الجمعة 07 آب/أغسطس 2020

فلسفة صمون* عشرة بألف والبرنامج الحكومي

السبت 04 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لأني من هواة سماع الكلاسيكيات من الأغاني العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص ولأني متابع سيء لكل ما أفرزه العصر الحديث من أنواع الفنون بكل أشكالها وخاصةً الغنائية منها , لم أكن أعرف أن ذائقة المواطن العراقي قد وصلت إلى ما وصلت إليه من تردي وإنحدار قل مثيله في منطقتنا العربية , ومن باب المزاح والسخرية أرسل لي أحد الأصدقاء على تطبيق الواتس آب مقطعاً لأغنية شعبية عراقية عنوانها ( صمون عشرة بألف ) لمطرب أسمه سعدون الساعدي وذيلها بعبارة : أنظر إلى أين وصلنا يا صديقي ..
لا أخفي عليكم أن العنوان قد جذبني , وأن غرابته قد لفتت إنتباهي فما معنى ( صمون عشرة بألف ) ؟ وأنا أعلمُ أن الصمون يُباع ثمانية بألف في كل أفران العاصمة بغداد , أو تسعة بألف في أحسن الأحوال هذا إذا كان صاحب الفرن يبتغي رضا الله ومساعدة الفقراء والجياع من أبناء هذا الشعب المسكين .
ولما فتحت رابط الأغنية وسمعت كلماتها ولحنها الذي لا أعرف نوعه أو جنسه وتأملت جيداً في الكلمات التي كانت غير مفهومة بالنسبة لي للوهلة الأولى وجدتها تتشابه مع الوضع السياسي الذي نعيشه في العراق العظيم فسعدون يقول :
صمون عشرة بألف
ونبيعك وما نختلف ….. صمون عشرة بألف … صمون
ألزم سرانا الأول …… الجمهور يمي تحول
ما الذي يقصده حينما يطلب من الجميع أن يتركوا طابورهم ( سراهم ) ليتخذوا الطابور الأول ؟؟
هل كان السرا الأول أحسن ؟؟ لأنه كان يبيع الصمون عشرة بألف , فيما بقية الطوابير تبيعه ثمانية بألف !!!
هل كان سعدون وعلى فطرته يروج للحكومات السابقة التي كانت تبيع الصمون بأسعار رخيصة ؟؟
ولكنها قتلت الناس وباعت الأرض ونهبت خيرات البلاد وذلت العباد !!!
يذهب سعدون لأن يتوعد الناس فيقول :
أنا أبو الصمون واكف يم الفرن ..
جايكم بالعيد ومفول شحن …. أطكم مثل البيض…. أطكم بالدهن …
أعتقد أن من حقه وهو صاحب الفرن أن يطكنا مثل البيض , فالفرن فرنه وما نحن إلا طلاب حاجة نبتغي الحصول على سبب عيشنا المتمثل بالصمون .
فبالصمون وحده تحيا الدول وتعيش , فلا معنى للحياة بلا صمون , ولا قيمة لكل شيء بلا صمون , فالصمون هو كل أسباب حياتنا , ولولا الصمون لما عُبِدَ الله .
يتنبأ سعدون في نهاية أغنيته التي جلبت ملايين المشاهدات في فترة قياسية فيقول بكل بساطة ووضوح :
أحتركَنا … أحتركَنا … ألله
أعتقد أنه كان واضحاً في أن الشعب سيحترق عن بكرة أبيه إذا لم تضع الدولة يدها على أفران الصمون وتمنع اللصوص والقتلة من التحكم في سعر الصمون .
أعجبتني أغنية سعدون فقررت أن أتابع كل أغانيه ولما وضعت أسمه في محرك البحث كوكل المقدس وجدت أن له أغاني أخرى كثيرة تحاكي واقعنا المزري في ظل حكومات الإسلام السياسي أهمها حسب ما يقول ( د صورني يا عطواني ) , وفي الحقيقة لم أعرف من هو العطواني الذي يقصده سعدون الساعدي ولكني فهمت أنه يريد منه أن ( يطلع شكل ثاني ) , أي أن يزوقه ويُظهره بمظهر جديد مختلف , وهذا حال أحزاب السلطة التي تناوبت على حكم هذه البلاد منذ حمورابي ولحد الآن , أو قد يكون هذا هو قانون السلطة الخالد والحقيقي , فكل ما جائت أمة لعنت أختها كما أخبرنا الله على لسان أنبياءه .
فالكل يلعن الكل ويدعي أنه أحسن , وما إن يتمكن حتى نكتشف أن ليس سوى نسخة كاربونية سخيفة ممجوجة لمن سبقه , وهم بهذا يتماهون من دون أن يعرفوا مع أغنية سعدون ( ماتت العمه .. أفرحن يالجناين … ماتت العمه )
سعدون يستمع للملايات ويستمتع بكلماتهن وبطريقتهن في النواح حسب ما يقول في لقاء تلفزيوني على أحدى الفضائيات التي لا اعرفها , وهو هنا يغني للفقراء والبسطاء من الناس ويحاول أن يبتعد عن الغناء الأكاديمي حسب ما يسميه لأنه لا يتقنه وليس لونه ولا يجيده فهو يحب الهوسات كما يقول , والرجل هنا واضح جداً ومحترم فهو يعرف حدود قابلياته وإمكانياته فيما أحزابنا المقدسة التي جاءت بها الدبابة الأمريكية تحاول أن تجر ولد الخايبة إلى حرب مع أمريكا تنسف بلادنا نسفا وتجوع أبنائنا وأبنائهم هذا إذا كُتب لهم البقاء في ظل هذه الحروب العبثية والحمقاء التي يوقد لها ساسة الإسلام السياسي دون معرفة بعواقبها وبإستخدام شعارات جوفاء لا قيمة لها ولا معنى أمام صواريخ الكروز وطائرات الدرون المسيرة وصواريخ ال f 16 الموجهة بالليزر .
سأل المُقدمُ سعدون وهو يحاول أن يسخر منه : ماذا إذا منعتك نقابة الفنانين من الغناء ؟؟
فأجابه ببساطة : إذا طلبت النقابة مني ترك الغناء فسأتركه .
وهنا تذكرت حكومة السيد عادل عبد المهدي التي لم تترك كرسي السلطة إلا بعد أن قُتل أكثر من ألف شخص وجُرح أكثر من ثمانية وعشرون شاباً عراقياً خرج ليقول : لا لحكومة المحاصصة والفساد .
ألا تعتقدون أن الحكومة تحتاج إلى وضوح سعدون وصراحته في إدارة أمور البلاد وشؤون العباد ؟؟
سأل مقدم البرنامج سعدون : كيف تخرج وتُقيم حفلاتك في ظل جائحة كورونا ؟؟ ألا تخاف من الإصابة بالمرض ؟؟
أجابه : أخرج من أجل مبلغ ال ( 400 ) ألف دينار التي هي أجري عن الحفلة .
ولما قال له : هل تعتقد أن هذا المبلغ يستدعي منك المجازفة بحياتك ؟
أجابه سعدون : ما يدري خلف بصواب عيدان .
أعتقد أن على الحكومة المتمثلة بخلف فهم كل الذي يمر به عيدان المتمثل بالفقراء والجياع وأصحاب الأعمال اليومية في ظل هذه الظروف المقيتة التي يمر بها العالم كله .
بعد أن نجح سعدون في رحلة البحث عن الصمون ها هو يستعد للبحث عن الكليجة والريحان والشربت , فعن ماذا تبحث حكومتنا الرشيدة ورجالاتها المثقفين ومستشاريها الأفذاذ ؟؟؟
نتمنى على الحكومة وهي تتجه للإقتراض من اليسوا والمايسوا أن تفهم فلسفة سعدون الساعدي وهو يقول في رائعته :
اذب روحي نجخ بالطين … كلها وما نوافي الدين …
الصمون : كلمة عراقية تُطلق على نوع من أنواع الخبز , وقد سمي بهذا الأسم نسبة إلى السيد سيمون الأرمني الذي كان الشخص الأول الذي أدخل هذا النوع من الخبز إلى العراق




الكلمات المفتاحية
البرنامج الحكومي فلسفة صمون

الانتقال السريع

النشرة البريدية