الخميس 13 آب/أغسطس 2020

واشنطن، بكين، موسكو والعالم الذي يتغير

الثلاثاء 30 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

العلاقات الامريكية الصينية، من أكثر العلاقات الدولية، تجسيدا حقيقيا، وواقعيا لبرغماتية المصالح المادية، والسياسية، عبر تاريخ العلاقة بينهما. كان اهم ما يميزها، هو انها دائما تقع في المنطقة الرمادية التي تفتقر الى الوضوح. بدءا من عام 1953، عملت الولايات على التقرب من الصين، على الرغم من نظامها الشيوعي الذي هو منافس أيديولوجي للنظام الرأسمالي الذي تقوده، أضافة الى العداء المستحكم بينهما في ذلك الحين، خلال حرب الكوريتين، في محاولة منها، لتأسيس قاعدة عمل، تستخدمها منطلقا لها في المستقبل القريب، وقد حدث لاحقا، لأبعادها كقوة كبرى، عن الاتحاد السوفيتي في الصراع التنافسي، على مناطق النفوذ، في العالم الثالث، لأضعاف قوة التأثير العقائدي للاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، في شبه الجزيرة الكورية، عندما كان تأثير الصين الايديولوجي على النظام الشيوعي في كوريا الشمالية، ضعيفا بالقياس الى تأثير الاتحاد السوفيتي بفعل ضخامة القدرات والامكانيات للأخير، وفي شرق اسيا، وأمريكا اللاتينية، على وجه التحديد، وفي بقية العالم. زاد هذا التقارب الذي لم يكن في حينها، له وجود ظاهر للأنظار، حتى تحول بعد سنوات، من محاولة التقرب، الى فتح مجالات واسعة للتعاون، عندما وصل الخلاف الحدودي بين الصين والاتحاد السوفيتي او تحول الى القطيعة في عام 1963، بعد المناوشات العسكرية او الحرب الموضعية المحدودة التي جرت بينهما بأشهر، قبل هذا التاريخ. في عام 1979اقامت امريكا علاقات دبلوماسية مع الصين واعترفت بالصين واحدة، بعد ان سحبت اعترافها بتايوان. ثم بدأت الولايات المتحدة، السماح الى الشركات الامريكية الكبرى والعابرة للحدود والجنسيات، في نقل نشاطها، في الصناعة والتجارة والمال الى الصين، في استغلال الايادي العاملة الرخيصة والمدربة، وايضا السوق الصينية؛ مما ساهم مساهمة فعالة في تطور الصين في حقول الصناعة والتجارة والمال حتى وصلت الى ما وصلت إليه، كثاني اقوى اقتصاد في العالم، ويهدد مستقبلا باحتلال موقع الاقتصاد الامريكي. هذا لا يعني عدم وجود قدرة صينية على النمو والتطور بمعزل عن الشركات الامريكية، بل العكس هو الصحيح، لكن الشركات الأمريكية، ساعدت في تقليص الزمن في حرق مراحل التنمية والتطور، لجهة السعة والانتشار والحجم وبلوغ المنصات الصناعية فائقة التطور. استمر الوضع على هذا المسار، مع بعض الالتواءات في هذا المسار الصاعد، في فترة رئاسة ريغان للإدارة الامريكية، وإدارة بوش الابن الذي كان اول من دق ناقوس الخطر الصيني، حين اعتبر الصين منافس استراتيجي للولايات المتحدة. الأخير وفي عام 2007وفي زيارة له للهند؛ تم ابرام عدة اتفاقيات بين الولايات المتحدة والهند، كان من اهمها، العمل على تطوير وتحديث المنشآت النووية في الهند، والتعاون العسكري. كان الهدف الامريكي منها؛ هو بناء علاقات قوية مع الهند، لإقلاق الصين التي تتنازعها الهند في السيطرة على منطقة حدودية متنازع عليها بين الدولتين في سلسلة جبال هملايا. في الايام الاخيرة، حدثت مناوشات عسكرية بين الصين والهند في المنطقة المتنازع عليها، قتل فيها عشرين من الجنود الهنود بينهم ضابط برتبة عقيد، وقتل وجرح 43من الجنود الصينيين. الرئيس الروسي ولاحتواء الموقف، وخفض درجة السخونة والتوتر بين الجانبين؛ دعا الى عقد قمة ثلاثية، روسيا والصين والهند، الاعضاء في مجموعة ريك، لمناقشة العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية بينهم، والتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، ومناقشة الوضع العالمي كما جاء في الايجاز الصحفي للناطق باسم الكرملين. في عهد الرئيس الصيني الحالي؛ اتبع سياسة احتواء المشاكل مع الولايات المتحدة، الى الدرجة التي حاول بهذه السياسة؛ تصفير هذه المشاكل. لم يكتف الرئيس الصيني الحالي بهذه السياسية بل زاد عليها في دعم المواقف الامريكية في مجلس الامن، وأكبر مثال على هذه السياسة؛ ان الصين قد صوتت لصالح المشروع الامريكي الذي قدمته الولايات المتحدة الى مجلس الامن الدولي، الذي يعطي للأخيرة، المشروعية الدولية لغزو العراق. لكن المشروع لم يمرر بفعل تصويت الاخرون ضده. أضافة الى ما ذكرناه؛ قامت الصين في عهد الرئيس الحالي بزيادة استثمار الفائض المالي الصيني الضخم في سندات الخزانة الامريكية حتى بلغت في الوقت الحاضر، أكثر من ثلاثة ونصف ترليون دولار. في السياق، من المهم الاشارة؛ الى ان أمريكا ترامب، هددت الصين بالاستيلاء على هذه السندات كتعويض عن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الامريكي بفعل كارثة كورونا، في احالة، سببها الى الصين. في الفترة الاخيرة تحاول الولايات المتحدة تفكيك التعاون بين روسيا والصين بشتى الطرق والوسائل ومن بينها؛ دعوة ترامب، لحضور روسيا وغيرها، قمة الدول الصناعية السبع، المقرر عقدها في الشهر المقبل، فيما تجاهل الصين. نلاحظ ان الدول التي تمت دعوتها جميعها لها خلافات مع الصين سواء كانت هذه الخلافات، خلافات حدود او خلافات اخرى كما هو الحال مع كوريا الجنوبية التي تعتبر الصين، حليفا تاريخيا، واستراتيجيا، وايديولوجيا لكوريا الشمالية، وهي فعلا كذلك. هذه الدعوة، وفي كل الاحوال، محاولة امريكية، للانفراد بالصين. فروسيا لها خلافات حدودية مع الصين من ايام الاتحاد السوفيتي على منطقة حدودية متنازع عليها، وهي الان تحت السيطرة الصينية، بعد ان ضمتها الصين إليها، عندما تفكك الاتحاد السوفيتي، ونفس الامر مع الهند الذي تم الاشارة إليه. لكن روسيا، الاهم من كل هذه الدول التي تم دعوتها لحضور قمة الدول الصناعية السبع، الهند، كوريا الجنوبية، استراليا، روسيا، والغرض، هو ابعادها عن الصين، وطبيعي وبدرجة اقل الهند. وهذه لعبة امريكية قديمة سبق وان لعبتها الولايات المتحدة ايام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي كما اشرنا لها في الذي سبق من هذه السطور المتواضعة، فقد قربت الصين ودعمتها خلال الحرب الباردة بين قطبي العالم في ذلك الوقت. في السياق؛ ان روسيا، تدرك تماما ان تعاونها مع الصين، يكتسب اهمية كبيرة لها ولاقتصادها في عالم اليوم، ولا نقول تحالفها مع الصين، اذ، لا وجود لهذا التحالف على ارض الواقع، بل تعاون وشراكة تجارية واقتصادية ومالية في مختلف الحقول، من ابرزها، حقل الطاقة والغاز، وتوافقات وشراكات اخرى، تقتاضيهما الضرورة، في تشابك المصالح، وتداخلها في خندق واحد في مواجهة الولايات المتحدة. تحاول الولايات المتحدة الامريكية المحافظة على موقعها في صدارة النظام الرسمي العالمي، لتكون كما كانت قبل سنوات قليلة، هي القاطرة الاقتصادية والمالية والصناعية، الوحيدة، والأقوى، التي تسحب خلفها، مقطورات الاقتصاد والمال العالميين، في معاكسة واضحة لحركة التطور التاريخي، المذهلة، والمدهشة في سرعة هذا التطور الذي تشهده الآن، الكرة الارضية، على الرغم مما فيه، وفي اكثر من مكان في العالم، من خراب ودمار،( كما هو حاصل الآن في دول الوطن العربي..) ونذر وخوف لحرب كونية بين الصين وامريكا، قد تقع كما يقول المحللون السياسيون، وهي لم ولن تقع.. لكنه يؤسس لعالم جديد في طور التكوين والظهور في الوجود الكوني. العالم لم يعد عالم القطب الواحد كما كان قبل عقدين من الآن، كما أنه، لم يتحول، ولن يتحول، الى عالم القطبين، الصين وامريكا، المتنافسين، اقتصاديا وتجاريا، وماليا، وسياسيا، في حرب باردة ثانية، من نوع جديد كليا، كما تظهر في مشهد الاحداث على ظهر المعمورة. لو نظرنا، نظرة عميقة الى المشهد الاقتصادي والتجاري والمالي والسياسي والعسكري، والى الصراعات في العالم، سواء بين الدول المتجاورة او صراع داخل كيان الدولة الواحدة، وحجم التدخل الدولي والاقليمي في صراع داخل كيان هذه الدولة او تلك الدولة، لرأينا تحت سطح الصورة الكبيرة للعالم، التي تغطي سطح الكوكب ، عدة صور للمشهد الاقتصادي، والتجاري، والمالي، والعسكري، والجيوسياسي، والجيوبوليتيك، الذي تتدافع فيها القوى الدولية العظمى والكبرى، خارج حدودها الجغرافية من اجل مصالحها القومية، وترصين جبهتها الداخلية في نقل تنافسها مع بعضها البعض، الى بلدان الهدف، بخلق جبهة صلبة وقوية لها فيها. كلما زاد عدد الجبهات التي تؤيدها وتتلقى الدعم والاسناد منها، زاد حضورها، ومصالحها، وتأثيرها، ورؤيتها في حل النزاعات في هذه الدولة او تلك الدولة. ان جميع الدول الكبرى، تدرك ان اي منها غير قادرة منفردة على مواجهة التغول الامريكي في العالم، من مصلحتها الاستراتيجية؛ تشكيل كتل اقتصادية وسياسية، ومحاور، لمواجهة ديناصور المال الامريكي، المدعوم باقوى قوة عسكرية في العالم. ان مصالح القوى الدولية الكبرى تقتضي منها، للمحافظة على هذه المصالح بلا املاءات امريكية، التعاون مع بعضها البعض الذي لا يلغي او يقلل من تنافسها على المغانم والمصالح والنفوذ، لكنه يؤطرها. بما في ذلك دول الاتحاد الاوربي، مستقبلا، في نهاية المطاف، وبالذات حين تتيقن، وبالملموسات الواقعية، ان لا خطر عسكري روسي، يهدد كياناتها. من بين خضم هذه التحولات والصراعات بين القوى الدولية العظمى والكبرى، على المصالح والنفوذ؛ عالم جديد سوف يظهر، مما يقتضي بالضرورة الحتمية، وضع قوانين دولية تنظم علاقات الدول في العالم الجديد. ان هذا اليوم ليس بعيدا بل هو قريب وقريب جدا. الرئيس الروسي قبل شهر من جائحة كورونا، دعا الدول الخمسة النووية الى مؤتمر، لمناقشة وحوار، لأعادة صياغة هيئة الامم المتحدة ومجلس امنها، بتوسيع التمثيل الدولي في المؤسستين الدوليتين، وقد استجاب الخمسة الكبار للدعوة.. يبقى السؤال المهم هنا، اين الدول العربية من هذا التحول المفترض؟! من المؤسف ان جميع الدول العربية اما انها غارقة حتى رأسها في دماء شعبها او انها غارقة تماما، في التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، ظنا منها، بان هذا الكيان سوف ينظم ويطور علاقتها مع الولايات المتحدة، وهو وهم الاوهام، كالعطشان الذي يركض في الصحراء وراء سراب، يبدو له بحيرة ماء، بدل ان يحفر جبا تحت الرمال، للوصول الى الاعماق الغنية بالمياه، كما فعلتا الصين والهند بالاعتماد على الذات، وتفجير قدرات شعبيهما. لا الكيان الاسرائيلي الغاصب، ولا الولايات المتحدة، ولا غيرهما، يهمهم مصلحة هذه الدول وشعوبها، يهمهم مصالحهم، التي تستخدم الدول العربية سواء المطبعة او التي تنحر بالسكاكين، رقاب شعوبها؛ مدارج للصعود الي منبسط تحقيق تلك المصالح الغير شرعية.




الكلمات المفتاحية
العالم العلاقات الامريكية الصينية بكين موسكو واشنطن

الانتقال السريع

النشرة البريدية