الخميس 13 آب/أغسطس 2020

ديوان الشعر العربي المعاصر .. تثوير القصيدة

الأحد 28 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

الوجوه تتعدد :
يمثل محمود درويش حالة استثنائية في تاريخ الشعر المعاصر، ويعد كقامة شعرية متفردة نموذجاً مباشراً لخصوصية القصيدة في تفاصيلها التي سرعان ما تتحول إلى مزاجاً عاماً لمريدي الشعر بصفة خاصة وللثائرين والعاشقين ، والرافضين لنظمهم السياسية الطاغية بصفة عامة ، لذا فإن متعة تناول سيرة وأشعار محمود درويش تتأتى من رصد حالته الشعرية وتجربته داخل القصيدة التي يصر أن يكون فيها حاضراً بغير غيابٍ ، وربطها بواقع تجعل القارئ يعيش يومياته المتأرجحة بين الثورة والعشق والرفض واسترجاع ذكرياته.
وتفرد درويش لم يتحقق من تفرد حالته التاريخية بوصفه مواطناً فلسطينياً يعاني وشعبه من الطغيان الصهيوني فحسب ، بل إن حالة التفرد تلك تحققت من خلال لغة رمزية مسكونة بالدلالات التي لا تنقضي، فالقصيدة الدرويشية تشبه بالرسم الجرافيتي الذي يعبر عن حالة راهنة تستدعي المشاركة والتعاطف معها وهذا سر من أسرار تفرد قصيدته ، بجانب أن محمود درويش كان حريصاً على أن يجعل كل حالات الغياب حضوراً مشهوداً ليس مستحيلاً ، ومن ثم يستطيع القارئ والمتابع لنصه أن يكون حضوره القرائي موجوداً بالقصيدة بغير ملل أو كلل. كما أن هذا التفرد الشعري سُجِّلَ حصرياً باسم محمود درويش لاستباقه المعاصر ـ حيث إن شاعر العربية الأول أحمد أبي الطيب المتنبي صاحب السبق الأول ـ في طرح نفسه عبر سياقه الشعري وهو ما يستقرئ منذ ديوانه الأول ” عصافير بلا أجنحة ” 1960م، انتهاءً بديوانه ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” ، مروراً بدواوين شعرية تتناص فيها صورة الشاعر الشخصية بالهم الوطني القومي.
وليس بغريب أن تتعدد وجوه محمود درويش الشعرية إذا ما رجعنا إلى بدايات التكوين مروراً بمراحل تقعيد وتكريس القصيدة لديه ، فالبدايات عند محمود درويش تبرهن على هذا التعدد ومزية التنوع في قصيدته التي تجعله شاعراً مرغوباً لدى قارئه بتعدد وتنوع حالاته ووجوهه هو أيضاً. فبين بدايات شبيهة بالنص الشعري عند نزار قباني وبدر شاكر السياب مروراً بالنصوص المباشرة لعبد الوهاب البياتي وأدونيس حينما كان غير مضلل بنصه المغاير لطبيعة اللغة ، انتهاء بصور شعرية ترصد حالات ومقامات كشعر أحمد أبي الطيب المتنبي، نجد محمود درويش يصنع لنفسه كرسياً في ديوان الشعر العربي حتى يكاد بعض النقاد المتأخرين يصفونه بأنه الوريث الشرعي للقصيدة العربية من أجل حفاظه على تنوع الشعر واختلاف أغراضه والتمسك برصانة قواعده مع السماح لبعض التجاوز الشعري الذي يضمن للقصيدة معاصرتها ومطابقتها لمقتضى الحال كما يزعم البلاغيون القدماء.
وهذه الوراثة الشعرية الشرعية لمحمود درويش هي التي مكنته من أن يمتلك خصوصية الشهادة الشعرية للتاريخ المعاصر ، فإذا كنا قد نذهب بالرأي بأن أدونيس هو المالك الحصري للقصيدة في تنوعاتها الفلسفية المعاصرة، فإن محمود درويش بحق هو مؤرخ الواقع الإنساني شعرياً ، لأنه بإيجاز استطاع رسم خارطة شعرية ممتدة ترصد حالات متباينة مثل تباين المناخات والطقس فيمكنك أن تلتمس واقعك الاجتماعي أو السياسي أو الشخصي من خلال التماس تلك الحالة من القصيدة نفسها.
الثَّوْرَةُ حُضُوْرٌ عَبْرَ الشِّعْرِ:
لم يكن غريباً التحاف الثوار بدول الربيع العربي مصر وتونس وليبيا وأخيرا سورياً بديوان محمود درويش ، ولم تكن تلك الصور والمشاهدات التي رأينا من إلقاء شعري لبعض قصائده التحريضية على الأنظمة السياسية الفاسدة إلا توثيقاً تاريخياً لهؤلاء الثوار على نزاهة ونقاء قضيتهم الثورية ، بل يمكننا الزعم بأن قصائد محمود درويش التحريضية الثورية وإن كانت فلسطينية الرائحة والتوجه إلا أنها كانت باعثاً قوياً لفورة الثائرين وشحذ عزائمهم باعتبار أن الثورات العربية في بدايتها كانت ياسميناً تارة وبيضاءَ تارة أخرى وهي بذلك تشبه القصيدة الدرويشية التي يمثل فيها العطر واللون ملمحين رئيسان فيها.
(نم ، يا حبيبي ، ساعة ً
حتى يعود الروم ، حتى نطرد الحراس عن أسوار قلعتنا
وتنكســــــر الصــــــواري
كي نصفق لاغتصاب نسائنا في شارع الشرف التجاري
نم يا حبيبي ساعة ً حتى نموت
هي ساعة للانهيار
هي ساعة لوضوحنا
هي ساعة لغموض ميلاد النهار
كم كنت وحــــدك ، يا ابن أمّي
يا ابن أكثر من أب ٍ
كم كنت وحـــــدكْ)
*********
ويعود الشاعر التحريضي بوجهه المباشر غير المقنع ليحرض على الثورة وإن كانت القصيدة كما أوضحنا تحمل رائحة وطعم ولون التراب الفلسطيني لكن ما فلسطين إلا صورة رمزية لشتى البقاع العربية التي تمارس عليها الأنظمة العربية السياسية كل صنوف وفنون الفساد والطغيان السياسي غير المشروط :
(وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى ،
و قالوا : أنت قاتل
أخذوا طعامه و الملابس و البيارق
ورموه في زنزانة الموتى ،
وقالوا : أنت سارق
طردوه من كل المرافيء
أخذوا حبيبته الصغيرة ،
ثم قالوا : أنت لاجيء
يا دامي العينين و الكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
و لا زرد السلاسل
نيرون مات ، ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجف
ستملأ الوادي سنابل)

وإذا أردت أن تكتشف ماهية الثورة ودلالتها ودور محمود درويش التحريضي عليها فعلى القارئ دوماً أن يتجه إلى مواضعة (الولادة) لغة واصطلاحاً شعرياً درويشياً داخل ديوانه ، فلفظة الولادة التي يصر محمود درويش على استخدامها الحصري لها هي معادل موضوعي لمفهوم الثورة والخروج الشرعي على الحكم السياسي غير الشرعي ، والولادة داخل القصيدة تحمل دلالات متعددة كتعدد وجوه محمود درويش الشعرية نفسها ، فهي تشير إلى ثورة آتية ، أو رمزاً تاريخياً يحمل استشرافاً مؤقتاً للمستقبل:
(كانت أشجار التين
و أبوك..
و كوخ الطين
و عيون الفلاحين
تبكي في تشرين!
_المولود صبي
ثالثهم..
و الثدي شحيح
و الريح
ذرت أوراق التين !
حزنت قارئة الرمل
وروت لي،
همسا،
هذا الغضن حزين !
_يا أمي
جاوزت العشرين
فدعي الهمّ، و نامي!
إن قصفت عاصفة
في تشرين..
ثالثهم..
فجذور التين
راسخة في الصخر.. و في الطين
تعطيك غصونا أخرى..
و غصون! )…
دَرْوِيْشُ ولَذَّةُ الحَكْيِ:
عندما تتعانق الطبيعة متمثلة في الأرض وأنهارها المطلة على النوافذ العربية المسكونة بالحيرة والقلق وتوجس انتظار الغائب ، تظهر قامة الشاعر الفلسطيني المبدع محمود درويش الذي تزامنت ذكرى وفاته منذ سنتين الشهر قبل المنصرم. والشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي رحل عن دنيانا وهو يحلم بوطن فلسطيني على أرض عربية ، غادر الحياة وفارقها بعد صمت طويل من الحكام العرب تجاه قضية وطنه ، وسقوط بعض الأنظمة العربية وقت تهاوي سياساتها تجاه النخبة والقصيدة، وبعد انحسار مستدام للنخوة العربية التي لا نجدها إلا في مدرجات كرة القدم.
ومشروع القصيدة عند محمود درويش في مجمله الذي تحتفي هذه السطور القليلة بشعره يمكن أن نرصده في ملامح متمايزة ومحددة ، أهمها ملمح الحرية، فكل من يقترب نحو شعر محمود درويش يدرك حقيقة الحرية التي حرص عليها وعلى نشرها بين المواطن العربي وإخوته وعشيرته. بالإضافة إلى ملمح آخر مهم في المشروع الشعري لدى محمود درويش هو الإنسانية ، لذا من الأحرى على أولئك الذين تعاملوا مع شعره من منظور نقدي مجرد أن يتخلوا عن الأسس النقدية الجامدة ويعلوا القيم الإنسانية من جانب الحكمة الشعرية ” وداوني بالتي كانت هي الداء” .
لذا فالرائي للمشروع الشعري العام له والخاص لدرويش يستطيع استقراء حالة العناق بين الإنسان ومفردات الطبيعة لاسيما المسكونة بالحركة وإن كانت من كنهها السكون والجمود كالتراب والحصى والضلوع والأرصفة الصامتة ، إلا أنها تتسق مع عناصر أكثر حرية وحركة كالعصافير والشجر : ينظم درويش:
” أسمي التراب امتداً لروحي
أسمي يدي رصيف الجروح
أسمي الحصى أجنحة
أسمي العصافير لوزاً وتين
أسمي ضلوعي شجر
وأستل من تينة الصدر غصناً” .
ولعل درويش في قصيدته المتفردة ” فكر بغيرك ” ، يحاول أن يرسم لوحة تضامنية تجسد مشاعر المواطن العربي تجاه أخيه المفترش الأرض دونما غطاء ، بل هو يسعى إلى أن يعري واقعاً ممتقعاً يمارس فيه المواطن البعيد عن سطوة الاحتلال كل أنواع رفاهية العيش ، وهنا لا يكتف محمود درويش بدور المحرض فقط ، بل يثير حفيظة ذلك المواطن تجاه ما يعانيه الفلسطيني المغتصبة حقوقه وأرضه وعرضه ، بل وربما أحلامه أيضاً.
” وأنتَ تُعِد فطورك، فكر بغيركَ
لا تَنْسَ قوتَ الحمام
وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكر بغيركَ
لا تنس مَنْ يطلبون السلام
وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكر بغيركَ
مَنْ يرضَعُون الغمام
وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكر بغيركَ
لا تنس شعب الخيامْ
وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكر بغيركَ
ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكر بغيركَ
مَنْ فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام” .
***********************************
فها هو ذا الشاعر المحرض دوماً يدغدغ مشاعر المواطن العربي المنعم بالرفاهية بعيداً عن أصوات القنابل والرصاص وفوهات البنادق ، ويحرضه أن يشارك مواطنه الفلسطيني همومه ويتقاسم معه قدراً من المعاناة اليومية ، لا أن يكتفي بترديد التعاطف والمشاركة الوجدانية فقط ، والقصيدة رغم قصرها إلا أنها اختزلت الحقوق الرئيسة التي يحلم بها المواطن الفلسطيني مثل حقوق الطعام ، والشراب ، والبيت ، بل يتجاوز محمود درويش خطوط قصيدته لينبه على ما امتلكته الأمة العربية من جماليات لغوية كالاستعارات والتشبيهات والكناية والمجاز المرسل والفصل والوصل ، وكل الأبواب البلاغية التي امتلأت بها المؤلفات العربية ، ورغم ذلك فإن الطفل والرجل والمرأة والشيخ بالأراضي الفلسطينية المحتلة قد فقدوا جميعاً حقهم في الكلام.
ويظل محمود درويش مرتبطا بالفكر القومي ، ترتفع معه فنيا ومعنوياً مضامين قصائده ، كما تنخفض معه أيضاً ، فهو مؤشر واضح وصادق لإيجابيات وسلبيات المرحلة، فهو يندد بالظلم الواقع على المواطن العربي في بلاده العربية ، ونجده يرثي بغداد والعراق حينما تتحول إلى أراض غريبة مستهجنة ، تعاني قمع الاغتراب والتنوع الديني والعرقي الذي يمزقها ويفتتها أشلاء متناثرة يصعب تجميعها في نسيج واحد. وهو في هذا العناق الأيديولوجي بالفكر القومي نجده مصراً على التواجد الفعال لعناصر الطبيعة من خلال مفردات بعينها كالنسر مثلاً:
” أنا آت إلى ظل عينيك آت
مثل نسر يبيعون ريش جناحه
ويبيعون نار جراحه
بقناع .. وباعوا الوطن
بعصا يكسرون بها كلمات المغني
وقالوا : اذبحوا واذبحوا..
ثم قالوا : هي الحرب كر وفر” .
ثم نجده تارة أخرى مشيراً إلى خطر الحكم الباطش الذي يكون الفرد مسوقاً لا إرادة له ، مشيراً إلى تلازم هذا البطش والانتكاسات القومية والوطنية ،هذا التلازم يجعله مضطراً لاستخدام آليات لغوية (مفردات وتراكيب ) تشير إلى سطوة القيد ومحاولة الفكاك منهن ولعل قصيدته المشهورة ” الأرض ” هي خير نموذج للتأكيد على الملمح القومي والوطني بمؤشراته في مشروعه الشعري .
” هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة
هذا نشيدي
وهذا خروج المسيح من الجرح والريح
أخضر مثل النبات يغطي مساميره وقيودي
وهذا نشيدي
وهذا صعود الفتى العربي إلى الحلم والقدس ” .
أنَا أرْفُضُ .. إذاً أنا مَوْجُودٌ:
ولعل السمة الأكثر وضوحاً وتميزاً في قصيدة محمود درويش هي سمة الرفض ، والرفض عنده رفض سياسي سرعان ما يستطيع تطويعه داخل النص ليصبح رفضاً اجتماعياً لكل ما هو مغتصب غير مكتسب بفعل التجربة ومحك المحاولة والخطأ، وتراه مجتهداً في تمزيق عباءة الانكسارات العربية. لذا فإن قصيدة محمود درويش لم تجئ تعبيراً عن رفض الهزيمة العربية في يونيو 1967 فحسب ، ولكن جاءت أيضاً تعبيراً عن رفض الاحتلال الإسرائيلي منذ بدايته وكشفاً لوجه جديد لم يعرفه العرب والعالم ، عن أشكال المقاومة العربية داخل أسوار السجون الإسرائيلية .
وتمتاز القصيدة الدرويشية بسمة البعد عن اليأس والهزيمة ، رغم أن الحالتين رهن اليقين ، بل إن مشروع محمود درويش الشعري حاضن حقيقي لهاتين الحالتين بل يعد ديوان محمود درويش الشعري هو أبرز تجليات يأس المحاولة لتغيير الواقع السياسي بصورة أفضل ، وهزيمة الإرادة الجماعية لنصرة قضيته الفلسطينية التي سرعان ما تحولت داخل مشروعه الشعري من حالة ذات خصوصية إلى معركة إنسانية عامة، ورغم العصافير التي تفر من قبضته على حد وصفه في قصيدته ” لا جدران للزنزانة ” إلا أن مجمل قصيدته دائماً ما تشع بالأمل في الانتصار المحتوم ، وربما تأتي هذه المزية من أن شاعرنا ينطلق من موقع النضال الحقيقي والعملي ضد الاحتلال، حيث القصيدة التي تفضح جرائم الاحتلال ، وتكشف دونما حماقة عن بشاعة ما يتعرض له الناس تحت الحكم الإسرائيلي ، ولعل محمود درويش امتاز عن شعراء جيله في أنه لم يسجل موقفاً ، ولم يكتف بالإدانة والشجب السلبي ، ولكنه يثير فعلاً ، إنه يحرض على المقاومة ، بل وقصيدته نفسها تعتبر منشوراً سرياً يفرض على المواطن العربي تنفيذ ما جاء به من أوامر وتعليمات ، لذا فالقصيدة محرضة ، وصاحبها محرض على المقاومة، وإن شئت فقل إن محمود درويش يطلق رصاصة تحت اسم القصيدة.
(” أنا الأرض..
يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها
احرثوا جسدي !
أيها الذاهبون إلى جبل النار
مروا على جسدي
أيها الذاهبون إلى صخرة القدس
مروا على جسدي
أيها العابرون على جسدي
لن تمروا
أنا الأرض في جسد
لن تمروا
أنا الأرض في صحوها
لن تمروا… ” ).

الغَائِبُ حِينَمَا يَصيْرُ أكْثَرَ حُضورَاً:
قد لا يجد المرء حيرة وهو يعتزم قراراً بالحديث عن محمود درويش ، لأنه بغير وعي سيتجه طواعية نحو قصيدته المطولة ” جدارية ” والتي زين بها عباءة الشعر العربي منذ المهلهل بن أبي ربيعة مروراً بالقامات الشعرية الكبيرة في تراثنا الشعري ، فالجدارية باختصار دقيق تعد دليل التشغيل لمشروع درويش الشعري ، وسيرة ذاتية للشاعر نفسه تركها لنا بعد رحيله كي نستبين شعره ومشروع قصيدته .فلقد نظم محمود درويش جداريته وكأنه يعلن بيانه الختامي ، رغم أنه أعقبها بقصائد ودواوين أخرى ، لكنه أراد أن يكون ما تمنى أن يريده في الماضي ؛ فكرةً ، وطائراً ، وشاعراً ، وكرمة ، ولغةً . ووصف أبجديته التي عاشها شاعراً ملأ الدنيا وشغل الناس ، فكان غريباً ، ورسولاً ورسالة ً ، وحواراً للحالمين ، وسماوياً ، وغياباً ، وطريداً.
(” سأصير يوماً طائراً ، وأسل من عدمي
وجودي . كلما احترق الجناحان
اقتربت من الحقيقة ، وانبعثت من
الرماد . أنا حوار الحالمين ” .
ويقول في جداريته :
” سأصير يوماً شاعراً ،
والماء رهن بصيرتي . لغتي مجاز
للمجاز ، فلا أقول ولا أشير
إلى مكان . فالمكان خطيئتي وذريعتي ” ).
فالجدارية وثيقة مهمة لتأريخ القصيدة عند محمود درويش فهو يسعى بها لأن يكون حاضراً طيلة الوقت بين قرائه ، ولأن يكون شديد الثقة لديهم حينما يهرعون لديوانه بعد موته وهذا ما تحقق بالفعل لأنه لا يرصد حالته الإنسانية فحسب ، بل يكرس للصوت الإنساني العام الذي يأمل بقدر ما يعاني ، ويحلم بالقدر الذي يحرم فيه من كل مظان الحياة الكريمة من حرية وعدالة ووجود كريم.
وفي الوقت الذي يسعى فيه محمود درويش إلى تأسيس شخصي له داخل تاريخ القصيدة العربية لم يكن يعلم أنه يحتفل بغيابه أولاً ، وبجدلية العلاقة المطردة بين الموت والحياة :
(وكُلُّ شيء أَبيضُ ،
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ ، ولم
أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :
ماذا فعلتَ ، هناك ، في الدنيا ؟
ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ ، ولا
أَنينَ الخاطئينَ ، أَنا وحيدٌ في البياض ،
أَنا وحيدُ … )
والجدارية تمثل في مجملها خطاباً إلى الموت بدلالته الفلسفية لا بالصورة الجسدية ، وهو يصر على أن يجعل لهذا الرحيل شعرية خاصة تدلل على الحضور من خلال استحضار الكائنات اللغوية التي تؤرخ سراً وعلانية لهذا الحضور الذي يستسلم طواعية لاحتفالية الموت باعتباره يقيناً لا لغط في موعده:
(سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها
إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ …
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
تَفَتُّح عُشْبَةٍ ،
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ )
ونص ” جدارية” هو النص الشعري الذي سمح لمحمود درويش أن ينتقل من خانة الشاعر الوطني القومي إلى خانة أكبر مساحة ودلالة وأهمية حيث صار شاعراً إنسانياً يخاطب حتفه الأخير وهو يستعرض حياة سريعة لم تلوثها عوارض الحياة وحركاتها وسكناتها ، وهو في طريقه إلى الوصول لمقام الشاعر الإنساني يجتهد لأن يدلل على إنسانيته المعرضة دوماً لجدل الحياة :
(سأَصير يوماً كرمةً ،
فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن ،
وليشربْ نبيذي العابرون على
ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !
أَنا الرسالةُ والرسولُ
أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ) …
وأكاد أظن أن محمود درويش بأسئلته التي لا تؤمن بالصدفة واللحظية لم يسع لأن يضع إجابات شافية لها فترك لنا عناء البحث عن تلك المهمة مستلهمين نصه الشعري ومسترشدين بقاموسه الشعري ذي الدلالات المتعددة لصياغة إجابات من شأنها أن تفتح باباً جديداً لأسئلة لا تنتهي:
(هل أَنا هُوَ ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل
الأخيرِ ؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض ،
أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟
وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ
أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها
لتعيش ما بعد الحداثة ، بعدما
انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ
وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟ ) ..
لاعِبُ النَّردِ ودَهْشَةُ النهايات:
أتوقف إجبارياً أمام النص الشعري الموسوم بـ ” لاعب النرد” لا لأنه نص متميز ومتفرد لمحمود درويش فحسب ؛ بل لأنه نص يمثل الصوت الشعري النهائي لشاعرنا وهو يكرس لنفسه مساحة واسعة ومقاماً ثابتاً في ديوان الشعر العربي المعاصر ، لقد أصر درويش رغم تاريخه الشعري الموصوف بالمباشرة ووضوح صوته الشعري مثل قضيته الوطنية أن يترك صوته أكثر غموضاً وهو يقدم نفسه في قصيدة ” لاعب النرد ” كرجل يفتش عن هويته ، وثمة علاقة واضحة بين درويش القضية ودرويش الأنا التي تظهر بجلاء كاشف في لاعب النرد ، وبات من الصعب إيجاد تعريف محدد لوطن تغيب تفاصيله شيئاً فشيئاً بفضل المؤامرة الصهيونية ضده ، وبين اكتشاف هوية محددة لها دلالتها الوجودية في ظل حداثة من شأنها أن تضيع كل ملامح ممكنة.هذا يظهر بوضوح من خلال نصه الذي يؤكد فيه عن انشغاله المحموم بالإجابة عن سؤال وجوده:
( مَنْ أَنا لأقول لكمْ / ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ / رُبَّما صرتُ زيتونةً / أو مُعَلِّم جغرافيا / أو خبيراً بمملكة النمل / أو حارساً للصدى !).
ويظل محمود درويش في نصه ” لاعب النرد ” أشبه بزهر النرد نفسه الذي يأبى أن يستقر على رقم بعينه ، بل تتقلب أوجهه معللاً بذلك حالات الحيرة الوجودية التي يعاني منها بحثاً عن مرفأ ليقين وجوده ، تظهر هذه الحالة الشعرية بصورة دالة في المقطع الشعري التالي :
(أمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /
أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي
أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ
/ أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ
/ أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى
/ أرى / لا أرى / أتذكَر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /
أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /
أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى
/ ويغمى عليّ /).
وفي ” لاعب النرد ” يعود درويش لمزيته الفريدة وهي الحكي الشعري ، حيث دائماً ما يجد الشاعر نفسه مضطراً اضطراراً رقيقاً لأن يؤطر لصوته الشعري عن طريق التقاط تفاصيل شعرية حياتية ـ وإن بدت شعرية لغوية لا تقارب الواقع ـ شديدة الخصوصية ، وغالباً ما يلجأ الشاعر ـ أي شاعر ـ إلى تلك الحيلة الذهنية حينما يضيق واقعه برؤاه وطروحاته الفكرية ، فيلتمس في حياته الشخصية ملاذاً أخيراً لتقنين وجوده وصياغته النهائية :
(وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً ،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها :
أَولاً – خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة – الشجرةْ
ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونجٍ ساخنٍ
رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة
خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ( … .

ذَاكَ الصَّوْتُ .. أنَا :
أن تكون صوتك أنت وحدك ، إذن فعليك أن تمشي منتصب القامة ، وكفيل بك أن تظل القصيدة وكلماتك مريدوك الذين لا يغادرون النظم والقافية ، بهذه الكلمات العابرة ننفذ إلى عوالم الشاعر الاستثنائي سميح القاسم مستندين إلى أدواته الشعرية التي اعتاد استخدامها حينما كان يكرس هو وصاحبه محمود درويش الأكثر حضوراً ودهشة لدولة الشعر المعاصر ، في الوقت الذي فقدت بعض الحكومات العربية ظلالها وسقطت أوراقها التي كانت تتنتقب خلفها كانت القصائد التي تأتي إلينا من كليهما كفيلة بتدشين حكومة لا يمكن اتهامها بالتقصير أو التقاعس ، لاسيما وأن الجمهور لديهما لا يعرف ميادين التظاهر ، وشعبهما الشعري لا يؤمن بمنطق الاحتجاجات لسبب قد يبدو عميقاً ، أن كليهما الثورة والحدث .
ولا أعرف على وجه اليقين الاعتقاد الذي ظل يلازمني لسنوات بعيدة أن سميح القاسم هو الذي قرر طوعاً وليس كرهاً لأن يقدم نفسه قرباناً للشعر الأخير الذي دخل مضطرا في معركة الحداثة التي سعت إلى النيل من هوية الشعر وبالفعل تغيرت الأقنعة وتبدلت واختلفت الأصوات الشعرية بقدر حجم اختفائها أيضاً ، إلا أن سميح القاسم نجح حينما قدم نفسه قرباناً للقصيدة في الحفاظ على صوته ، بل يمكن القول مجازاً بأن الشعر كما تسرد كتب النقد والتأويل لا يقوم بدون الخيال ، لكن سميح القاسم دحض الفكرة بمنطق جديد وهو أن الشعر لا يقوم بدون الجمهور لأنه في حالة سميح القاسم الشعرية هو الذي يصنع الخيال ، وإذا كان سميح القاسم يفجر ثورة الشعر فإن جمهوره العريض هو الذي يكسب هذه الثورة أبعادها الاستعارية ودلالاتها الرمزية .
وَجْهَا القَصِيْدَةِ .. شَاعِرٌ وقَضِيَّةٌ :
وربما في حالة سميح القاسم الشعرية والتي تفيض بدلالات استثنائية تشبه بعض الشئ مواجيد محمود درويش الشعرية ، نستقرئ أنه استطاع بفضل جمهور القصيدة الوفي أن يستحيل هو نفسه قضية الشعر بعد أن نجح في جعل قصيدة الانتفاضة والأراضي المحتلة القضية الأرض لديه ولدى جمهوره ، ومن الصعب نسبياً أن يفلح شاعر معاصر في الوصول إلى قرائه باعتباره قضية في حد ذاتها بجانب القضية الأبرز حضوراً في قصائده .
ففي قصيدته ” مقابلة مع المدير ” نرى وضوح الجانب الذاتي عند سميح القاسم الذي سيتنامى بعد ذلك لدى القارئ حتى يصير متلهفاً لقنص حكايا الشاعر الذاتية ، والتقاط التفاصيل المدهشة عن حياته والمنظومة شعراً ، يقول سميح القاسم :
( وضاع شهر آخر/ في البحث عن عمل/ في مصنع الحزن / وفي دائرة الملل/ وضربوا لي موعداً لألتقي بحضرة المدير . / كانت على المقعد،/ خلف مكتب المدير/ طائرة مقاتله/ وانتهت المقابله ! . ) .
وهذا التنامي ربما غير المقصود من سميح القاسم في أن يصير هو القضية كما كانت الانتفاضة قضية رئيسة في شعره ، وكما صارت غزة عروساً استثنائية حاضرة على الدوام في مجمل دواوينه ، هذا التنامي جعله لا شعورياً أن يسير على نفس درب صديقه الرائع محمود درويش في أن يكون ملتحفاً بالمكان الذي صار قطعة منه ، وصار هو أحد تفاصيله ، ففي قصيدته ( غزة ) التي يشير في مطلعها إلى تفاصيل المشهد هناك من موتى وأسلحة وغول وعنقاء وسجن كبير واعترافه الشعري الأكثر شهوداً بقوله ” قد تموت في الفجر ـ غزة ـ قد تموت ! ” ، نجده في نهاية القصيدة يعلن أنه غزة بتفاصيلها المادية والإنسانية ، يقول سميح القاسم في نهاية قصيدة غزة :
( ولا أزال ،/ يا حبي المحظور ، /طفلاً لاهياً في ساحتك / وفتى ينازل غاصبيك ، على تراب أزقتك / وأنا القتيل على الرصيف / وأنا الأشداء الوقوف /وأنا البيوت .. البرتقال ../ أنا العذاب ../ أنا الصمود ../ أنا المئات / أنا الألوف / اليوم صار على المحبين اختيار الموت / أو أبد الفراق / اليوم عروس دمي المراق / وأنا .. وأنتِ / نعيش يا حبي المقاوم / أو نموت ! ) .
وفكرة العناق هذه نجدها بوضوح أيضاً عند محمود درويش ومشروعه الشعري المتفرد ، لاسيما في قصية ( الأرض ) الذي يخلق من خلالها نفس الحالة التي وجدناها عند سميح القاسم في قصيدته ( غزة ) فنقرأ في قصيدة الأرض لمحمود درويش حالة التمازج الطبيعي بين الشاعر والمكان ، يقول درويش :
((” أنا الأرض../ يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها /احرثوا جسدي !/ أيها الذاهبون إلى جبل النار/ مروا على جسدي/ أيها الذاهبون إلى صخرة القدس/ مروا على جسدي/ أيها العابرون على جسدي/ لن تمروا/ أنا الأرض في جسد/ لن تمروا/ أنا الأرض في صحوها/ لن تمروا… ” ).
وعلى هذا النهج نرى قصيدة ( 30 آذار ) وهو اليوم الذي أعلن يوماً للأرض ، وكما يقول سميح القاسم نفسه عن هذا اليوم : ” أعلناه يوماً للأرض .. وأعلنته دماء شهدائنا عيداً فلسطينياً من أعياد الصمود والفداء ” ، وهذه القصيدة تسبح في فلك الاعتراف باستثنائية فلسطين وأرضها ، وفي ( 30 آذار ) نكتشف على الفور أن التعلق الحميمي بالمكان كفيل بتكثيف إحساس الفتنة بالأرض والافتتان بتفاضيلها وما تحمله من ذكريات ضاربة في القدم ، وفتنة الأمكنة شاهد قطعي على وطنية القضية التي يتناولها سميح وغيره حينما يمرون على فلسطين ، وهو رهان شعري لديه لا يمكن الفكاك من شركه ، وحتى وإن كان المكان يبدو مرتعشاً ومضطرباً وفي بعض الأحايين ساحة رعبٍ فإن الألفة بينه والمكان تظل قائمة بغير إرادة للرحيل ، يقول سميح القاسم:
(دمكم صوتنا !/أين سخنين ، عرابة ، كفر كنَّه ؟/أين بحر البقر ؟/أين يا أخوتي دير ياسين أو كفر قاسم ؟/أين يا أخوتي عين جالوت أو ميسلون ؟/أين ؟/لا نسأل !/أين ؟/لا نجهل !/نحن لا نجهل الفرق يا أخوتي/بين معرفة الدم، والمعرفة/نحن لا نسأل الخارطة/دمكم وحده الخارطة) .
وإذا كان المنجز النصي المعاصر الذي يتفاخر به أهل الأدب مبدعين ونقاداً هو الرواية ، بل صار بعض النقاد يلهثون وراء اقتفاء أثر الروايات أكثر من الروائيين أنفسهم وراحوا يؤسسون لعصر الرواية ، فإن سميح القاسم اجتاز مثل هذه المقولات ليجعل القصيدة والجمهور معاً هما المنجز النصي المعاصر ، ذلك حينما استطاع ببداهة العارف بالشعر أن يجعل قارءه جزءاً أصيلاً من النص ، وأن يدفع غير الفلسطيني للتعاطف مع القضية والاكتراث بالأرض التي يتحدث عنها هو في شعره . وكم كان شاعرنا سميح القاسم الأكثر ذكاء ساعة ما قام بتوصيف المشهد في غزة مستخدماً في ذلك آلية الطفل وتفاصيله المدهشة وعالمه البرئ ، ففي قصيدته ( أطفال غزة ) يبدأ سميح القاسم بتوجيه النداءات التي تماثل الاستغاثة لما يحدث في غزة ، ثم ينتقل إلى أحد تفاصيل لهو الأطفال ، مختتماً بدفع القارئ إلى التوحد والاتحاد مع النص الذي سرعان من يستحيل إلى تعاطف وتكاتف من أجل قضية الأرض ، وهنا سميح القاسم ينعطف بعض الوقت بعيداً عن التحريض على الكفاح ونيل الاستقلال ومقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم ، ليرنو قليلاً لاكتشاف سحر المكان واختلافه ، معلناً شرف الانتساب حتى وإن كان رمزياً ليسمح لغيره أن ينال هذا الشرف يقول سميح القاسم :
(للذي يحفر في جرح الملايين طريقه / للذي تسحق دباباته ورد الحديقة / للذي يكسرفي الليل شبابيك المنازل / للذي يشعل بستانا ومتحف / ويغني للحريقة / للذي ينحل في خطوته شعر الثواكل / ودوال تتقصف/ للذي يصدم في الميدان دوري الفرح / للذي تقصف طياراته حلم الطفولة/ للذي يكسر أقواس قزح / يعلن الليلة أطفال الجذور المستحيلة / يعلن الليلة أطفال رفح / نحن لم ننسج غطاء من جديلة / نحن لم نبصق علي وجه قتيله / بعد أن ننزع أسنان الذهب / فلماذا تأخذ الحلوي، / وتعطينا القنابل ؟ / ولماذا تحمل اليتم لأطفال العرب ؟ / ألف شكر بلغ الحزن بنا سن الرجولة وعلينا أن نقاتل. ).
لِذَا وَجَبَ التَّنْوِيْه .. الشِّعْرُ ذاكِرَةُ الأمَّةِ :
وحينما كتب إدوارد سعيد منذ أكثر من خمس عشرة سنة عن محمود درويش مقاله الماتع ( تلاحم عسير للشعر وللذاكرة الجمعية ) أكد في سياقه على أن درويش رغم صيرورة شاعريته وانتقاله اليسير تجاه القارئ العربي إلا أن التلاحم كان عسيراً بعض الوقت بين شعره وبين ذاكرة العرب الجمعية وعلل ذلك إدوارد سعيد بسبب اقتران محمود درويش الطويل باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، وأنه أدخل الخاص والعام في علاقات قلقة دائمة حيث تكون قوة وجموح الأول غير متلائمة مع اختيارات الصواب السياسي والسياسة التي يقتضيها الثاني . لكن سميح القاسم لم يجد عناءاً في التلاحم بين الشعري والذاكرة الوطنية من ناحية ، وبين الشعري والشعبي من ناحية أخرى ، ففكرة التحلل من الارتباط والتزاوج بين حالة الشعر والنظام السياسي كفيلة بأن تصل بالشاعر إلى مقام محمود لدى القراء من جهة ، ونقاد الشعر من جهة ثانية . وحينما يقرأ المرء قصائد شاعر ما ويفطن لبعض توجهاته السياسية والأيديولوجية بصفة عامة فإنه سرعان ما ينقل تفاصيل السيرة الذاتية للشاعر في نسيج نصه الذي ربما لا يتضمن هذه التفاصيل ، أما سميح القاسم الذي قدم نفسه قرباناً للشعر وللقصيدة فهو في حالة ذوبان دائمة مع النص ، فأنت تقرأ القصيدة لشاعر إنسان دونما أن تكترث بوضع اسم سميح القاسم عليها ، لأنه بالفعل في موقف اتحاد وحلول بالقصيدة لاسيما وأنه اجتاز فكرة عرض تفاصيل حياته اليومية في سياق شعري واكتفى أن يكون الصوت وحده . يقول سميح القاسم في قصيدته ( كانت وتبقى ) :
( يخبو الكلام / و تغرب الأصداء/و يغادر الخطباءُ . . و الشعراء/ و يظل قلبك نابضاً / . . و يظل في القلب الكبيرِ الإخوة الشهداء /يا أمنا الأرض ابشري و استبشري / ما زال يحرس عرضك . . الأبناء ) .
وفي قصيدة ( صقر قريش ) نجد الوعي الشديد لدى سميح القاسم بالذكرة العربية الجمعية ، إذ يرى أن من مهمات الشاعر الرئيسة أن يعيد السلطة المطلقة لتاريخه العربي والإسلامي ، يقول القاسم :
(وداعا يا ذوي القربى/ وداعا.. والجراح النجل / في قلبي مضاضتها / طوال العمر /ونفسي يا ذوي القربى / وإن شيدت ملك الله في الغربة / ينازعها حنين السفر للأوبة).
وربما يظل سميح القاسم أكثر شعراء الأرض المحتلة حظاً بوعيه بالمشهد العربي جملة وتفصيلاً ، وهو وعي يعكس معاصرته للحدث الذي يتلقاه كغيره من أبناء الوطن العربي الكبير حتى يتحول بفضل قصيدته إلى جزء أصيل من الحدث ذاته ، هذا ما نجده في قصيدة ( حلم عبد الناصر ) على سبيل المثال ، يقول سميح القاسم :
( ما طرحت زيتونة الذاكره / ثمارها ، إلا وراء الرحيل / يا موت ! / فافتح شرفة الآخره / وماشياً / أخترق المستحيل ) .
حَوَّاءُ فِي قَصِيْدَةِ سميح القَاسِمِ:
يقولون في الأثر على الشاعر أن يسير على أطراف أصابعه وهو يتحدث عن المرأة ، لأنها الشاهد التاريخي على بقائه في دفتر الشعر العربي ، وعلى رسوخ قدميه على النظم والقوافي ، لذا فإن وعي الشاعر عموماً بقراءات نسوية لقصائده يظل خياراًَ شعرياً قائماً برهانات متباينة بين صورة الأم والزوجة والحبيبة والابنة ونساء الوطن ، وللشاعر ما شاء أن يغترف من صمتهن الكثير من التعابير والصور البلاغية ، ومن كلامهن وهج القصيدة ، وإذا كان محمود درويش رفيق درب سميح القاسم قد أدهشنا بقصيدته المدهشة ( أحن إلى خبز أمي ) ، فإن سميح القاسم يظل محفوراً بذاكرتنا بقصيدته الأكثر ثراء المعنونة بـ ( حتى إشعار آخر ) والتي يظهر فيها صدق الوصف والتوصيف لمشاعر ابن تجاه أمه ، لاسيما وأن موقف سميح القاسم يختلف بعض الشئ عن رفيقه درويش ، إذ أن حالة الغياب والرحيل والابتعاد القسري تضغط على روح القصيدة ، مما تجعل القارئ مهيأ للتناص منها دون أن يعي فعل التناص ، يقول سميح القاسم :
( واشتقت يا أمي إليك ، اشتقت يا أمي كثيرا / لا غير صندوق البريد / يهب اليتامى التائهين وراء آلاف الحدود / تهليلة أو حبل سرَّه / وعليك يا أمي السلام / وفي الحضارات التي قتلت أبي كل المسره / لا غير صندوق البريد / علقت منديلي عليه ( شراع ملاح عنيد ) / علقت منديلي المبلل بالدموع عليه / صارت لي سفينة / لكنني قرصان حبي / أرتكب الحنين إلى ملاذك / كالجريمه ) .
وحينما يكتب سميح القاسم عن الحبيبة فيجب التوقف طويلاً لا لتأمل القصيدة فحسب ، بل لتدبر الحالة التي كتبت فيها تلك القصيدة ، فإذا تربينا على قاعدة أن أعذب الشعر أكذبه ، وخصوصاً فيما يتعلق بمديح النساء والتشبب بهن ، فإن هذا ينطبق تمام الوصف على شعراء الوطن العربي جميعهم باستثناء شعراء الأرض المحتلة ، هذا الاستثناء مفاده أن هؤلاء الشعراء تغنيهم قضيتهم الأبدية عن الالتفات إلى وجد القلب وإخفاقه ، وحجم المعاناة التي يعيشها المواطن الفلسطيني بوجه عام والشعراء الذين يحملون بصدورهم قلوباً تستوعب الدهشة بعنف على وجه الاختصاص كفيلة بأن تبعدهم أميالاً طويلة عن الاكتراث بالحب وقصص الغرام الذاتية .
لذا فإن حال الحب في القصيدة الفلسطينية تحمل دلالات أكبر من معاني العشق المألوفة ، وأن الحبيبة في النص الشعري الفلسطيني لا تمثل جسداً أنثوياً يمكن التغزل في تفاصيليه الحسية ، فإن المرأة هنا معادل موضوعي لأشياء أخرى ، أهمها الأرض ، والملجأ ، وصندوق الأسرار ، وصوت النحيب ، و أم الشهداء ، والاستسلام إلى العزلة . ولا أريد الجنوح بعيداً بالقول بأن المرأة في شعر سميح القاسم تشبه السؤال التقليدي الذي يوجهه منفذ الإعدام بالمعدوم قبل تنفيذ الحكم : ماذا تريد قبل أن تموت ؟ . لأن سميح القاسم ومحمود درويش وغيرهما في مقام كفاح مستمر بسلاح القصيدة ، وأنهما حينما يتمنيان حلم العشق المتبادل فهما على وعي شديد بأن الأمنية لا ولن تدوم ، وأن الرحيل والافتراق وارد لا محالة . يقول سميح القاسم في قصيدته ( وأريد ) :
(أريد امرأة / تغفر أخطائي الكثيرة./ وتنساني/ إذا ما غبت قليلاً / ثم تهواني / إذا ما عدت قليلاً./ وتغني لي وتبكي / وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة ) .
ولأن سميح القاسم بوصفه شاعراً ينتمي لمنطقة مضطربة ومسارعة بالأحداث الدامية ، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على شكل القصيدة التي تتناول المحبوبة من حيث قصرها ، وبساطة الوصف والخيال بها ، وسرعة التعبير والابتعاد عن الغموض ، لأن الوقت لا يسمح من ناحية ، وأن الحدث بالفعل ( قصيدة الحب ) ربما لن يتكرر بفعل المواجهة المستمرة مع الكيان الصهيوني الراهن ، بالإضافة إلى التزام الشاعر بالمفردات التي تعبر عن واقعه بصدق ، يقول سميح القاسم في قصيدة له بعنوان ( قصيدة قديمة ) :
( أنتقي من سوسن الحقل وشاحاً لحبيبي/غير أن الحقل مزروع بألغام جديدة/أنتقي من قصب الوديان ، ناياً لحبيبي/غير أن الجند في الوديان/يجرون تمارين جديدة!/أنتقي من كرمنا أجمل عنقود/لأهديه حبيبي/غير أن الكرم ..يا عيني/أحاطوه بأسلاكٍ جديدة/يا حبيبي ..اطفيء القنديل/موتي..مددوه!/فترة أخرى …جديدة!) .
خَيَارُ السِّيْرَةِ الذَاتِيَّةِ :
في نهاية الرحلة التي طفنا بها في بعض عوالم سميح القاسم الشعرية ، نقول إن النقاد المعاصرون رغم أنهم احترفوا الحداثة وفتنتها وفضلوا الابتعاد عن سيرة المبدع وعالمه الشخصي اجتراراً لنظريات نقدية وفدت إلينا من القارة الأوروربية أهمها إعلان موت المؤلف وأن النص أصبح قاسماً مشتركاً بين مؤلفه والقارئ ، ثم ظهرت نظريات نقدية أخرى بعنوان القراءة التفاعلية أو التشاركية أهملت حتى اسم الشاعر أو الروائي ، لكن رغم هذا الزعم فإن النقاد أنفسهم لا يستطيعون إغفال سميح القاسم عن قصيدته لأنه كما ذكرنا القصيدة الحدث ، وأن سيرة الشاعر الذاتية التي تظهر بين حين وآخر في دواوين سميح القاسم لهي جديرة بالذكر والاهتمام ، لأن حالة سميح القاسم السياسية والتي يعبر عنها شعراً لا تسمح له بادعء الكذب أو إخفاء جانب دون آخر ، فالمشهد مكشوف تماماً ولم يعد الكلام عن حدث الانتفاضة وأهلها أمراً بالمسكوت عنه ، وإن كانت السيرة الذاتية أقرب الصلة إلى سيرة فلسطين الجمعية ، لأنه أحيانا يتكلم بصيغة المتكلم لكنه يتحدث عن مشهد تعرض له مواطنوه، يقول سميح القاسم في قصيدته (أدافع ) :
( لم أتمدد على كرسي القماش الملون / في شرفة فندق صيداوي / لم أنشد مطلعاً لجماهير بيروت / هل قلت أطفالي؟ / أنا المحروم من شرف التفجر بديناميت الحب / أنا أسير الحرب المتمتع بحق الانتخاب / أنا المواطن المقيم دائماً على مجرود الزبالة / هل قلت أطفالي ) .
وكما يقول أحد نقادنا المعاصرين عن الشعر الفسلطيني بإن أعظم إنجازات الشعب الفلسطيني عبر سنوات نضاله ، ليست في استشهاد أبطاله ، ولكن في إنتاج شعرائه ، فالشهداء يتساقطون خارج حدود القصيدة ، لكن القصيدة تمنحهم الحياة مرة أخرى ، فينتصبون بداخلها رمزاً جديداً لمزيد من الاستشهاد ، لذا فالقصيدة الفلسطينية على الدوام تنكر مقولة إن الرواية هي ديوان العرب ، فقصيدة فلسطين ديوان العرب وتاريخهم لأنهم بالفعل يعاصرون الحدث ويشاركون في صنعه ، يقول سميح القاسم في قصيدته ( قصيدة الانتفاضة ) :
( تقدموا تقدموا ! / كل سماء فوقكم جهنم / وكل أرض تحتكم جهنم / تقدموا / يموت منا الطفل والشيخ / ولا يستسلم / وتسقط الأم على أبنائها القتلى / ولا تستسلم / تقدموا / بناقلات جندكم / وراجمات حقدكم / وهددوا / وشردوا / ويتموا / وهدموا / لن تكسروا أعماقنا / لم تهزموا أشواقنا / نحن قضاء مبرم ) .
*******************
ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )
ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا




الكلمات المفتاحية
تثوير القصيدة ديوان الشعر العربي

الانتقال السريع

النشرة البريدية