الخميس 13 آب/أغسطس 2020

هل يقرأ خامنئي وأردوغان فيتعضان ؟!

الأحد 28 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

في أحيان كثيرة تصيب شهوة الغزو الخارجي حاكمَ دولةٍ من الدول، فيحمل سيوفهوضباطه وجنوده وأموال شعبه، ويغزو دولة أو دولا أخرى من التي لا ترغب في عداوة، والقانعة الراضية التي اعتادت على العيش بسلام، لا تعتدي على أحد، ولا تريد أن يعتدي أحدٌ عليها، فيَقتل من أهلها الكثير، ويُقتل من جيوشه الكثير، ثم يَفرض سلطانه عليها بقوة البطش والهدم والحرق، وبالنهب والسطو والاغتصاب، يساعده على ظلمه واحتلاله نفر من خونة بلادهم وقتلة أهلهم، طمعا في جاه أو مال أو وظيفة.

ثم يجيء اليوم الموعود، فتضعف سلطة احتلاله من داخلها، وتنهض الشهامة في الشعوب المغلوبة، أو تأتيها نجدة من قوة أو قوى خارجية أخرى، فيُهزم الغازي، وتُذلهجيوش الغاضبين عليه، وقد تلاحق إلى داخل بلاده ذاتها، فتحتلها، وتسوم أهله سوء العذاب.

وفي التاريخ القديم والحديث غزاةٌ جبابرة دوخوا الدنيا ، وملأوها رعبا ودما ودموعا، ثم سقطوا، في النهاية، وتجرعوا مرارة الهزيمة، وجنوا على شعوبهم، وعلى أسَرهم ذاتها.

ومن أشهر هؤلاء،

1-

قورش الكبير، أحد أعظم ملوك الفرس بين عامي 559 – 530 قبل الميلاد. أسسالإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي تعاظمت في عهده بغزو مناطق جنوب آسيا وغربها وجنوبها والقوقاز. ولكنه سقط في سنة 529 ق.م أثناء مناوشة له مع شعب يعيش شرقيبحر قزوين يُعرف باسم (ماساغيتي).

2-

الاسكندر الأكبر، تسلم العرش بعد اغتيال والده. وبدأ عهده بتدمير جيش داريوس الثالث في سوريا، ثم غزا مصر، ودانت له منطقة حوض البحر المتوسط كلها، ثم غزاالقارة الأسيوية، وأسقط الامبراطورية الفارسية.

وبعد وفاته في مدينة بابل سنة 323 ق.م أصاب دولته الضعف، ونخرها الفساد، وأنهكتها الحروب الأهلية الطاحنة بين أتباعه، فتمزّقت أوصالها، ثم كان انهيارها وهوان شعبها.

3-

يوليوس قيصر، حلم بالغزو الخارجي لإقامة إمبراطورية عظيمة، لكنه مات قبل أن يتحقق ذلك.  لكن ابنَه بالتبني، أغسطس، نجح في تحويل هذه الأحلام إلى حقيقة في العام 49 قبل الميلاد. فقد تمكن، بعبقريته العسكرية، من غزو مصر وضمها لملكه بعد هزيمة كليوباترا وأنطونيو، ثم ضم المجر وكرواتيا وإسبانيا وبلاد الغال. ولكن نكسته القاضية كانت في غزوه لجرمانيا.

4-

الامبراطورية الفارسية، كانت  تحكم بلاد إيران في القرن السابع الميلادي، ويكوِّن الفرس مادة الإمبراطورية. أخضعت الترك في بلاد ما وراء النهر، والعرب في العراق، وفي سنة 614م اجتاحت بلاد الشام واستولت على بيت المقدس، ثم استولت على مصر سنة 616م.

ولكن هرقل، امبراطور الروم، هزم الفرس في آسيا الصغرى سنة 622م، ثم استعاد منهم سوريا ومصر سنة 625م، ثم هزمهم هزيمة سنة 627م قرب أطلال نينوى.

وفي عام 637م، وقعت معركة القادسية التي قتل فيها القائد الإيراني الشهير رستم فرخزاد ومعظم جيشه، وانتصر فيها جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص.

5-

جنكيز خان، مؤسس الإمبراطورية المغولية بين1206 – 1227م. كان غازيا وحشيا دمويا تسبب في قتل الملايين حول العالم.  ولكنه سقط من على ظهر حصانه، فمات.

6-

نابليون بونابرت، إمبراطور فرنسا عام 1804. تمكن من اجتياح معظم القارة الأوروبية. وقد أصر على غزو روسيا عام 1812م، لكن حملته أصيبت بالفشل بسبب الجنرال (ثلج)، وتسببت في عزله من الحكم ونفيه إلى جزيرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي.

7-

تيمورلنك، القائد المغولي في الفترة 1370 – 1405م، مؤسس الأسرة التيمورية في آسيا الوسطى. شن حملات عسكرية غرب القارة الآسيوية وشرقها وجنوبها، حتى أصبح أقوى حاكم، آنذاك. هزم الدولة العثمانية وسلطنة الهند ودولة المماليك في مصر وسوريا.وقد تسببت غزواته في مقتل 17 مليون شخص. ولم يكفه ما تحقق له من انتصارات، بل طمع في حكم الصين، فانطلق لغزوها، وكان الجو شديد البرودة، رافضا نصائح أطبائه، فعانى جيشه من قسوة البرد والثلج. أما هو فلم تتحمل صحته هذه البرودة القارصة، فأصيب بحمى شديدة ومات.

8-

عثمان الأول: هو زعيم عشيرة قايى التُركيَّة ومُؤسس السُلالة العُثمانيَّة التيحكمت البلقان والأناضول والمشرق العربي و شمال أفريقيا طيلة 600 عام إلى أن انقضى أجلها مع إعلان قيام الجُمهوريَّة التُركيَّة سنة 1922م.

9-

أدولف هتلر، أغرق أوربا بالدماء، ودمر مدنها وقراها، وجعلها خرائب. أسس حكمه على مباديء النازية المتطرفة التي تؤمن بأن الشعوب الجرمانية هي العراق الرئيس، وهي أنقى أنواع الجنس الآري.

مارس أقسى أنواع التمييز والاضطهاد ضد من يعارضه أو من يعارض النازية. غزا النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وفرنسا وهدد بريطانيا. واشتهر بمعسكرات الاعتقال والإبادة.

وفي العام 1941 تجمعت حوله جيوش أوربا وأمريكا وانتصرت عليه واحتلت بلاده، بعد أن جعلتها خرابة. وكان في قبو تحت الأرض فعلم بإعدام حليفه موسليني فأبى أن يلقى نفس المصير فضى انتحارا، هو وكلبه وزوجته إيفا براون، بمادة السيانيد.

10-

موسليني، ألغى كل أشكال الديمقراطية، وجعل النظام الفاشي هو الوحيد. فرض على أطفال والشباب أن يتعلموا ” أن تعيش يوما واحدا مثل الأسد خير لك من أن تعيش مئة عام مثل الخوف”.

كان في أول حكمه سياسيا معتدلا، وحين امتك القوة فتك بخصومه بقسوة ودموية، وفرض النظام الفاشي على البلاد، وملأ الساحات والشوارع بتماثيله لتمجيده. وأجبر تلاميذ المدارس على استخدام السلاح وحفظ الأناشيد القومية الفاشية، وكان يوصي الجميع بالقول ” لا فائدة من السلم الدائم، وإن الحياة واجب ونضال وقهر”.

غزا ليبيا وقتل أكثر من مئة ألف ليبي، ورغم مقاومة الشعب الليبي القوية تمكن من قهرها وأعدم قائدها البطل عمر المختار. وأعلن ليبيا جزءً من إيطاليا، ثم غزا إثيوبيا واحتلها.

وفي العام 1945 دخل الحرب مع هتلر، وبعد هزيمته هرب إلى شمال إيطاليا فألقي القبض عليه وأعدمته المعارضة الإيطالية وعلقت جثته رأسا على عقب ليكون عبرة للمعتبرين.

11-

الغزو الفرنسي للجزائر، في عام 1934 أقدم القائد الفرنسي الأدميرال دوبريه على غزو الجزائر بـ 600 سفينة و34 ألف جندي. وكان احتلالا استيطانيا مباشرا ارتكبت خلاله فرنسا جرائم حرب موثقة.

وقد استمر الاحتلال الفرنسي للجزائر 130 عاما. وفي العام 1962 تكلل نضال جبهة التحرير الوطني بالانتصار، وطردت فرنسا، ولكن بعد جعلت الجزائر (بلد المليون شهيد).

والشيء نفسه فعلته فرنسا في المغرب وتونس وسوريا ولبنان، وفي النهاية تحررت الشعوب وبقي عار الاحتلال يدمغ جبهة التاريخ الفرنسي البغيض.

12-

الغزو الفارسي الجديد، وبعد أن تبدلت الأرض والسماء، وتغيرت القيم والمقاييس، ودخلت البشرية في عصر ما بعد هواية الغزو وتجارة الرقيق، عصر السفن الفضائية التي تتجول بين الكواكب والنجوم، يخرج معممون فرس شاهرين سيوفا قديمة ورماحا ودروعا من القرن الرابع الميلادي، ليغزو دول جوارهم، متوهمين بقدرتهم على إيقاض امبراطورية هالكة تالفة من سباتها، كمن يحاول لأن يحيي العظام وهي رميم.

ومن يتابع تصريحات كبارهم وصغارهم، وهم يفاخرون بأن العراق ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان أصبحت ممتلكات مضافة إلى دولتهم الفارسية العظمى، يدرك هذه الحقيقة دون ريب.
وانسجاما مع حركة التاريخ، ومع جهود القوى الدولية الفاعلة لمواجهة المد الفارسي المعتمد على أحلام غير قابلة للحياة في العصر الحديث فقد بدأ الزمن يعمل ضد طموحات الولي الفقيه وحكومته، ويحولها إلى أوهام يكابر ويرفض الاعتراف بهزيمتها على أرض الواقع.
والشعوب الإيرانية التي تعيش اليوم ضائقة العيش في أغلب مدن إيران وقراها أحقُ بالأموال والجهود التي تنفقها حكومة الولي الفقيه على المكابرة والتوسع المحكوم عليه بالخذلان في النهاية.

13-

وآخرهم، السلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان الذي خاطب كتلته النيابية قائلا، إن ليبيا كانت “لعصور طويلة جزءً هاما من الدولة العثمانية”، و” لا أحد بإمكانه أن ينتظر منا إشاحة وجهنا عن إخوتنا الليبيين الذين طلبوا منا يد العون. إن نصرة أحفاد أجدادنا في شمال إفريقيا تأتي على رأس مهامنا. إن أبناء كور أوغلو سواءٌ عندنا مع تركمان سوريا والعراق وأتراك البلقان وأتراك الأهسكا في القوقاز. نحن على وعي بمسؤوليتنا التاريخية تجاه إخوتنا العرب والأمازيغ والطوارق في ليبيا، هؤلاء وقفوا بجانبنا في أحلك أيامنا في التاريخ، وعلينا أن نكون بجانبهم في هذه الأيام العصيبة“.

وكما فعل حليفُه الخليفة الفارسي علي خامنئي ألقى السلطان أردوغان بجنوده في العراق وسوريا وليبيا، مرتديا عباءة الغزاة الجبابرة القدماء، حالما باستعادة أيام غزواتهم القديمة التي انتهت بهزائم دولهم وبعثرة أملاكهم وهوان أهلهم أجمعين.

وكأنه لم يكتشف إلى الآن أن الأجيال المتعاقبة من الليبيين والمصريين والسوريين والعراقيين والنجديين والحجازيين يتوارثون ذكرياتهم المرة الكريهة التي حفرتها في تاريخهم أزمنةُ الهيمنة العثمانية التي لا تنسى؟.

شيء أخير لابد أن يقال لخامنئي وأردوغان. إن الامبراطوريات القديمة التي سادت ثم بادت قامت حين لم تكن أمريكا وروسيا وأوربا والصين تمسك برقاب الدول المحسوبة على العالم الثالث، ولم تكن أيٌّ منها حجر شطرنج بين أصابع الكبار. فهل يتعضان؟!




الانتقال السريع

النشرة البريدية