الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2020

شاهد عيان لواقعة “خان النُص” في شباط/1977

الثلاثاء 30 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لماذا هذه المقالة؟
كنتُ عازماً على عدم الخوض في مثل هذه الأمور التي قد تثير جدالاً ونقاشاً مذهبياً وسياسياً، وتستجلب عليّ ما لا أرضاه.
ولكن واقعة “خان النص” بحدّ ذاتها تُعتبَر -والحق يجب أن يُقال- تحدّياً كبيراً ومشهوداً لنظام حزب البعث القائم في حينه، بعد ترسّخ سطوته يوماً بعد يوم، وبالأخص بعد إنهيار الحركات المسلّحة الكردية في شماليّ الوطن بعد “إتفاقية الجزائر” المبرَمة يوم 6/آذار/1975، وتراجع “الجبهة الوطنية الديمقراطية” وتأثير الأحزاب المنضمّة لصفوفها وإحساس الدولة بقرب فراغ ساحة العراق السياسية من الخصوم وأن الأوان قد آنَ كي يتفرّغ لفرض آرائه وتوجّهاته على عموم الوطن.

مبالغات ومغالطات
إطّلعتُ على البعض مما كُتِبَ عن أحداث “خان النُص” التي وقعت بمناسبة ذكرى أربعينية إستشهاد الإمام الحسين (ع)، ولذلك وددتُ أن أسرد أمام ناظرَي المتابِعين والمهتمّين بأوضاع العراق بعضاً من يوميّاتي التي سجّلتُها قبل ما يزيد على (43) سنة من يومنا الراهن، وتحديداً أيام شهرَي شباط-آذار/1977، إذْ كنتُ بمنصب آمر الفوج/2- جحفل لواء المشاة الآلي/8، بمعسكرنا الدائم في “الورّار” بالقرب من مدينة “الرمادي”، حيث تحرّكنا منه بشكل فوري نحو مدينة “كربلاء” لإستتباب الأمن في ربوعها.
لقد تلمّستُ العديد من المُغالطات والمُكابرات والتهويلات في كتابات البعض عن واقعة “خان النص” المنشورة في مواقع التواصل، وبالأخص “ويكيبيديا”، من حيث تدخّل وحدات اللواء المدرّع/10 وإقحام لواء الحرس الجمهوري في الأحداث، وتحليق طائرات “ميك-23” في سماء “خان النص وكربلاء”.
فالواقع الذي رأيته بأمّ عينَيَّ أن لا وجود للواء العاشر والحرس الجمهوري في تلك الساحة، وأن أيّاً من وحداتنا المقاتلة لم تقتحم أيّ جزء من “كربلاء”، بل ظلّت مرابطة في ضواحيها، ولم نطلق ولو إطلاقة واحدة من أيّ سلاح، ولم نعتقل أحداً من المدنيين أو سواهم بشكل مطلق طيلة مدة مكوثنا في ضواحي “كربلاء” التي إستغرقت شهراً كاملاً.
وإليكم نبذة عمّا عشته في تلك الأيام خدمة للتأريخ، وإيضاحاً لما شاهدتُه من أحداث، وتصحيحاً للبعض من الأخطاء التي وقع فيها كاتبو تلك المقالات المنشورة، والتي أُفَصّلها بالأيام والساعات.
القدر الذي أوداني إلى “كربلاء”
أواخر أيام عام 1976 نصحني السيّد قائد فرقتنا المدرعة/3 “العميد الركن طارق توفيق عبدالرزاق” -الذي كنتُ بمنصب ضابط الركن الثاني/حركات في مقر قيادته- أنه ما دام هناك منصب آمر فوج مشاة آلي قد شغر، فإنه يفضّل أن أتسنّمه كي لا أُنقَل خارج فرقته، لا سيّما أني على أبواب الترقية إلى رتبة “مقدم ركن” قريباً.
صبيحة يوم (2/1/1977) باشرتُ بالدوام الرسميّ آمِراً للفوج الثاني من لواء المشاة الآلي الثامن، والذي لم يكن غريباً عليّ، فقد عملتُ سابقاً بمنصب ضابط ركن الثالث/حركات بمقر اللواء نفسه لأكثر من سنة (أيلول/1974- ت2/1975)، وعلى معرفة جيدة بالعديد من ضباط الفوج المتميّزين، ناهيك عن كون آمره “المقدم الركن عبد مطلك الجبوري”، والذي عُيِّن آمراً لجحفل لواء المشاة الآلي/27 بمحافظة “العمارة” المتاخمة لحدود العراق الجنوبية مع “إيران”، صديق عزيز منذ عملنا معاً في الحرس الجمهوريّ، ولغاية يومنا هذا.

ما حدث في “خان النُص”
بطبيعة المسؤوليات في الجيش العراقي، فإننا لم نسمع ولم نُبَلَّغ ولم تُفرَض على أيٍّ من وحداتنا أية درجة إنذار في المناسبات الدينية، بل ولا أعرف لحدّ اليوم مدى مصداقية ما يزعمه البعض في أحاديثهم وكتاباتهم بعد عام 2003، إن كان هناك قرارٌ سياسي أو أمنيّ محدّد قد صدر عام 1977 بمنع المسيرات والمواكب في ذكرى إحياء أربعينية إستشهاد الإمام الحسين (ع)، والذي لم يَرُق -بالطبع- لغالبية الشيعة العراقيّين حتى لو كانوا أعضاء عقائديّين منظّمين في صفوف حزب البعث، والذي لم أنتَمِ إليه شخصياً، لأن هذا الموضوع بالذات غير قابل للنقاش لدى معظمهم.
ولكن تبدو أن ((القنبلة الأولى)) إنفلقت أزاء قرار مُشاع في أوائل شهر (شباط/فبراير1977) الذي وافق قرب تلك الذكرى ذات القُدسية المؤلمة.

قطع إجازتي وإلتحاقي بالفوج
باليوم الثاني من إجازتي الشهرية بمسكني في “بغداد” الذي صادف (الأربعاء- 9/شباط/1977) (20/صفر/1398هـ)، فوجئتُ بعد الظهر بسيارتي العسكرية وقد لهث منها السائق والمُخابر ليُخبراني أن ألتحق فوراً لأقود فوجي الذي تحرّك نحو مدينة “كربلاء” على طريق “الرَمادي- الفلّوجة- جُرْف الصَخر- المُسَيَّب”.
سلّمني المُخابر مظروفاً يحتوي رسالة شخصية بخط اليد من مقدّم لوائنا “المقدم الركن قاسم سالم حَمّو”، مُرفَقَةً بها نسخة مطبوعة لـ((برقية سرية وفورية)) عُمِّمَتْ على آمري وحدات اللواء، مفادها:-
]]]]] 1. أن جماعة مسلّحة شَنّتْ ليلة أمس هجوماً على مركز شرطة “خان النُص”، الواقع بمنـتصف الطريق العام بين مدينتَي “النجف وكربلاء”، وقَتَلَتْ أفراداً من الشرطة المحلّيّة وإستَولت على أسلحتهم وأعتدتهم، قبل أن تحرِق المركز بعد نهب محتوياته، فإنتشرت الفوضى بالمنطقة.
2. تقرّر تحريك الفوجَين الثاني والثالث من لوائنا للمشاركة في السيطرة على الأوضاع.
3. يكون “الرفيق عزيز صالح النومان- مُحافظ كربلاء” قائداً عامّاً للمنطقة,
4. تُناط القيادة العسكرية الميدانية لـ”العقيد الركن نعمة فارس” لأي تشكيل ضمن محافظتَي “كربلاء والنجف” إضافة للوائه المدرع/6.
5. لا تُستَلَم الأوامر الشفاهية والكتابية إلاّ من شخص القائد العام للقوات المسلحة “المهيب أحمد حسن البكر” حصرياً[[[[[!!!.

وإلتقيتُ فوجي
لم أّرَ موجِباً أن أتّجه إلى “الرَمادي”، بل سِلكتُ طريق “بغداد- المَحمودية- الإسكندرية- المُسيَّب”، مكرّراً قراءة تلك البرقية غير المسبوقة، لإستغرابي من نصوصها المتناقضة وعدم إستطاعتي إستيعاب عباراتها الغامضة.
وبعد إنقضاء حوالي ساعة ونصف إلتقيتُ بطلائع فوجي عند مفرق طريق “جُرف الصخر- المسَيَّب” قبل عصر ذلك اليوم، بواقع العشرات من عجلات القتال المدرّعة “M-113” السائرة على السُرَف نحو المدينة المقدّسة، متصافحاً مع “الرائد علي حمزة شلاّل” وبصحبته “الملازم أول حامد سرحان المِحِمْدي” -ضابط إستخبارات الفوج- لنتعجّل قبل حلول الظلام بالتعرّف على القاطع المُناط لفوجنا مسكُه من ناحية الشمال حيث مرقد “الإمام عَوْن”(ع) والطريق العام المؤدي إلى “كربلاء” والذي فُرِضَ على أحيائها السكنية حظر التجوال وحتى إشعار آخر… بينما إنتشر الفوج الثالث من لوائنا على جانبيّ طريق “الحلّة- طويريج- كربلاء”.

الحقائق
بعدما تأكدتُ من إنتشار سرايا فوجي الثلاث وإحكام سيطرتها على القواطع المُحدّدة بحلول الساعة السادسة مساء، إنفردتُ بالرائد علي حمزة وم.أول حامد سرحان، لأناقش عبارات البرقيّة، وبالأخص موضوعة تسلّم الأوامر شخصَيّاً من الرئيس “البَكر” التي تشير أن حدثاً أعظم بكثير من مجرد هجوم على مركز شرطة قد وقع، وطلبتُ من “حامد” الإستيضاح من مراجعه وإخباري عمّا يتوصّل إليه.
في صباح اليوم التالي، وفضلاً عمّا توفّرت لدي بعد زيارتي ليلاً لمقرّ اللواء من معلومات، أفادني “م.أول حامد” بما يأتي:-
]]]]1. كانت قيادة حزب البعث قد أصدرت أوامر محدّدة إلى تنظيماتها قُبَيلَ حلول شهر “مُحَرّم” بعدم ممارسة “اللَطم والتطبير” أثناء سير مَواكب العزاء المُتَّجِهة إلى “كربلاء والنجف”، ولكن من دون أن تمنع المسيرات والمواكب بشكل مطلق، سواء في أيام (محرّم/1379هـ)، أو في الأربعينية.
2. كُلِّـفَتْ التنظيمات الحزبيّة في عموم المنطقة -وجميع أعضائها من أهاليها وعشائرها- بمراقبة تنفيذ هذا الأمر، ومُحاسبة (الرِفاق) الحزبيّين إن أخفَقوا في ذلك.
3. مع إقتراب ليلة الأربعينية (19/20 صفر- 8/9 شباط/1977)، وعند إجتياز أحد المَواكب “خان النُصّْ”، وحالما إستشعر السائرون أنّهم باتوا على مقربة من “كربلاء”، شَرَعَ البعض-كعادتهم- يلطمون على صدورهم مع هتافاتهم المعهودة.
4. وحين تدخّل الحزبيّون المسلّحون والمأمورون لمنعهم، حدث لَغَط بين الطرفين ما لبث أن تحوّل إلى عراك بالأيدي، فما كان من أحد (الرفاق) إلاّ إطلاق عدّة صليات من رشاشته في الهواء محاولاً فضّ الإشتباك، فهاجَمَه أشخاص من الموكب وجرّدوه من سلاحه، فتدخّل أفراد الشرطة -ومعظمهم من أهل المنطقة أيضاً- وفَتَحَ بعض أفرادها النار بإتجاه المُتَشاجرين وأصابوا العديد منهم.
5. حينئذٍ حدث ما لم يكن بالحُسبان، فقد فَتَح ((الرفاق البعثيون -المُنذَرون والمسلّحون والمسؤولون- عن تطبيق توجيهات قيادة حزبهم بشأن المسيرة)) نيران أسلحتهم على أفراد الشرطة وتشابكوا معهم لدقائق عديدة، قبل أن يُشارِكوا الموكب في هجومهم على “مركز شرطة خان النُص” ذاته، حيث إقتحموا أبواب مشجب أسلحته وعتاده، ونَهَبَ آخرون محتوياته قبل أن يُشْعِلوا النار في مبناه!!!.
6. وبطبيعة الحال فإن ذلك الموكب لم يكن سائراً لوحده على الطريق، لذلك فعندما إنضمّت المواكب اللاحقة إلى المواجهات القائمة، سادت الفوضى كالنار في الهشيم، وإنتشر الخبر في “كربلاء والنجف” مع وصول جثامين القتلى والجرحى إلى مستشفاها الرئيس، فتدخّلت شرطة “كربلاء” المحلّية، وكذلك أُقْحِمَتْ قوّة الطوارئ المرتبطة بشخص المُحافظ في عدد من الأحياء والشوارع المُضْطَرِبَة.
7. قَدّر “محافظ كربلاء” إحتمال فَلَتَان الأمور من بين يديه، ولا سيّما أن أخباراً وصلته تَفِيد بأن عدداً من أفراد الشرطة المحلّية والطوارئ داخل المدينة وخارجها قد إنضمّوا إلى الطرف المقابل، ممّا يُنذِر بتفاقم الأوضاع نحو الأسوأ.
8. سارع محافظ “كربلاء” قبل إنتصاف ليلة الأربعينية وهاتَفَ الرئيس “البكر” الذي أعلن الأحكام العُرفيّة في كل من “كربلاء والنجف” وكل محافظات “الفُرات الأوسط” وضرورة تدخّل الجيش للسيطرة على الموقف المُتَشنّج في “كربلاء”، وإدخال جميع القوّات المسلحة وأجهزة الشرطة والأمن العام والمُحافِظين والتنظيمات الحزبيّة بالإنذار لمواجهة الإحتمالات الأسوأ.
9. ولمّا كان جحفل اللواء المدرّع السادس، بقيادة “العقيد الركن نعمة فارس المحَيّاوي”، المُتَمَركِز بكتائب دباباته الثلاث وفوج مشاته الآلي بمعسكره الدائم قرب “المُسَيَّب”، هو التشكيل العسكري الأقرب إلى “كربلاء”(40 كيلومتراً)، فقد إتّصل الرئيس “البَكر” بـ”العقيد الركن نعمة” شخصياً، وأمره بتحريك لوائه فوراً نحو “كربلاء” وفرض الحصار على جميع مداخلها ومخارجها، شريطة أن لا يتلقّى الأوامر إلاّ من شخصه.
10. تحرّك اللواء المدرع/6 خلال ساعة واحدة، ولكن “العقيد نعمة” قدّر أن كتائب دباباته لا تكفي لإنجاز كل هذه المهمّة، نظراً لِسِعَة مُحيط المدينة وتعدُّد الطرق المؤدّية إليها، ناهيك عن كون البقاع المُتاخمة لها زراعية تَكْتَظّ فيها القرى وتتناثر الأرياف بلا إنتظام… ولكون معظم لوائه مؤلّفاً من الدبابات التي لا تَفيد لمسك تلك البراري وإنشاء نقاط سيطرة من دون مشاة، فقد عاد ليُهاتِف شخص “البكر” ويعرض عليه أن يُضاف وحدات مشاة إلى جانب لوائه المدرع… أوانَئِذٍ تقرّر تحريك فوجَي مشاة آلي من لوائنا لتعزيز اللواء/6[[[[[.

مقاطعة المحافظ
في صباح اليوم التالي بدت المناطق المُحيطة بـ”كربلاء” المقدّسة هادئة وكأنها مُقْفَرَة لا حراك فيها سوى لعساكرنا المُنتَشِرين، وسط الرَهْبَة التي أخذت من قلوب أهاليها القابِعِينَ في مساكنهم من هيبة الدبابات والمدرّعات والرشاشات الثقيلة الجاثِمَة بالقرب منهم، وهي مشاهد لم يُصادفُونها طيلة حياتهم.
وبعد إنقضاء ثلاثة أيام، توجّه آمِرا اللواءَين وآمرو كتائب الدبابات وأفواج المشاة الآلي -وكنتُ من بينهم بطبيعة الحال- لنلتقي المُحافظ لنلتقيه في دار الضيافة وسط المدينة المقدّسة ظهيرة يوم (السبت 12/شباط/1977)، حيث بادر بإصدار ((توجيهاته)) بصفته “القائد السياسي للمنطقة”.
وبعد أن أنهى المُحافِظ “عزيز صالح النُومان” إيجازه المختصر للموقف الأمني القائم، ترك لـ”العقيد الركن نعمة فارس” إستكمال كيفية إنتشار وحدات اللواءَين على الخريطة، ولكنه عاد ليتَداخَلَ بطرح ((أفكاره وتوجيهاته!!!)) وإجراء تغييرات في تَوَزّع القطعات وإنتشارها!!!
ورغم كون المحافظ (عضو فرع) بحزب البعث ومقرّباً من رأسَي هرم الدولة، إلاّ أن “العقيد الركن نعمة فارس” -بشجاعته المعهودة- قاطَعَه، قائلاً:-
]]]]سيادة المُحافظ… ليعرف كلّ منّا حدوده رجاءً، أنتَ في النواحي السياسيّة والإدارية الداخلية، ونحن علينا شؤوننا العسكرية، لأننا بهذه الرتب وشارات الركن على أكتافنا لا نتقبّل أن يُعلّمنا أحد كيفيّة إنفتاح قطعاتنا وتمركزها وما يتطلّب منّا كي نُمْسِك بشآبيب الأمن من نواصيه العسكرية، والطرق والبقاع التي ينبغي أن نُغْلِقَ عليها كي لا يتجاوز أحد من الأهلين على الأوامر والتعليمات.
وإسمح لي -سيادة المحافظ- وقد أمْسَتْ المشكلة في يومها الرابع، أنّ هناك تحسّناً ملحوظاً طرأ على الموقف الأمنيّ في “كربلاء”، بعد أن عبرنا يوم الأربعينية الأعظم حسّاسيّة ولثلاثة أيام متتابعة، أنْ تُبادِر أنتَ لإستحصال موافقة السيد الرئيس على رفع الحظر داخل المدينة عن تجوال المشاة فقط إعتباراً من صباح يوم غدٍ، وإذا سارت الأمور على ما يُرام خلال يومين فليُرْفَعْ الحظر كلّياً، وتُفْتَح الطرق أمام المواكب كي يُفرِغُوا أحزانهم عمّا فاتَهُم… وإذا كنتَ تستشعر نفسَكَ مُتَرَدّداً ولا تستطيع المجاهرة وتخشى تحمّل المسؤوليّة، فأني مخوّل بمُهاتفة السيّد الرئيس “البكر”، مُتَحَمِّلاً جميع ما يترتّب على ذلك[[[[.

زياراتنا المشهودة للمراقد الشريفة
رُفِعَ حظر التجوال، فتَعَمّدْنا ترك أسلحتنا الخفيفة -بما فيها مسدّساتنا الشخصية- في سيارة جيب عسكرية غير مسلّحة في ظاهِرها، ومن دون أن نصطحب أيّ أفراد حماية معنا، فحضرنا بقيافاتنا ورُتبنا العسكرية بالأيام التالية وسط المراقد الشريفة التي إمتلأت بمئات الزوّارِ، لنُؤَدّي معهم مناسك الزيارات ونصلّي وندعو، ونتصافح مع رجال الدين ذوي العمائم السوداء والخضراء والبيضاء وسواهم من القائمين على خدمتها والبعض منهم يدعوننا بإصرار لتناول الطعام معهم، وكذلك مع العديد من الزوار الذين كانوا جميعاً يتهاتفون لإستقبالنا بحرارة لسبب أو لآخر.
وعادت الحياة
لم يحدث ما يُعَكّر الصفاء الذي ساد النفوس يوماً بعد يوم، في حين واصل الناس الأبرياء المُحَمَّلِينَ بما هـُم بِهِ مُعتقدون في نفوسهم وعقولهم، أداءَهم للفرائض والطاعات التي شَابُوا وسَيَشيبونَ عليها وسط تلك المراقد المقدسة، وفتحت المحال التجاريّة والفنادق والمطاعم أبوابها، وبدأ الزوار القاطِعون لعشرات أو مئات الكيلومترات سيراً على أقدامهم بالتقَرّب منّا على جوانب الطرق العامة والزراعية، ليغرفوا من المياه المتوفّرة بمقطوراتنا ويتوضّأوا ويصلّوا ويعالجوا مرضاهم ومًتعَبيهم ويعتنوا بكبار السِنّ والأطفال من الأدوية المُتاحَة لدى مفارزنا الطبّية بعد أن أوعزنا لأطبّائنا العسكريّين، وفي مقدمتهم صديقي العزيز “النقيب الطبيب رياض الصفار”، بمراعاتهم وصرف ما يراه ضرورياً لهم، فيما أقبَلَ جنودنا المُبَعْثَرون والبَعيدون عن المدينة بالتَبَضّع من القرى والبساتين والحقول المحيطة بنا، حتى أن أصحابها تأسّفوا كثيراً وتألَّموا حين ودّعناهم بكل حرارة حالما صدرت الأوامر بأن يعود اللواء المدرع السادس بكتائب دباباته الثلاث وفوج مشاته الآلي/1 إلى ثُكنتاتهم في معسكر “المُسيّب”، وأن يتفرّق فوجا لوائنا على مبعدة (15-20) كيلومتراً إلى الشمال من “كربلاء”، على أن يكونا على إستعداد لمسك قواطع محددة، إن تطلّبت الحاجة.

منظر المواكب الرهيب
كان منظراً رهيباً ومَهيباً وعجيباً، لم أُصادف أن شاهدتُ مثيلاً له طيلة حياتي، ذلك الذي رأيته ونحن وقوف على مرتفع ترابيّ بسيط قرب “معمل سمنت كربلاء” في ذكرى وفاة الرسول الأعظم (ص) الذي وافق يوم الخميس (28/صفر- 17/شباط/1977).
ألوف من البشر على شكل كُتَل على مدّ البصر، يرتدون قاطبةً ملابس وعباءات سوداء، وقد قطعوا مسافات شاسعة وهم سائرون على أقدامهم في غالبيّتهم، مُندَفِعين ومُستَنِدين على الحديث النبويّ:- ((الأجْرُ على قَدْرِ المَشَقّة))، ليس همّهم سوى الوصول إلى حيث يرقد الإمامان الأخَوان الشهيدان “الحُسَيْن والعبّاس”(ع)… وهناك على جانبَيّ معظم الطريق دور عبادة/حُسَيْنِيّات طَبَخَ أصحابها أو القائمون عليها طعاماً دَسماً وإستحضروا للسائرين ماءً، وهيّأوا لهم فُرُشاً لإراحتهم، مُحقّقين مَبيتَهم في ظلالها بغية تهيّئتهم على المسير لمسافات مُقبلة ما زالت أمامهم وصولاً إلى “كربلاء”.
في تلك الساعة حضر أمامي “الملازم أول صباح نوري درويش”، أحد أفضل ضبّاط فوجي، مُوضِّحاً أنّ منتسبي سريّته يُصادفون زُوّاراً وهم يلطمون على صدورهم أثناء المسير، متسائِلاً عن أي إجراء لمنعهم من ذلك؟؟؟ فأجبتُه بأننا ما دُمنا لم نُبَلَّغ رسمياً بشيء يمنع أيّ تصرّف من هذا القبيل، فلا نكترث ولا نمنع.
ولكني أحسستُ بعدم إرتياح على مُحَيّا معاوني “الرائد علي حمزة شلاّل”، وهو عضو عامل في الحزب وأنا لستُ منتمياً حتى بدرجة “مؤيِّد”، فوجَّهتُ حديثي نحوه عن سبب إتّخاذ الإجراء السابق الذي لم تتمخّض عنه غير تلك الأحداث المؤسِفة، مُوضِّحاً أنْ لا مانع لديّ من نقاش ما أُؤْمِنُ به في صميمي مع أيّ مسؤول، بأنّ الضغط لا بدّ يُوَلِّد إنفجاراً، وكلّما مَنَعْتَ شيئاً يُمسي بِحَدّ ذاته مَرغوباً، وإذا كان هؤلاء الناس مُؤْمِنين بنهج مترسّخ في ذواتهم، فلماذا نمنعهم؟؟ فإنْ إفترضنا أنّ أحداً منهم إبتغى الإنتحار فهل هناك من يستطيع إيقافه؟؟ وإذا إنتحر، فهل من قانون يُحاسبه؟؟… وهؤلاء أُناس -في نظر أُناس آخرين- يُؤْذو ن أنفسهم وأجسادهم وبرغبة جامحة في قلوبهم، حَسَناً فليُؤْذوها، فهم الخاسرون -برضاهم- من دون أنْ تخسر الدولة شيئاً…. فلماذا لا نراعي معتقدات شعبنا على إختلافاتها وتنوّعاتها؟؟؟ ولماذا (مثلاً) لمّا يجاورنا شخص يابانيّ أو كوريّ أو تايلانديّ يعتنق ديناً مغايراً غير سماوي، فإننا نحترمه ونُراعي مشاعره ونُكَرّمه ونفتخر بمصادقته وندعوه لتناول الطعام سوية في مسكننا، وَنَتَحذَّر خوض مناقشات دينيّة لتفادي إحراجه أو إغضابه، ولكننا لا نراعي ذلك مع مواطنينا؟؟؟… إذاً فَليلطموا صدورهم ويشقّوا خدودهم ويضربوا بالسلاسل ظهورهم وبالقامات والطبابير جبينهم، فلربّما بإنقضاء الأعوام يأتي يوم يستشعرون فيه بأنّ مثل هذه الممارسات ربما لا تُجدي نفعاً ولا تُكَفِّرُ ذنباً ولا تُحْيي ميتاً.

وداعنا لكربلاء
لم يحدث في تلكم الأيام ما يُعَكّر الصفو، ولم يُسَجَّلْ أيّ حادث أمنيّ أو إطلاق نار سواء في “كربلاء” أو “النجف” وسواهما، على الرغم من ألوف الزائرين الذين تواجدوا في أوساطهما وشوارعهما ومراقدهما وفنادقهما ومطاعمهما ولحين مغادرتنا ضواحي “كربلاء” مُوَدِّعين أهلها الوَديعِين، وعائدين إلى ثكناتنا بمعسكر “الورار” غرب “الرمادي” أواسط شهر (آذار/1977)، لنُعِيدَ تنظيمنا وتدريبنا ويتمتّع جنودنا وضباطنا ببعض الإستقرار والراحة غير المَقسومَة على جبين جيشنا العراقيّ، ونتهيّأ من جديد لمهمّة لاحقة لا بدّ أنْ تأتينا في قادم الأيام.

تصحيحات وإستنتاجات
لقد عرضتُ العديد من الحقائق التي ربما يعتبرها البعض من المتابعين مناقِضة لما كُتِبَ ونُشِر، لذلك أودّ أن أركّز على ما يأتي:-
على عكس ما زعمه البعض عن أحداث “خان النُص”، فإني لم أشاهد -منذ مساء يوم الأربعينية- أيّ تحليق لطائرات “ميك/23” ولا سواها، بل ولا هليكوبتر ولا طائرة مدنية في سماء “كربلاء” أو ضواحيها خلال (أربعة) أسابيع عشتُها في ربوعها.
لم أشاهد تدخّلاً لأية وحدة تابعة للواء الحرس الجمهوري، ولا كتائب دبابات من اللواء المدرّع العاشر المسؤول عن أمن “بغداد”، لا في واقعة “خان النص” ولا في “كربلاء” وضواحيها خلال أيام ذكرى أربعينية إستشهاد الإمام الحسين (ع) في شباط/1977 وما تلتها من أسابيع بشكل مطلق.
اللواءان الوحيدان اللذان أحاطا بـ”كربلاء” هما:-
اللواء المدرّع السادس- بقيادة “العقيد الركن نعمة فارس المُحَيّاوي”، بواقع كتيبتَي دبابات “خالد والمقداد” وفوج المشاة الآلي/1.
لواء المشاة الآلي الثامن- بقيادة “العقيد الركن عبدالكريم نصيّف جاسم الحَمْداني”، بواقع فوجَي مشاة آلي، من دون كتيبة دباباته التي تُرِكَت في “الوَرّار”.
لم يَجتَز دبابات أو مدرعات أي من اللواءين/6 و/8 مداخل المدينة أو تقتحم حيّاً من أحيائها.
لم يطلق أيُّ من جنودنا ولو طلقة واحدة حتى من مسدّس أو أي سلاح خفيف أو متوسط أو ثقيل.
لم نعتقل أحداً أو نحجز شخصاً أو نُداهِم مسكناً أو نفتّش سيارة، لا في ذكرى الأربعينية ولا بعدها، ولغاية عودتنا إلى ثكناتنا الدائمة.
ولكن من الطبيعي أن لا أعرف -بحكم منصبي في الجيش- ولا أطّلع على ما إقترفه أفراد من التنظيمات الحزبية أو الأمن العامة أو إستخبارات الشرطة المحلّية، سواء في إشتباكات “خان النص” أو بعدها… فذلك ليس ضمن مسؤولياتي العسكرية.




الكلمات المفتاحية
إستشهاد الإمام الحسين النص واقعة

الانتقال السريع

النشرة البريدية