عام 1846 بالحرب واستولت على أكثر من مليوني كيلومتر مربع من أراضي دولة المكسيك الضعيفة المكونة من اقاليم كولورادو وأريزونا ونيو مكسيكو، نيفادا، ويوتا، وأجزاء من وايومنغ وكنساس وأوكلاهوما بموجب معاهدة استسلام المكسيك بعد أن ضمت قبل ذلك ولاية تكساس في عهد الرئيس جيمس كوك عام 1845.
مؤتمر باريس 1919
حينما ننظر الى فكرة نظرية دارون إنما ننظر الى ربابها الذي يخفي تحته شجرة الخروع بالرؤية والبصيرة , فنرى أن الحرب العالمية الاولى 1914 كانت إنعكاس للسياسة القذرة التي أختلقت الأعذار والحجج الواهية من اجل التلاعب بالوجود والتأريخ دون اعطاء أي قيمة للحياة وكان كل مايهم من المشاركة بثياب الحرب هو الطمع ولذة الاستحواذ على الممتلكات الالمانية والعثمانية وتقسيم البلدان وبسط النفوذ على الدول الضعيفة بلا أدنى حياء .
وحينما تلبدت الارض بالقنابل وشبت النار في كل شجرة وطالت السنتها البيوت بما احتوت من بشر طلبا للمجد والسمو في الارض , أعيد ترتيب خارطة البلدان بموجب مؤتمر باريس 1919 ومن ثم معاهدة فرساي مع الأمبراطورية الألمانية التي اعترفت بمسؤوليتها عن الحرب . كل ذلك تم منهجيآ ووفقآ لمصالح الدول العظمى التي شاركت بالحرب وهي روسيا وبريطانيا واليابان وفرنسا وبشكل غير أخلاقي وغير متوازن مع قوانين الحياة .
في جوهر السطح الديموغرافي الجديد , ظلت الدول الكبيرة المهزومة بالحرب والدول الصغيرة المطعونة بخنجرها والخاضعة للتقسيم والابتلاع بقوة السلاح , في حالة من الإحساس بالغبن الذي يستفز وينذر بحدوث هوة لاحقة عسى ان تكون في جانبهم بالمستقبل فتعيد أوتلغي شكلها الذي ورثته من الحرب وتسترجع ماأبتلع منها من أراض وسكان .
ولكن ذلك لم يحصل فتركت هذه الدول للصمت لتواجه مصيرها البائس بعد التقسيم والفقدان ونهب الثروات من خلال معاهدات كانت في حقيقتها مسامير فتنة كمسمار جحا لبسط النفوذ والتدخل في الوقت المناسب لإدامة مصالح أصحاب النفوذ بطرق سياسية معدّلة تختلف عما اشعلت بها نار الحرب .
أما الدول الصغيرة , وخاصة دول الشرق الأوسط , فقد صعب عليها حسم مشاكلها بمعاييرها المألوفة إلا بالطرق غير المألوفة كالتي إتبعتها الدول الكبرى في الحرب وهي القوة العسكرية ,
لذلك بقيت شعوبها صامتة ومنشغلة بذكرى طعنات خناجر الحلفاء وباتت تراهن على مستقبل قريب بأفق جديد عسى أن تتتلافى به العيش في قاع الهاوية وتستعيد مكانتها والثأر من الكيانات الغادرة من خلال تحصين الجوهر والحرص على ان تظل ساعة الصفر مجهولة ناهيك عن ظهور الشعور القومي والحروب الصغيرة التي جرت في سبيل ذلك للمساعدة في ذلك ,
إلا أن ذلك لم يتحقق ولن يتحقق بسبب هيمنة الدول الإستعمارية عليها وخضوعها المذل بالمعاهدات والمواثيق التي تحكم القبضة على مصائرها .
أحد الأمور المهمة في هذا الشأن هو الدور الذي لعبته تركيا في ظل السياسة القذرة والزمن الذي اختارته والعوامل التي أنتظرتها واسهمت في اغرائها بالتدخل في شأن الغير .
ففي الحرب العالمية الأولى والثانية , دخلت تركيا العثمانية من أجل تعويض نفسها عن الأراضي التي خسرتها في الحروب السابقة , لكن الممالك الوحشية الأستعمارية كانت أكثر قوة من الناحية العسكرية والإقتصادية والنفوذ لاسيما بريطانيا .
كانت بريطانيا منذ عام 1765 وحتى عام 1938 تحكم قبضتها الوحشية على الهند وبلدان أخرى خاضعة لها , وكان الجيش الهندي البريطاني جزءآ مهمآ من الجيش البريطاني في الخارج , لذلك شارك بالحرب مع سائر جيوش الشعوب المستعمرة آنذاك ومنها على سبيل المثال الجيش البلوشستاني الذي مدّ الجيش البريطاني بقوات كبيرة في الحرب .
واغلب الظن أن ذلك هو الدافع الذي دفع بريطانيا الى أستسهال الحرب في كل مكان لبسط نفوذها على الدول , لأنها ترى أن دينهم لا يوافق دينها ولا ثقافتهم توافق ثقافتها فكانت بذلك كريمة بهم أفإن ماتوا أو ذبحوا فإنها لا تلطم عليهم حتى بإصبع واحد .
معاهدة سايكس – بيكو 1916
عندما خسرت المانيا في الحرب العالمية الأولى ومعها تركيا العثمانية بعد اخفاقها في إدارة حربها مع العرب بقيادة الشريف حسين المتحالف مع بريطانيا وطردها من الجزيرة العربية , غدرت بريطانيا , وهي الرائدة بالغدر , بوعد تنصيبه ملكآ على العرب بعد الإنتصار على العثمانيين وذلك من خلال معاهدة تقاضي الأجور وبسط النفوذ التي سميت بعاهدة سايكس بيكو عام 1916 .
بموجب المعاهدة اجتمع الوحشان مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو ممثلين عن المملكتين الوحشيتين أنذاك , لينقلا العرب من براثن العثمانيين الى براثن المملكتين الجديدتين كما تفعل حيوانات الغابة بطرائدها , أي بتسمية اخرى من إحتلال الى إحتلال . فمزقوا بأسنانهم القذرة منطقة الهلال الخصيب ودول الخليج العربي التي عدوها من أملاك العثمانيين الى دول تحت الأنتداب وإمارات مخصية ضعيفة وخاضعة للأتاوات على مرّ السنين .
وتغيّرت طبيعة العلاقات الإنسانية فيما بين الدول وافرزت معها صراع انطولوجي مرير أثار إنتباه العالم الى مراجعة كافة الأيديولوجيات وعلوم الأقتصاد ونظم المجتمعات بمنظار نظرية دارون التي قادت الى منحوتة السياسة القذرة , ليروا صورة العالم المختفي في زواياها المظلمة.
واستطاعت البشرية من الناحية العملية ان تكشف عن صورة هذا العالم من خلال رؤية السياسي صموئيل هنتنغتون الذي بشّر بهيمنة وسيادة امريكا عليه لإدامة نمط الحياة الإجتماعية والإقتصادية بالوسائل العسكرية وسياسة الأحتواء وهذا ماحصل فعلآ بعد الحرب العالمية الثانية . لذلك كانت الممالك الوحشية المهزومة بالحرب , المانيا واليابان وتركيا وإيطاليا , تبحث عن السبيل لإنقاذ واقعها الممزق , وكانت النظرية هي السبيل الوحيد لذلك السبيل .
فتأدبت بقواعدها نصف اوربا وأسيا بأصحائها ومسوخها وعبأوا لها كل مستلزمات القتل , ولكن الجميع سقطوا ثانية بين فكي وحوش هذه السياسة كما تسقط الظبية بين فكي الأسد . وأنبثقت الحرب العالمية الثانية وانبثق معها وجه السياسة القذرة التي أنتجتها. وكانت الحرب الناتج الطبيعي لآثار ذلك التأدب وبذريعة حقيقية هذه المرة وهي ” جني الخير بالشر “.
هكذا نزعت السياسة جلدها القديم بعدما كانت بجلد ” السياسة الأمبريالية ” التي اضمحلت تدريجيآ بعد سيادتها في القرن السادس عشر لى السياسة القذرة . وهكذا تجددت وتطورت معها التأويلات شأنها في ذلك شأن الطبيعة والاحياء المختلفة ولكن عن طريق الإقصاء والتفكيك وتسيس التطلعات المشروعة للشعوب وخاصة في ظل الانظمة المستبدة لتحقيق اهدافها على حساب الحرية والقيم الانسانية التي ترتكز على العدل والمساواة .
وأكملت بها بريطانيا قبل أن تغادر المنطقة وإفساح المجال لأميريكا , مالم تكمله معاهدة الوحشين سايكس وبيكو وذلك بإعطاء فلسطين وطنآ قوميآ لليهود عام 1948 لتنجز به آخر فعل لا إدراكي ولا أخلاقي لتنهي به دورها بإبتلاع جزء من بلاد العرب محدثة اكبر إخلال في حالة التوازن الدولي وخلق واقع شاذ وصراع أزلي بين العرب وهذا الكيان العنصري وسلمته الى امريكا ضاربة عرض الحائط كل المعايير الإنسانية في هذه الأضافة بعدما شوّهت الوطن العربي بالتقسيم وإنشاء الكيانات العميلة خدمة لمصالحها المريضة وأثبتت بالقول والفعل أنها المملكة الوحشية المتحدة بجدارة .
وتحولت السياسة بالقول والفعل من علم الى لعبة قذرة , لا يلعب بجانبها السام إلا من تولّع بها وتلبس بقذارة وحشيتها من امثال بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا الذين أمتلكواعيونا مخادعة تحرق الحشا وانيابا قاطعة تعزل اللحم عن العظم وتصدع القلب البشري وتذر به الحزن حتى الموت .
هذه الدول التي كانت منذ امد بعيد ومازالت تغذِّ السير نحو امتلاك السلاح المميت لتضعه في المقام الاول في لعبة الإرتقاء من وجود ينذر بالتمرد والثورات الى وجود صامت يسمح بالإبقاء على مستعمراتها والدول الخاضعة لها كحدائق خلقية ومقالع خامات والمجد الخالد لأجيالهم .
فإختلّت الأجواء وتسممت العلاقات الدولية بسديم شكلها الجديد مكوِّنة الفخ الذي لا محيد عنه لتحقيق الغايات في دنيا الأجل القصير وإعادة إصلاح الوجود الى وجود بسديم قذر لينقذهم من أي إنتصار يحققه هذا الشكل في المستقبل , بعد أن قلبوا وجوه السياسة وعناوينها الى مخابيء محشوة بالقنابل والأفاعي النائمات تحت غبار الموت .
هكذا نعتها ونستون تشرشل بهذا النعت وهو اعلم بها من غيره , فقد نشأ في موطنها وهو بعمر الثمانية أعوام وجرّت بحبالها دزرائيلي من قبله . فكان ابرز من لعبها مع هتلر وموسليني وستالين ورزفلت وكل من تماهى بها وأتخذها عقيدة ومرجعآ , مستلهمين فكرة العالم الألماني فريدريك راتزل التي تقول وتحذر : ” أن الدولة كائن مكاني حي يرتبط مصيره بالمجال الأرضي والدول المجاورة ” .
ويعني أن الحدود الحالية لأي دولة هي ليست المحطة النهائية لها , بل هي محطة من محطات نموها الذي ينتهي بنمو مصالحها , إذ كلما كبرت أحتياجات الدولة حق لها أن تلتهم جيرانها لتواصل نموها والأمثلة على ذلك كثيرة.
لم تأت هذه الفكرة من فراغ , بل هو أيضآ أستلهمها من نظرية الإنتقاء الطبيعي لدارون والبقاء للأصلح لهربرت سبنسر ونظريات اخرى ترتبط بها .
فمن أجل البقاء لابد من توسيع هذا المجال ولو بالقوة وإلا ستنهار الدولة . بهذه الفكرة حقق الجميع أهدافهم الخبيثة وتحققت أمجاد الممالك الوحشية على حساب آلام الشعوب بعد أن أذاقوها مرّ العيش والهوان بقنابل الطائرات وسرف الدبابات والأسلحة المحظورة التي أستخدمت في سحق وأقتسام وفقدان أراضيهم وقتل أبنائهم وحاضرهم ومستقبلهم.
أما الشرفاء الذين أحترموا شعوبهم وحرصوا على سيادة بلدانهم , فلعبوها ومازالوا يلعبون بجانبها النبيل بحسب القواعد الأخلاقية الثابته لتحقيق أهدافهم النبيلة التي يسعون اليها , وعلى رأس هؤلاء , أدعو القاريء أن يأتي بأمثلة لهؤلاء بحسب قرائته للتأريخ .
معطيات السياسة القذرة
تم بأسس وقواعد هذه السياسة التي تتماشى مع افكار نظرية دارون تقسيم الشرق الأوسط الى خارطة جديدة بناء على فكرة راتزل , لأنهم أدركوا أن البلاد العربية بعد ثورة الشريف حسين , ملك الحجاز , ستكون من أكبر البلدان بالعالم ولأنهم يؤمنون بهذه الفكرة وخوفآ على مصالحهم بعد الحرب فقد تم الإقرار على تقسيم العرب الى دويلات وإمارات لتسهل السيطرة عليها بعد أن نكثوا بالوعد والعهد له .
برزت من هذه السياسة اربعة أنماط بأستراتيجيات جديدة أكتسبها الإستعمارمن الواقع الذي صنعوه ليتعاملوا بها ليس مع دول الشرق الأوسط فحسب بل مع دول العالم بشكل عام .
هذه الأنماط كانت نتيجة لإمتلاك تلك الممالك الوحشية للقوة العسكرية التي فرضت نفسها على العالم بشكل تعسفي بعد ان جلّت حقيقة الدمار الذي لحقته باليابان بشكل خاص وبدول اوربا والشرق الاوسط بشكل عام .
أشار الى هذه الأنماط أو آليات السياسة القذرة كما يحلو للبعض أن يسميها وأكدها زبيغنيو بريجنسكي المفكر الجيوإستراتيجي البولندي الأصل ومستشار الأمن القومي السابق في الإدارة الأميريكية للفترة من 1977 – 1980 في كتابه ” رقعة الشطرنج الكبرى ” بعد تمجيدة بالسياسة الأمبريالية القديمة وسيطرة أميريكا على العالم . هذه الأنماط كانت : سياسة النفوذ influence politic of وسياسة الخضوع submission وسياسة القوة power وسياسة السلطة authority .
لكي نتوسع قليلآ بالبحث يتعين توضيح درجة الاقتران بين هذه المصطلحات وأثرها على سياسة الدولة . فالنفوذ يتم عندما تفرض اي جماعة او فرد رأيآ أو عملآ على الآخرين للعمل به , ومثال ذلك قيام مدير المدرسة بفرض الزي الموحد على الطلاب لإرتدائه .
والخضوع وهو مفهوم لصلاحية اي فرد او جهة بتوجيه امر او توجيها لأي جهة أخرى دونه في المعايير , ومثال ذلك إرتباط الجندي بالضابط من ناحية الأمرة .
أما مفهوم القوة فيعني القدرة على فرض الطاعة على الآخرين مهما بلغت صعوبة تنفيذ الأمر أو تقاطعه مع رأي الآخرين , ومثال ذلك أن يصدر الضابط مثلآ أمرآ للجندي بحفر خندق على سفح جبل صخري بأقل من نصف ساعة تحت اطوار الخطر الميدانية اثناء المعركة .
أما السلطة بشكل عام وهي فرع subset من القوة فليس لها تعريفا دقيقا , غير أن عالم الإقتصاد والسياسة ماكس فيبر Maximilian Karl Emil Weber يعرفها بالمقدرة على فرض إرادة فرد ما على سلوك آخرين , ومثالها ان يصدر مدير المدرسة بحكم موقعه الرسمي أمرآ بالإمتناع عن إدخال الهواتف النقالة داخل حرم المدرسة أو أرتداء الجينز الممزق .
أما السلطة السياسية والتي تتحكم بمقاليد الحكم في أي بلد كان , فلها صلاحية اصدار الاوامر والقوانين من اجل إدارة البلاد والحفاظ على وحدته وسيادته ضد الاخطار المحدقة به كما يراها وليم ديلبرت جان William Delbert Gann .
فخضعت دول المحور ودول أوربا الشرقية وشرق آسيا ودول منطقة الشرق الأوسط إبان الحرب العالمية الثانية الى نفوذ وقوة روسيا وأمريكا وبريطانيا , وأستمر هذا الخضوع لغاية العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 , أي بعد انحسار قوتيهما ودورهما بالمنطقة بعد الحرب .
لكن بعد إنتهاء دور بريطانيا وإنحسار دور فرنسا في الشرق الاوسط , بدأ التدخل الأمريكي تدريجيآ في المنطقة وكانت الرائدة في مجال التدخل بالإنابة بعد الحرب العالمية الثانية وبدأت معه بالسياسة نفسها التي أثمرت عن بسط نفوذها على دول أوربا من خلال تقديم المساعدات الأقتصادية والعسكرية ووقف المد الشيوعي من التغلغل فيها .
وفي الشرق الأوسط مضت بتفكيك دور بريطانيا وفرنسا وملء الفراغ بالنيابة عنهما ليبدأ العالم كله مرحلة الثنائي القطب بعدما كان متعدد القوى وبدأت سياسة فرض الهيمنة والنفوذ الأمريكي بالمنطقة بشكل خاص متخذة من أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة ذريعة للتدخل لغاية هذه اللحظة , حيث مايزال حكام هذه الدول يأتون الى امرها طائعين صاغرين كالضجيعة المطرقة .
في مفهوم ” النفوذ ” ينبغي ان نعرف أولآ ان جميع الدول بالعالم من دون استثناء لها اشياع تستغيث بهم على دول أخرى منافسة لها عند الشدائد حينآ من الدهر . وعلى هذا الأساس تكون معطيات هذا المفهوم , الدافع الأساس في جعل الدول الأقل شأنآ وتسليحآ من الدول العظمى أن تتنافس في إقامة الأحلاف والمعاهدات المختلفة من أجل البقاء وفرض هيمنتها على الدول الأضعف منها,
وأول تحالف قام بهذا الشأن بين النمسا والمجر والألمان عام 1879 وبعدها بسنتين تم التحالف الفرنسي والروسي ثم دخلت بريطانيا رسميآ الى الحلف . أما العرب فقد سعوا الى ذلك لكنهم لم يفلحوا لا بالمعاهدات ولا بالوحدة العربية لأن البعض منها كان ومايزال جسدآ أزرقآ بين فكي ومخالب الأستعمار لا ينفك من ديمومة الخوف وبالكاد يتنفس.
كانت اول نتائج مفهوم ” النفوذ ” عندما نما دور الأمبريالية الأميركية بسياسة السيادة على العالم وأول مثال لهذه الدول التي خضعت للسياسة الأمبريالية الأميريكية هي الفلبين عام 1898 وبورتوريكو وبنما بعد تحقيق إستقلالها عن اسبانيا بدعم من الولايات المتحدة وسيادة الأخيرة على قناة بنما حتى عام 1999 ومناطق أخرى خارج الولايات المتحدة الأميريكية .
ثم ولّدت بدورها السيادة الناقصة للدول Incomplete Sovereign State والخضوع لتوجيهات أميريكا ما جعلها ( أي الدول الخاضعة ) أمثلة للفشل في بناء كيانها وبسط سلطتها على كامل اراضيها وأصبحت مرتعآ لبروز كيانات سياسية مسلحة وعصاباتية محلية ترتبط الأولى أرتباطآ وثيقآ بأميريكا الداعمة لها وترتبط الثانية بأقطاب السياسة الداخلية الفاسدة المتحكمة بالدولة .
في العراق لم يُبد ظاهر هذه الأنماط الجديدة وتطبيقاتها العملية الا بعد سقوط الحكم الشمولي فيه عام 2003 , حيث سارعت بعض الدول الاقليمية بشكل أستباقي الى الدخول باللعبة الجديدة والتحضير للغنائم التي سيجنونها قبل ان تزداد امريكا , وريثة معاهدة الوحشين , تماديآ في سياساتها فتخرجهم من لعبة جني الأرباح بخفي حنين والإنفراد بالشرق الاوسط مع حليفتها اسرائيل الى أمد بعيد .
وأستغلت هذه القوى ضعف العراق من الناحية العسكرية والإقتصادية وفقدان الأمن المتمثل بالجيش والشرطة , والسيادة الوطنية وفتح بوابات الحدود لمن هب ودب بلا حساب وكتاب . ثم بدأ فصل إنشاء الكيانات على إختلاف ولاءاتها والتوغل بالمؤسسات الحكومية المتهرأة ولم تبق من ملامح الحياة والحضارة شيئآ تخشى عليه من العبث أوالدمار .
فقد دمر الإحتلال كل شيء , المصارف والمتاحف وكل بناية جميلة رصينة , بل أن المتاحف صارت تعرض آثارها امام النفايات والشوارع والحدائق وفي متناول ايدي اللصوص والتجار الفاسدين من السياسيين وغيرهم .
ومن المؤسف ان نقول ان البلاد صارت اوجارآ لفئة من الساسة الفاشلين الذين جسّموا صور الفشل من خلال مبدأ المحاصصة وإشاعة الطائفية . فأنتسب بعضهم لأنفسهم وبالولاء لبلدان أخرى دون أن ينتسبوا الى جذور الشعب العريق ووطن المقدسات , فكتبوا أسمائهم في سجل التأريخ كأسوأ رجال عرفهم العراق في الأيام العصيبة وأهم عامل من عوامل إنهياره أمام العصابات الظلامية والتدخل الخارجي وسقوطه بالهاوية .
وأمتدت حالة الضعف والخضوع لنفوذ الولايات المتحدة الاميريكية وتوقف الإقتصاد بعد عمليات النهب والسلب المنظمة التي طالت المصانع ومشاريع التنمية . ودب الشلل بالمؤسسات بشكل عام وصار الخراب واقعآ يوميآ , وصار دأب البعض من السياسيين على الفساد وسرقة الأموال العامة والأحتيال على الشعب وخلق الأزمات لتفويت الفرصة على البناء والتقدم هو دأبهم اليومي بلا ادنى نظرة رحيمة الى الشعب الجائع والبلاد المهدمة .
التدخل التركي
وجاء دور تركيا على رأس الدول التي تحيّنت فرصة خراب العراق الذي انتظرته عقودآ فدخلت اللعبة بالعمامة العثمانية والعثمانيون الجدد وعصاباتها القذرة تحت ستار الليل لتنال ماتمنت في ظل السياسة القذرة .
فقد استغلت القيادة العثمانية الجديدة تدخلها بعد ان طأطأت لها رؤوسآ عفنة وقليلة الحياء ما امتنعت عن تغذية الطائفية واعطاء زمامها للاجنبي وماكتموا حديثهم المزيف عن الوطنية بين الاوساط والاعلام فحسب , بل إنصرفوا عن الولاء للعراق وهم يرون بأعينهم الزناة يعبثون بحرمة الشعب الكريم وحضارته مستغلين العوامل الموجودة على الأرض مع عوامل اخرى عديدة أهمها ;
أولآ , أن تركيا سئمت الواقع الرتيب الذي تعيشه منذ عقود , كما كان شأن الأمبراطوريات القديمة قبل أن تتحول الى ممالك وحشية , من اجل تغيير واقعها الى واقع أكثر سلطة سياسية وملكية على الأرض وأن تضمحل امامها الدول ذات الترتيب الذي بني على إقتطاع أراضيها كما تزعم حتى تصل بالنهاية الى مراحل إلغائه .
ثانيآ , أنها طرف قوي بالمنطقة , أقتصاديآ وعسكريآ لا سيما انها عضو في حلف الناتو ولها مصالح مشتركة مع دول الناتو وخاصة امريكا التي تمثل رأس الأفعى بالعالم . كما وأنها المصدر الرئيسي لموارد العراق المائية الذي يمكن ان تستغله الى المدى الذي تريد.
ثالثآ , كونها استطاعت ان تتحالف مع منظمة الأخوان المسلمين ككيان يقوم بدور ضم الشباب من خلال المدارس الدينية والجمعيات والمؤسسات التابعة لها وتجنيدهم في كيانات صغيرة وإرسالهم الى مصر وليبيا بعناوين عدة لتوسيع تدخلها هناك من خلال خلق واقع سياسي قذر لفرض شروطها . وبهذا يكون للإخوان دور مشابه لأدوار شعوب المستعمرات البريطانية في تقديم الخدمات اللوجستية المتعددة وفي المجالات التي ترتأيها تركيا العثمانية .
رابعآ , الحنين الى المجد العثماني الذي سحقته العرب بعدما تقادم ظلمه والرغبة في التوسيع لتعود اليه برقعته الجغرافية المترامية الأطراف بطرق أخرى وأفكار أخرى . أول هذه الأفكار , أن قادتها الحاليون ملزمون بالإهتمام بالدول المحيطة بهم , وهو تبرير ورثوه من حجتهم القديمة عندما غزو بلاد العرب في القرن السادس عشر قائلين ان العثمانيين جاءوا لحماية العالم العربي من التغلغل الشيعي وهي تشبه فكرة ” عبء الرجل الأبيض ” التي جاء بها الانكليز ولكن بلباس عثماني هذه المرة .
خامسآ , إستغلال سوء الأحوال الداخلية في العراق والاختلافات السياسية وعدم الثقة بين الشركاء في العملية السياسية وإفراط البعض منهم بالفساد واللاوطنية , حتى ان هذا البعض باع ولائه بالتخابر والتراسل لمن دفع بالدولار اكثر ومن بينها تركيا . ولم تكن لغة التحدث بالوطنية سائدة بين الجميع فإذا تحدث احدهم بها سخر الفاسدون منه وأعرض عنها العملاء , أما الأشراف فتراهم مسمرين بين الكاشحين وبين القعاقع والإيعاد .
سادسآ . تمزق النسيج الوطني بالطائفية البغيضة بعد السقوط وأثره على الحياة الأجتماعية والأقتصادية وتشجيع الفاسدين من السياسيين على تغذية نار الطائفية بغية الوصول الى تقسيم العراق وتحقيق مشروع اليهودي بايدن وبدعم من الدول العميلة التي اقفلت رتاج ابوابها وهي ترى انتهاك حرمة الجار .
سابعآ , جعل العراق مشروعها الجاهز يمكن ان تعود اليه في أي وقت تشاء وخاصة بعد إدخالها داعش بالشأن السوري . وهناك عوامل اخرى لاتعد ولاتحصى وأسبابها أن القلم الذي يخط القرار الصحيح والذي يصب في مصلحة البلاد ضاع كالأبتر بين البتران كما تقول قصة الثعالب القديمة .
ثامنآ , وجود الأقلية التركمانية وصورة تعايشها العصيب وسط الواقع الذي تتطلع اليه القوى الكردية في صنع مركز للقوة ولسياستها في حالة الاستقلال الذي لا ترغب به تركيا على الإطلاق .
وهناك اسباب عديدة تتعلق بالعلاقات الاميريكية وقضية انضمام تركيا الى الأتحاد الأوربي ومايرتبط بها من ناحية التواجد الملموس لحزب العمل الكردستاني بوصفه حقيقة لا توفر الإلفة بينه وبين المكونات الأخرى التي لم تظهرتأييدها لأيديولوجيته لحد الآن .
بهذه المعايير سارعت تركيا العثمانية بالتدخل لتصنع وجودآ آخر. فرمت صنارات حبالها الطوال داخل الأراضي العراقية في حزيران 2014 من خلال تهيأة عصابات داعش ليبدأ فصل تدخلها السافر والهائل بالعراق وسط صمت مريب من قبل اميريكا والعالم , من اجل أن تبرر بعد ذلك احتلالها لأراضيه وتدخلها في شأنه السياسي ودول المنطقة في مراحل لاحقة من دون ان تكترث بالعواقب الوخيمة التي ستنجم عن ذلك التدخل .
من المفيد ان نسأل أنفسنا هذا السؤال : ماهي الأرضية التي ابصرتها تركيا بالعراق وتثبتت بها داعش ؟ أليست الأرضية التي تفوح منها رائحة بني عثمان التي حفزت داعش على القول بعد إحتلالها الموصل والرقة أنها أزالت حدود معاهدة سايكس بيكو الى الأبد؟ وما شأن داعش بهذه المعاهدة وهي منظمة ارهابية ظلامية وحشية لا تمت بأي صلة بالإنسانية ولا بالعالم المتحضّر ؟
أليس ماتقوله هو التمهيد لداعمتها , تركيا , لكي تمضي بإطراد في مشروعها الشائن وتكشف عن نواياها الحقيقية امام العالم الصامت ؟ اليس هكذا هو الغزل بين العملاء والدول الداعمة لهم ؟
بأي علاقة تريد ارومة التتر أن ترتبط بالعراق , وقد أستباح سالفيها من قبل أرضه وقتلوا شعبه وأهانوا حضارته , وهاهم الآن يستبيحون أرضه ويقتلون شعبه بسلاح من أستباح أرضهم وقتل شعبهم وفتت أمبراطوريتهم بعمائمها ؟ ولكن الخسيس يبقى خسيس , لا يرقى بالحياء الى حياء القطط مع انها من أمة والتتر من أمة , لكنها تخفي قذارتها أما الأرومة التترية فهي على الدوام تظهرها في كينونتها ومن شبه أباه فما ظلم .
إن تركيا الخاضعة لأميريكا بكل آليات السياسة القذرة إضافة الى محور الناتو ,ترتدي الآن العمامة العثمانية لأنها ورثت من سلاطينها أحلامهم في وجود قائم على هزيمتهم , وهذه فجوة شاذة لابد من التعالي عليها والرجوع الى المجد العثماني ولو بالتنفس في جزء صغير من اراضيها القديمة المفتتة لحين ان تتاح لها فرصة الإفصاح عن مكنون سياستها القذرة وتتبلور مع من يتوسلها في ذلك او يتردد من كياناتها السياسية اللقيطة الموجودة في البلاد .
هذا التعالي والرجوع الى مجد المملكة العثمانية المتوحشة جاء في زمن تسلل اليه احد الذين ورثوا الحقد والشر وإثارة الفزع , وصمت الممالك الوحشية وتمزق العراق الذي قدمته امريكا الى العالم بشكل عام بالوسائل التي اعتمدتها السياسة القذرة نفسها حتى تبدى جسدآ مستسلمآ لمؤامرات التقسيم امام الغزاة الطامعين .
وهاهو العابس المزيف الذي ينمو بالكذب كما نما غيره من الطغاة على حساب شعبه , يطل بوسائل وآليات سياسته القذرة من نوافذ العراق الشمالية عسى ان يعثر وهو سائر في نومه على العدم المزين بالمومياءات ومخالب البطش التي خلفها اسلافه سلاطين الجواري والسبايا ومخادع الحريم تحت تراب القبور.
ولكن المفاجئة التي أبكت امريكا ولطمت على خدودها مع تركيا العثمانية هي فتوى المرجع الكبير السيستاني التي قلبت الطاولة على رؤوس جميع الممالك الوحشية والعملاء واعداء التأريخ .
وكانت الفتوى برعاية وضمان من عند الله , ودعم كبير من الشعب الأيراني المسلم بشكل لا ينكره عدو ولا صديق . فلم يكتم هذا الشعب صوته المحتج او يقفل رتاج ابوابه كما فعلت بعض الدول التي لم تمنع كفوف الزناة من انتهاك حرمة الجار .
وكان النصر المبين جائزة للشعب الكريم الذي لبى النداء فرحآ بالشهادة في سبيل الله والوطن .
وأنهزم الأشرار في العاشر من تموز عام 2017 ومعهم كل اللئام وتجللت بالعار تركيا العثمانية وامريكا ومن وقف معهما من الشامتين وفشلت كل مخططات التقسيم وارتفعت رايات المجد على كل شبر من الارض بأسماء الرجال الذين أبوا بعد الله ان يقبلوا بالضيم فضحّوا بحياتهم ونالوا الشهادة من اجل ان تدرك الممالك الوحشية ان من جعل النبوة فيهم هم الذين اوعدهم باليسر بعد العسر . وكان لحسن بلاء الرجال البقاء للعراق بسمائه البيضاء وجبالة الشماء وسهوله المعطاء ونهاره الساطع ببغداد وباقي المحافظات الثائرات .
مما قرأناه , يتبين لنا أن الزمن يقسّم نفسه الى حقب ; زمن يأتي بأشرار وشياطين وزمن يرث أحلامهم , وزمن يأتي بأبطال خيّرين وزمن يرث أحلامهم . بهذه المتوالية تتقدم الشعوب وتتأخر , فالدولة التي تتقدم تكنولوجيآ في كل نواحي الحياة تبدأ بأفتراس جارتها بسبب خلل بالدولة الفريسة كالخلل في التوازن الطبيعي الذي جاءت به نظرية دارون لتنتقي قدرآ جديدآ لها على حساب جارتها وهو امر طبيعي جدآ ومنسجمآ بحسب السياسة تلك أن تمتلك الجارة واقعآ جديدآ ضمن تأريخها .
بهذا الإعتبارتضيع الدول والشعوب ثم تخضع للنفوذ ولا تنجو من التفتيت للأسباب التالية ; اولآ , الصمت الدولي في الماضي والحاضر الذي يمنح الحرية للتدخل وإبتلاع الأرض ولا يتيح إلا الدعوة الى الحوار بين الأطراف المعنية , مع أنه يدرك أن التدخل هو المرض الذي اصاب السياسة في كل مكان ودأبت عليه الممالك الوحشية المتنكرة بمنظمة الامم المتحدة أن لا تحرك اجنحتها قبل ان تعرف ماهي حصتها من كل ذلك .
ثانيآ , سوء الأحوال الداخلية للبلاد الموروثة من احقاب مضت وهي عديدة وتختلف من بلد الى آخر .
ثالثآ , سوء الإدارة والفرقة بين السياسيين واللاسويّة في الرؤية المستقبلية للبلاد , فإنجاز القوانين والقرارات التي تفتح نوافذ الإقتصاد والتنمية وتشرع بالإنفتاح على عالم حر مستحيلة وميؤس منها وخاصة في ظل المحاصصة وأزدواجية الولاء .
رابعآ , فساد السلطة الذي ينمو ويتطور كل يوم والمضي بالقوانين القديمة التي تخدم مصالحها , بسبب إنشغالها بالفساد ماينجم عن ذلك عدم إتاحة الفرصة للبلاد ان تتمتع بقوانين تزهر الحياة وتثير حماسة الشعب ليتنفس بأجواء جديدة بسعادة ورفاه وتجعله يؤمن ان الدولة ذات إنسانية وقلب حنون ,
تنتقي المشاريع التي تحتفي بالإنسان وتهذب النفس وتكسر جليد الثقة المعدومة بينها وبينه لإنتشاله من عيشة التخلف وخلط الجد بالجهل والانحراف والجدب الى عيشة تنجي من ذل الفقر ووجود اكثر جذبآ للعمل والإبداع الذي يستحقه بعيدآ عن الوعود الكاذبة والإستماع بلا رغبة الى مطالبه وإفتعال الأزمات التي تهدد كل فرصة لتقدم الحياة .
خامسآ , صبغة العمالة التي تصطبغ بها بعض الكيانات السياسية الفاسدة عبر تنفيذها لأجندات الدول الداعمة لها سياسيآ , فتتستر عادة خلف عناوين حزبية شعبية تارة وهي في حقيقة امرها منظمات اجرامية تقف بالضد مع تطلعات الشعب داخل الدولة الخاضعة وتارة تنتقل بشكل مفاجيء ,
لطموحها بالبقاء , الى وضع تسميات لها استنتاجية ذات دلالات بإهتماماتها السياسية لتستفز مؤيديها ومعارضيها داخل البلاد لتستبين منهم طريقها بدقة اكثر لتضمن بقائها داخل اللعبة السياسية .
وتارة أخرى تتستر خلف عناوين شركات صناعية كبرى ذات تأثير على الجانب الخدمي والأقتصادي لتلك الدولة , فتعتبر نفسها فاعل ثانوي ترتبط بالفاعل الأصلي وهي الدولة التي أنشأتها فتنوب عنها بإصدار الخطط والتوجيهات والمشاركة بالأجتماعات مع الحكومة الفاسدة لكي تنأى الدولة الراعية عن القاء اللوم او المسؤولية عليها .
واحيانا تتبنى شركات صغيرة تعمل بثوب قانوني في تنفيذ مشاريع خدمية وما شابه وهي في حقيقة أمرها تستقرأ طبقات الشعب والمحتجين على الاوضاع الصعبة لتتوصل الى نتائج وتصورات يمكن ان تحال الى حجج تدون في خطاباتها السياسية لتحرك الصورة السمجة في نفوس معارضيها لتحرك مواقفهم الصلبة والمتباعدة تجاهها.
وأحيانآ يقوم أحد هذه الكيانات السياسية بالوقوف الى جانب شركة تجارية محلية كبيرة الى ان تصبح اداة بيدها من أجل البدء بعملية غسيل الاموال لتنشيط اقتصاده . من هنا ينشأ الفساد السياسي , إذ كلما تتسع دائرة التدخل السياسي في الشركات الأخرى كلما زاد دخل الفساد وزادت معه أيام بقاء هذا الكيان بالسلطة .
وعاودت تركيا العثمانية الكرة هذه المرة في تدخلها بالشأن الليبي عندما وجدتها كحال العراق , دولة مفككة وجاهزة وذات سيادة ناقصة بعدما عبثت بها الكيانات المسلحة المجرمة التابعة للقاعدة وداعش والنصرة وعصابات مسلحة أخرى وتركوها تواجه قدرآ يهددها بشياطين تزحف لهدم اسوارها وبنائها وكيانها العربي .
هؤلاء الشياطين العثمانيين الذين لم يتعظوا من قبور أسلافهم ولا من الآف الأسرى المعوقين ولا من تشريد الآلاف من الشعوب في فترة امبراطورية العمامة التي جاءت منذ القرن السادس عشر والى الآن لتحقيق فكرة ” من الم الشعوب نصنع المجد ” لأنهم مازالوا مرضى بداء السلب والنهب وصناعة الحرائق والألم التتري .
الوجود بسياسة المسكون بالعثمانية
ان اردوغان ومنذ تولية رئاسة السلطة في تركيا عام 2014 دأب على اسلوب الكذب والخداع والتضليل وخلق نوعا اخر من دروس السياسة التركية من خلال تعديل الدستور حيث تم الغاء منصب رئيس الحكومة لتتحول البلاد الى الحكم الرئاسي .
وتغيّر خطاب حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه وكانت سياسته بعد التعديل تلّوح بالعودة الى إحياء وتعميق الشعور القومي وهذا لم يأت من فراغ بل من جذورالامبراطورية العثمانية الراسخة التي كانت إبان القرن السادس عشر مهيمنة بالسلطة والنفوذ على العديد من دول أسيا وأفريقيا.
وبدأ بتغيير الحياة بأساليب تتنوع بين المكر السياسي وأفكار توحي بالعودة الى ما قبل مئة عام عندما كانت خارطة تركيا العثمانية تمتد من دول حوض البحر الاسود وشبه جزيرة القرم واليونان وايران والعراق ودول الخليج ودول بحرالادرياتيك شرقآ الى الجزائر ومصر والحجاز غربآ .
وللبدء بسياسة جديدة يكون من المهم ان يقوم اردوغان بوضع استراتيجية تخدم مصالح تركيا على المدى البعيد والقريب وتحقق طموحاته على المستوى الشخصي , على الرغم من وجود تيارات سياسية ترفض المساس بالنظام العلماني وتشجيع الخطاب الديني خصوصا ان تبديل تربة كمال اتاتورك الدستورية بتربة اخرى او صياغتها برؤية جديدة يعد خطا احمرآ في أيديولوجية تلك التيارات.
فبدأ بسياسة التدخل بالعراق ملوحآ بحماية الأقلية التركمانية من الأضطهاد على ايدي الكورد من ناحية وبخطر حزب العمال الكردستاني المتواجد في بعض المناطق من كردستان من ناحية أخرى . فحقق بهذا لنفسه مشروعية التدخل اللاحق والتمهيد الى الخطوات اللاحقة . والخطوة الاولى كانت على طريقة العقد المنفرد الذي قامت به داعش لتتيح له الدخول عسكريآ بعد أن توقد حرائقها فيه وتكون حجة حماية الحدود الجنوبية مع العراق حيلة وامرآ كاذبآ مبنيآ على فكرة السياق الذي لايخل او يزدري السيادة الوطنية العراقية .
فقامت داعش عام 2014 بأنجاز العقد المنفرد للأسباب التي أشرنا اليها وبدأ التعاون الحميم بينها وبين أرومة التتر الجديدة برعاية اردوغان وقاموا معآ بالنهب والسلب لثروات العراق وفعل المنكرات التي لم تخطر على بال أي رجل دين ومذهب بالعالم .
بعد هزيمة كلابه السود حان موعد التدخل العسكري التركي بحجة حماية الحدود التركية , ممن يزعمون انهم ارهابيون بعدما كانوا معآ في خندق واحد للإرهاب , وحماية الاقلية التركمانية ومواجهة أستقلال كردستان في حال قيامه . وهنا تهيأ اردوغان المسكون بالعثمانية لتسمية الوجود الذي يريده وهو بعشيقة فأقام لقواته قاعدة عسكرية في عام 2015 .
كانت نوايا اردوغان معروفة لدى جميع الأطراف , فهو مسكون بأفكار سبنسر وعالق بتلابيب احلام الأمبراطورية العثمانية وأطماعها في الموصل قبل وبعد إحتلالها من قبل السلطان العابس سليم الأول وبمساعدة من قادة الكورد آنذاك الذين لبثوا بأرجوحة الولاء بين الأمبراطورية الصفوية والأمبراطورية العثمانية في عهد السلطان بايزيد وسليم الأول , “وتلك امة خلت لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” .
ربما في ذلك كانوا يختبرون واقعآ تأريخيآ جاءت به تركيا لتحقيق الواقع المتخيّل دون ان يدركوا انهم بذلك قد اختاروا موتهم داخل اراضيهم طيلة ذلك الزمن . فلو وقفوا مع أنفسهم أولآ بإرادة مسلحة تريد الخلاص من التبعيات , وهذا مايراه المراقبون , لكان ذلك أفضل من الإعتماد على كيان آخر يقع خارج اراضيهم يعطيهم وجودآ وقتيآ يشفُّ عن واقع مسخ دائم ودفين .
ويظن الكثير أنهم كرروا الخطأ نفسه , عندما وقفوا صامتين أمام دعوى اردوغان أنه ببسط ذراعه العسكري داخل الأراضي العراقية إنما هو لتدريب القوات الكوردية ومحاربة الإرهاب وهم يعلمون علم اليقين انه كاذب جاء ليأخذ وجودآ منهم هذه المرة , أي أن الآية جاءت مقلوبة مع انها تتطابق بالنهاية مع ماذكره التأريخ عن السلطان سليم الأول .
لاشك ان ذلك يرتبط بلعبة الولاء ايضآ , إذ ان العابس المزيف , ومن سواه , يريد أن يخدع الكورد بجعلهم جزء يستعينون به لمضغ طعامهم . ولكن هذا لا ينسجم مع الإرادة المسلحة الكوردية بالطبع , ولو نفترض جدلآ أن ذلك قد تم فينبغي أن ينتقي الكورد السياسة والوقت الذي يتبلور فيهما وجود شعب عريق الى وجود أجمل بشفافية الهواء وصلابة الجبال لينتموا بالولاء اليه . لأنهم يعرفون أن وجودهم يرتبط بوجود الإرادة المسلحة الكوردية التي تتطلع الى وجود غير ملتحم بصيرورة وجود آخر لكي لا يدخلوا ثانية في صمت طويل قد دخلته شعوبآ قبلها .
ولا يسر أحد أن يتأنى الكورد في ذلك , إذ أن ذلك يدل على فقدان مفاتيح الإرادة المسلحة ما يتطلب الدعوة الى إعادة تقييم السياسة المتبعة بأخرى تحمل بذور التحديث بالرؤى والتعامل مع الاحداث ضمن سياقاتها الزمنية .
وبدون ذلك لا إجابة لما يفعله راعي الكلاب السود الذي وقاتل الشعب التركي في كل يوم بذريعة الانقلاب الفاشل . وليس من الانصاف ان ندعه يعبث في اراضينا بعد دوره البارز في احتلال الموصل والمجازر الجماعية التي حدثت امام عينيه والفزع الذي سمح به والبكاء بلا انتهاء والذل والمهانة وتدمير البنى الأجتماعية والثقافية بنتاجها المميز الذي طال أبناء الايزيديين والعرب وباقي الاقليات بانماط منحرفة من السلوك الإنساني .
لعل هذه آخر مظاهر السياسة القذرة التي شاهدنا بها صيرورة الممالك الوحشية منذ قرون ويمكن ان تكون سياسة العابس المزيف انما جاءت في اخر قطعة من ذيلها الطويل وقد تمخضت عن رغبة حاكم لا اساس له للوقوف على اراضي الغير سوى احلام جربها آبائه الغابرين لاكتناه امبراطورية سامية على حساب كرامة وحرية الشعوب .
ثم اختفت جراء البطر واكل الحرام والعنف والاضطهاد في حقبة سطعت بها الداروينية الأوربية التي وضعت حياة البشرية كمعادل موضوعي لصورة الحياة الطبيعية وأيقظت فكرة البقاء للأصلح التي تستفز الإنسان لإمتلاك القوة دون ان يتقصى حدوده فينتزع بها وجود الآخرين من جهة وطمر مراحل تطوره بالتخلف والفقر والجهل من جهة اخرى من اجل ان تصبح ثروات الشعوب في متناول اليد .
بهذه الركيزة الوجودية المحفورة في ذاكرته الدونيّة , ارتكز العابس المزيف ثم تجرأ بالتدخل بالجغرافية العراقية بتوافق تام مع معايير الداروينية . وبهذا المعنى كذلك نرى وقوف الممالك الوحشية كوقفة كلاب الغابة وهي تراقب متى ينتهي الضبع العثماني الجديد من تمزيق أوصال العراق ليأتي دورها بالمأساة جاهزآ لرؤية أحلامهم وانطباعاتهم المختبأة في عقولهم وصدورهم لتستحيل الى نمط جديد آخر من انماط الوجود غير الذي رسمته معاهدة الوحشين سايكس وبيكو .
الخاتمة
اهل الاحلام الذين انقلبوا عندما كذّبوا بالود مرة وتنكروا للعرف وحرمة الجيرة وأغلقوا رتاج انسانيتهم بانانيتهم وكانوا سادرين بالعدوان على اقصى الشمال العراقي بأفاعي الشر في الليل السكين , رجعوا في حزيران 2020 هذه المرة بالنهار المغلول بجائحة مرض طليق ملأ جيوب الارض بأخوة في القرب والبعد ,
يقودهم اسود القلب طامع , ورث من هولاكو شح العقل بالدين والأخلاق والقيم وعُقد الدونيّة , لايمنعه الحقد من النوم ولا يملّ من العدوان بالظالمين على المظلومين بكل شيء قاتل , لينهل من الحرام صررآ يطعم بها اهله . هذا العقرب المعصّب بالعمامة العثمانية , اليابس الجبين , تطيب نفسه إذا رأى الاطفال يجمعهم البكاء والعويل على اذرع الامهات في الليل الحزين.
لن يهنأ من سار على منهج راتزل وسبنسر .. وهل يهنأ من يسوق المال والحلال من أهل لا يملكون سوى الله ؟
من الواضح ان هذا التدخل هو نتيجة تؤيد فكرة راتزل ان الحدود كائن مكاني والدليل على امكانية تطبيق مناهج الداروينية على حدود البلدان . ولا شك ان القوة العسكرية والاقتصادية وضعف البلدان للأسباب الواردة ونقص السيادة شجع بالأمس واليوم على هذا الفعل الشنيع الى المدى الذي يتطور كل يوم . من هذا التدخل ندرك ان السياسيين الأتراك الجدد وهم يرتدون البدلات الفاخرة التي يرتديها الأشراف من الناس ليسوا سوى طبقة سياسية وظيفية بلا قواعد اخلاقية او دينية.
نستطيع ان نثبت ذلك , فلو هذه الطبقة السياسية تريد رفاه المجتمع التركي ما كنا نرى كل يوم الأعتقالات في صفوف الشعب بحجة الأنقلاب الفاشل , لكنها وسيلة تؤدي الى تحطيم النسق الأجتماعي المتنوع وخلق صراعات مختلفة . وقد بدا ذلك بطريقة واضحة من اجل تحقيق اهداف شخصية أنانية . الذي يفعل ذلك لا يتوانى عن التحرش بالآخرين والأضرار بمصالحهم .
هذه الطبقة الوظيفية المؤمنة بأفكار راعي الكلاب السود هي الطبقة الوظيفة نفسها في كل الكيانات المستبدة بالعالم , فلو نمعن في تركيبتها نرى انها بالأمس واليوم تمثل نسق من انساق القرابة بالطاغوت لكنها مفصولة عنه تمامآ بنظام التابو الذي يحرم اتخاذ أي اجراء يعيق قراراته الفردية , بل تتجنب الإشارة الى اي حقيقة عقلية تتعرض للأنتهاك من قبله و بذلك تقترب من نزعته العدوانية وغاياته المحلقة في أحلامه ليبدأ التنافر بينها وبينه .
لهذا تتحمل الدول المجاورة الآثار المترتبة على ذلك أحيانآ عندما لا تتوفر القوة المتوازنة مع الطاغية فتكون كورقة في مهب الريح ,فتلجأ الى سياسة الأحتواء Containment التي تمنع المعتدي من الأنتشار سواء بأيديولوجية ظلامية أو بالعدوان على الأرض .
وأحيان أخرى تلجأ الى سياسة الأحتواء مع إقامة الأحلاف العسكرية بينها وبين الدول المتضررة جراء الغزو أو التدخل . بهذه المعادلة يمكن تقدير الموقف بأنه تقديرآ سليمآ. الشيء الذي يجدر ملاحظته , أن الجانب الكوردي وأي دولة أخرى لم تتناول هذا الموقف بشكل جمعي والوقوف وقفة رجل واحد امام الغازي ويبدو ان امر الغزو لم ينل الآن سوى اهتمام ضئيل وذلك بكتابة التعليقات في الشريط الأخباري لقنواتها فحسب .

لا نريد ان نطيل ونكتفي بما اشرنا , لكننا اذا اردنا ان تحيا متاحفنا بتأريخنا وان لايتداعى الوطن من تسلل الذئاب الشاذة , علينا أن لا نخاف من قدومهم , بل نحتج بإنفعال شديد اللهجة , وقبل أن يطلوا من نوافذ بيوتنا ويملأوا شوارعنا الخالية بالمتاريس والالغام وتصبح الحلول السياسية نحيلة كالخيوط , علينا ان نضاعف صدورنا على جبالنا بلا اغطية او لهب سراج. وبغير ذلك سيزحفون بعربات من الحجج والذرائع ليبطشوا بالحرث والنسل ومن ثم التهيؤ الى اجبار البلاد على اجراء تسوية بشروط استعمارية وبمفاتيح معروفة لدى الجميع انها من وسائل سياستهم القذرة .
أن الحكام المستبدين بالعالم الذين يفخرون بالقوة والنار وطالت بهم لقمة الحرام وكانوا على جيرانهم قاسطين , هم في حقيقة الأمر لايؤمنون بالله واليوم الآخر كما وصفهم الحق أنهم حطب جهنم , لأنهم مازالوا يظنون ان السياسة لعب بالقوة والحيلة وسوء الاخلاق والكرامة , المغفل فيها من يقبل بشروطها الإنسانية ويمهد لنفسه النسيان .
أما الشعوب التي تبحث عن الطمأنينة والحرية والسلام بالوسائل السياسية من دون ان تسحق إنسانيتها , فإنها تقف حائرة امام جوهر هؤلاء فهي لاترضى ان ينتزع منها وجودها ولا ترضى ان تجتذبها الغابة بمعاييرها فتثور على المستبدين ثوران البرق المرعب لحيوانات الغابة .
ولكن امام هذين الخيارين أظن أن اي سلطة شرعية بالعالم تضطر للقيام بالأجراءات والاساليب التالية التي تعتبر اقل من معدل العمل الحربي المحتمل الذي يتطلبه تحقيق الاهداف التي تسعى اليها :
أولآ , مسك العصا من الوسط , أي بتحجيم حركات المستبد عن طريق دسّ القطعات العسكرية متساوية القيمة أمام خطوطها الأمامية مشبعة بالرؤوس العاقلة الوطنية المجربة في سوح الوغى ليعلم الغازي ان هذا هو رباط الخيل لكي لا يتشبث بمواضع أخرى وهذا هو الأهم .
ثانيآ , الأعلان والدعوة الى شراء أحدث الأسلحة لتقويض الحالة المعنوية للغازي , وتحذير المستبد من عدم الأضرار بالمدنيين وممتلكاتهم الخاصة والمطالبة بتعويضهم .
ثالثآ , اطلاق نداءات الأستنكار ودعوة سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وممثل عن الناتو للأجتماع لتحمل مسؤولياتهم .
رابعآ, تنظيم الاحتجاجات الشعبية والحملات الاعلامية ضد مشروع تركيا الوجودي في شمال العراق لنجعلهم يشعرون ان اليوم الذي دخلوا به العراق كان خطأ ويومآ بائسآ عليهم وستمطر السماء دما عليهم اذا تمادوا بالبقاء .
خامسآ , على كافة القوى السياسية الوقوف صفآ واحدآ امام التحديات ونبذ الخلافات وإعلام الجميع ان الارض تتآكل والزمن لايمضي ببطء والعالم غني بالتجارب وتكفي ظلال معاهدة سايكس – بيكو انها مازالت الركيزة لتسلل الذئاب من خلف الحدود , ومازالت أحلام القذرين تنطوي على العدوان وفرض الحلول بالقوة التترية .
سادسآ , الذهاب الى اعطاء مهلة لأنسحاب العدوان , بالتي هي احسن , عن بلادنا بعد إطلاعه على مايجري , فاذا صم اذانه واثر ان يتجاهل مايجري وزاد في غيّه فالذهاب الى قطع التبادل التجاري يكون الخيار الثاني وتهيئة الأمور فيما يخص الدعوة الى الأجتماع لتنظيم حق البلاد في الموارد المائية .
ليعرف المستبد اننا نتاج دين حنيف وعلاقات إجتماعية ودولية تعتمد على المعايير الأخلاقية وأفعال إنسانية بعيدآ عن الغزو السافر والاعتماد على صيغ السياسة القذرة التي اعتمدتها الممالك الوحشية , ومن بينها السلطنة العثمانية , التي خرجت بالحروب وخلقت الصراعات والنزاعات طويلة الأمد وتقسيم المجتمعات الى طوائف واثنيات لترث الاسباب نفسها التي دعت الى الغزو قبل ذلك لتبدأ القوى المتناحرة مرحلة التنافس ثانية لتكوّن ممالك وحشية جديدة وعصر جديد بقوانين جديدة تتطابق مع الواقع الذي تصنعه تلك الممالك.
بهذا الأجراء الذي يخلق صورة حريصة على السلم بين المجتمعات بعيدآ عن كل وسائل السياسة القذرة ونظريات المؤامرة وموقف البلاد الرافض للعودة الى تلك الاساليب والنظريات التي جاءت بها الداروينية بأساليبها الجديدة , يمكن ان يقوم العابس المزيف بدراسة الواقع الملموس ويحتذي بالوسائل السياسية والنموذجية المقدمة والتمييز بين سياسة السلوك العقلي وسياسة السلوك المنحرف بثياب الحروب .وبعدها تقرر السلطة السياسية بالامر الذي يحفظ جبين البلاد والعباد والسيادة الوطنية .




الكلمات المفتاحية
الحروب النساء رباب الداروينية

الانتقال السريع

النشرة البريدية