الأربعاء 12 آب/أغسطس 2020

لماذا أضحك في سِرّي ، كلما سَمعتُ وَعداً بتحسين خدمة الكهرباء !؟

الخميس 02 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

هنالك مُعتَقد سائد بين الناس ، أن مجرد دخول محطات توليد كهربائية جديدة على الشبكة العامة ، هو الحل الجذري للقضاء على هذه الأزمة المستعصية لدينا، وأنا لا أنفي ذلك ، إلا أنه جزء ضئيل من الحل ، لا يتجاوز 20% من الأزمة ، فيُقال أن العراق يُنتج حاليا ما يقارب 15000 ميگاواط من أصل 25000 ميگاواط هي الحاجة الفعلية للبلد ، ولو فرضنا أن وزارة الكهرباء ، أدخلت محطات توليد على الشبكة لأنتاج الطاقة الكاملة السابقة الذكر ، هل يتصور المواطن أنه سيهنأ بالهواء البارد صيفا ، أم التدفئة والماء الحار شتاء ؟ .

قطعا لا ، فالمواطن كمستهلك ، لا يتصور مدى تعقيد عملية انتاج ونقل الطاقة حتى منزله ، فالأمر يبدأ بإنتاج الطاقة الكهربائية من مختلف المصادر ، فهنالك محطات حرارية وغازية وبخارية وهيدرومائية تلك المتولدة من المساقط المائية ، وعند محطات التوليد تُولدْ كهرباء بفولتية 11KV ، أي 11000 فولت ، وأرجو التفريق بين مصطلح (KV) كونه يدل على قيمة الفولتية (كيلوقولت) ، و (KVA) ، وهي الطاقة التي تقاس بالكيلوواط ، تُرسل هذه الطاقة الى محولات رافعة للفولتية (Step Up Transformer) ، حيث تُرفع الفولتية الى مقدار يتراوح بين 125-400 KV ، حسب المسافة التي تقطعها هذه الطاقة الى حيث المستهلك والتي تبلغ مئات الكيلومترات ، تُنقل هذه الطاقة بواسطة ابراج الضغط العالي ، وبمسافات حوالي 250 متر بين برج وآخر ، وأرتفاعات شاهقة لحماية الناس من خطرها ، كونها لا تصعق باللمس ، بل لمجرد الأقتراب منها ، عدا المجالات الكهرومغناطيسة الشديدة المصاحبة للأسلاك والضارة بالصحة لأنها تحمل جهدا عاليا جدا ، ويُشترط عدم السكن قرب الأبراج أو تحت هذه الأسلاك ، وعند وصول هذه الطاقة الى الجهة المستهلكة ، على مستوى محافظة أو قضاء يتم خفض هذه الفولتية الى مقدار 33KV بواسطة محولات خافضة للجهد (Step Down Transformer) ، في محطات ثانوية (Substations) ، وتتفرع أيضا الى خطوط ، كل خط يتفرع منه عدة خطوط ثانوية توزع الى محولات خافضة أخرى من 33KV  الى 11KV توزع  بدورها الى الأحياء السكنية ، حيث المحولات التي نشاهدها في أحيائنا السكنية ، فتقوم هذه المحولات بخفض الجهد من 11KV الى 380V ثلاثي الأطوار أو أحادي الطور220V  وتدخل المنازل ، أي أن الأمر يشبه كثيرا تفرع الأغصان الرئيسية الى أغصان الثانوية من جذع الشجرة .

وهنالك سؤال مشروع قد يخامر القارئ الكريم ، هو لماذا هذا التعقيد ؟، لماذا لا تسوّق الطاقة على أنها 11KV  من المنشأ حتى محولات الاحياء السكنية ؟ دون حاجتنا الى هذا الكم من المحولات والمنشآت ؟ ، في هذه الحالة نحتاج الى فهم مبدأ فيزيائي بسيط في نقل الطاقة .

إن أهم مشكلة تبرز في نقل الطاقة ، هو خسارة جزء منها على شكل حرارة بسبب مقاومة الأسلاك ، وهذه الطاقة الضائعة تساوي حاصل ضرب مقاومة السلك في مربع التيار المار به ، لكن المهندسون ابتكروا حيلة ، فما دامت المقاومة أمرا طبيعيا مفروضا ومفروغا منه وهو جزء من المعادلة أعلاه ذات المتغيرين (المقاومة والتيار) ، فلماذا لا نقلل الطاقة الضائعة بتقليل التيار بإعتباره أحد عُنصري الضياع في المعادلة ؟ من هنا يأتي دور المحولة ، ففي المحولة تكون الطاقة الداخلة مساوية للطاقة الخارجة ، أي أن فولتية الدخول مضروبة في تيار الدخول مساويا لفولتية الخروج مضروبة في تيار الخروج ، لكن بالتلاعب بعدد لفات ملف مدخل المحولة (الملف الأبتدائي) وعدد لفات المخرج (الملف الثانوي) ، أي بأمكاننا رفع الفولتية بمقدار 10 مرات مثلا بواسطة المحولة ، ينتج عنه خفض للتيار الى عُشر قيمته ، كي يبقى حاصل ضرب المتغيرين ، التيار والفولتية (الطاقة) ثابتا ، أي أننا برفع الفولتية ، نخفض التيار بنفس النسبة ، وما دام التيار هو المسؤول عن ضياع القدرة ، أمكن حل المشكلة برفع الفولتية بمحولات رافعة ، ينخفض على أثر ذلك التيار ، ثم تسافر لمسافات بعيدة ، حيث المحولات الخافضة للفولتية ، فترفع التيار ثانية .

هذه نبذة مختصرة جدا ومبسطة لعمليات نقل الطاقة الكهربائية ، والمتابع العادي لمنظر هذه الأسلاك ، كأبراج خطوط الضغط الفائق التي نراها في الطرق الخارجية ، وهي تعاني (التهدّل Sagging) ، ومناظر أسلاك الأحياء السكنية المثيرة للخوف والشفقة في آن واحد ، نفهم مدى التحدي الكبير ، فالكثير من هذه الأسلاك قد مضى عليها أكثر من 60 سنة دون صيانة ، وهي على مقاس استهلاك تلك الفترة الذي تضاعف مرارا ، أي اننا بحاجة الى استبدال مئات الآلاف من الكيلومترات من هذه الأسلاك ، لتتحمل نقل الطاقة المتزايدة ، وتجديد شامل للشبكات القديمة ، مع أضافة مئات الآلاف من محولات تجهيز المنازل في الأحياء السكنية ، لأن المحولات الحالية لم تعد تكفي ، ونحن نراها تنفجر عند زيادة الحمل ، ونحن لم نرَ أي عمل جاد في هذا الخصوص ، إلا الترقيع المتهالك الذي لا أسميه حلا لأنه يستنزف المال دون طائل ، ولكم أن تتصوروا كلفة هذه المشاريع ومددها الزمنية ، علما أن كل ذلك لا يستغرق أكثر من سنتين ، لا 17 سنة ! وأن كلفة الصيانة الشاملة لا تتجاوز 10% من مجموع المبالغ المهدورة في وزارة الكهرباء ، وفي الواقع ، أن أضافة محطات التوليد الجديدة للدخول على الشبكة الوطنية الموحدة هو أبسط الحلول ، ورغم بساطته فهو غير متوفر ! ، ولو كانت هنالك إرادة حقيقية ، وتخطيط علمي يراعي أبسط المعايير ، فلا مفر على الأطلاق من أن تبدأ عمليات الصيانة من عتبات منازل المواطنين ، حيث الأعمدة (التيولة) الملتوية والصدئة والمهترئة والقاتلة لغاية أبواب محطات التوليد ! ، فما الفائدة إذا كانت المحطات تلبي كل إحتياجات البلد من الطاقة ، لكن الأسلاك والمحولات لا تحتمل نقلها !؟. 

لا أبالغ إذا قلت أن كل المنزل بحاجة إلى إختصاصي كهرباء ، فلا تكاد تمر بضعة أيام حتى نشهد سقوط طور واحد (فيزPhase ) أو أكثر بسبب إزدياد الطلب على الطاقة وبالتالي تلف الأسلاك ، فلا مفر من قيام صاحب المنزل من الإستعانة بكهربائي لتحويل خط المنزل على (فيز) ثاني أو ثالث ولنا أن نتصور حجم الخطر الذي يواجه القائم على ذلك ، وفي منطقتنا وحدها ذهب ضحية ذلك العشرات من الشباب .

أحيانا يسقط أحد أطوار الجهد العالي الداخل للمحولة ، وبذلك تقوم بإنتاج 3 أطوار ، أحدهما صفر فولت ، والثاني 110 فولت ، والثالث 220 فولت ، وسييء الحظ هو المشترك بخط 110 فولت ، لأنها تتلف جميع الأجهزة التي تعمل بالمحركات ، كالثلاجات وأجهزة التكييف ومضخات الماء والمبردات ، لهذا يستخدم الجميع أجهزة الحماية ، وهي تكاليف إضافية على كاهل المواطن .

كل تلك التكاليف لا تُقارن بتكاليف الجباية العالية ! ، رغم الخدمة (الطايح حظها) ، وقد أوكلت وزارة الكهرباء إلى شركات للقيام بالجباية في خطوة نشم منها رائحة الفساد والسرقة ، أحد معارفي استلم فاتورة بأجور بلغت 17 مليون دينار ، وعند المراجعة مرارا ، خفضوا الأجور إلى 400 الف دينار ! ، فما الذي يحدث بحق الجحيم !؟ ، ماذا لو دفع المشترك هذا المبلغ ؟ إلى أين سيذهب ؟! ، هل هي لجس النبض لأجل حلب المواطن ؟!.

تكاليف إضافية أرهقت كاهل المواطن ، هي إضطراره للإشتراك بالمولدات الأهلية وما ينتج عنها من إبتزاز وتلوث بيئي مخيف ، فكل 1 كم² من أحيائنا السكنية البائسة ، يضم ما لا يقل عن 4 إلى 5 مولدات ، وجميعها ذات محركات ديزل ضخمة ، تنفث سمومها في أجوائنا ، وجميعنا يعلم أن شاحنات الحمل التي تعمل بالديزل تُمنع من الدخول في المدن ، بل حتى سيارات الديزل ، يجري منعها حاليا في كثير من الدول .

كل ذلك لا يُقارن بأسلوب نقل التيار الخارج عن أي نظام أو منطق علمي ، وبتكاليف باهضة أيضا ، فجميع المشتركون يجري تجهيزهم بسلك واحد هو (الحار Live) وكَثُرت وتشابكت وتراكمت مع ضيم السنين حتى حجبت نور الشمس ! ، أما (البارد Neutral) ، فيجري عن طريق الأرض ، من هنا نعرف لماذا يتذبذب التيار صعودا ونزولا على الدوام ، عدا إبتلاء المواطن المستمر من إنقطاع الأسلاك المتكرر ، وخطر الموت بالصعقات الكهربائية ، وظهور طبقة من الشباب تأخذ على عاتقها مد تلك الأسلاك ، بل وحتى التحرّش بكهرباء الأعمدة ، وحدث أن طلب أحد سكان منطقتنا من أحد هؤلاء الشباب بتقوية قابلو المنزل من العمود بعد أن يأس من كثرة شكواه لدائرة الكهرباء دون جدوى ، فصُعق هذا الشاب وسقط ميتا ، فأضطر صاحب المنزل إلى بيع منزله ودفع ثمنه بسبب فصل عشائري ، ثم غادر المسكين المنطقة !.

ظاهرة مدمرة جديدة ، أوجدتها عقول خاوية متخلفة فاسدة ، هي القطع المتكرر والمتسارع للتيار الكهربائي ، فالتيار يأتي لدقيقتين ، ثم يُفصل لمدة ربع ساعة ، ثم يُعاد لدقيقتين وهكذا ، يستمر ذلك حتى تنتهي فترة التوصيل المبرمج البالغة ساعتان عادة ، وأثناء فترة التوصيل ، لا يشغل أصحاب المولدات مولداتهم ! ، لأن فترة التجهيز هي مثل (الترافك لايت) حرفيا ! ، وفي فترة التجهيز الوجيزة هذه ، لا تعمل أجهزة التبريد أو الأحمال الأخرى المربوطة بأجهزة الحماية لإنها تبقى بوضعية (إنتظار) حتى يحين موعد القطع التالي ! ، كل ذلك لأجل التجهيز المستمر لأحياء بغداد الراقية والتي يقطنها الميسورون ، والتي تتبانها شركات أهلية هي الأخرى على حساب الفقراء ، وهنالك بعض الحيل يلجأ إليها بعض أصحاب المولدات ، هي بتخفيض الذبذبة من خلال تقليل سرعة دوران محرك المولدة ، إعتقادا منه أنه سيقتصد بالوقود ، وهذه جريمة بحق كل الأجهزة التي تعمل بالتيار المتناوب البالغ (50 Hz) ، أو تخفيض الفولتية الخارجة من المولدة وبهذا تمنع أجهزة الحماية تشغيل جميع أجهزة التبريد ، فيقل سحب التيار من المولدة !.

باب واسع وكبير من أبواب تدمير المواطن ، وإبتزازه وإنهاكه ماديا ، ظواهر عجيبة غريبة لا تحدث في أكثر الدول تخلفا في العالم ، بل لا تحدث في أي دولة تمتلك الحدود الدنيا من الإحترام لنفسها ، فضلا عن مواطنيها لها ، فهل يعلم المسؤولون ما يكابد الغالبية العظمى من المواطنون في جحيم الصيف اللاهب ؟ ، قطعا لا ، فجميعهم يسكنون أبراجا عاجية خضراء ، تفصلهم عن المواطن أسوار تناطح السماء ، ولا بد أن يمتلك الباقون مولدات (خرساء) ، حوّلت بيوتهم إلى نعيم ، فمَن المواطن ؟ إنه مجرد عبء ووجع رأس تخلوا عنه منذ البداية ، كل ذلك البلاء من وزارة واحدة ، ناهيك عن سائر الوزارات التي لا تقل تقصيرا وفسادا وتخلفا وإستخفافا !.




الانتقال السريع

النشرة البريدية