الخميس 24 أيلول/سبتمبر 2020

حوار مع الروائي العراقي المغترب زهير الجزائري

الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

– المنفى انفصال روحي عن مكان ومجتمع قد يستولي عليك وانت داخل المكان

– التناقض بين فضاءين متعارضين تماماً هو الكتابة في المنفى

– طبقة سميكة من التراب بيني وبين البلد الذي تركته أنقب تحتها لاجد مايتطابق مع ذاكرتي

– روائيون وشعراء لم يغادروا الوطن لكن شعورهم بالغربة أثقل من كتابات المنفيين

– العسف والخوف يزيد غربتك  حين تكون بالداخل وانت عاجز عن الفعل

المنفى اعطانا حرية الكتابة افتقدها الكتاب الذين بقوا تحت وطأة الخوف في الداخل

– نحن امام جيل لايعرف الخوف الذي عشناه تحت سلطة دكتاتورية

– بعض المثقفين دعموا السلطة و اتخذوا موقفا معاديا لانتفاضة  تشرين حفاظا على مصدر رزقهم  

حاوره : عامر القيسي

غادر العراق ١٩٧٩ بجواز سفر أردني مزور، كانت لبنان أول محطات منفاه ومنها تشعبت الطرق وكثرت المدن وخلال المنفى ، يقول الروائي زهير الجزائري الذي ولد في مدينة النجف عام 1943، بدلت الكثير من المنافذ والبلدان قبلالاستقرار في لندن.. حيث سكنت خمسين بيتاً تقريباً. فحياتي في المنفى هيسلسلة انتقالات. لم استقر في مكان واحد.. وبقيت أحاول الاستقرار مما ولدلدي انوستالجيا للمكان وهاجساً وحنيناً إلى الأماكن السابقة التي تركتها...وفي كل منفى، ومنفى داخل المنفى، أكوّن بيتاً ومكتبة وأعلق صوراً وأقيم علاقاتمع جيران وأصدقاء وأقول : هذا وطن بديل. ثم أغادره الى مكان آخر. رحلة منفى انتجت لزهير نحو 26 كتابا بين الرواية والبحث والسيرة .

يقول الجزائري عن لحظة وصوله بغداد قادما من آخر مستقراته لندن  بعد سقوط الدكتاتور 2003 ،كل أحلامي ليس فيها أي مكان أو تفصيل للندن أبداً.. دوماً أحلم بالعراق وكيف وصلت ليلاً وأنا أشعر بالخوف من ضوء الصباحمتخفياً في مكاني وتائهاً أريد أن أجد بيتي..كان السفر لنا اقتلاعاً أو حلماًعصياً .ويضيف ،حياتنا وعاداتنا راسخة كما لو أننا لم نغادر قرانا ومدننا .. سبع وعشرون عاما عشتها خارج بلدي في انقطاع كلي. مثل كل كتاب جيليالذين هاجروا . غادرنا البلد في عمر لا يقبل التطبع مع المكان الثاني. لم تدخللندن ، التي عشت فيها منفاي الأطول، في أحلام منامي، بينما كنت أحلم مرتين كل شهر بأني أدخل العراق متخف ، تحت غطاء من الظلمة، أبحث عنبيتي وأخاف في نفس الوقت أن يكشفني النهار لعيون السلطة.

عن نتاجه الروائي يقول الجزائري “داخل الوطن كتبت أول رواياتي ( المغارةوالسهل ) عام ١٩٧٤، موضوع الرواية  أحداث عشتها هناك في المكانالآخر..عن عمان  ومعارك المقاومة الفلسطينية مع الجيش الأردني . عداها كتبتمعظم رواياتي وأنا خارج المكان( نفق الى الشمس) أعدت كتابتها في لبنان،مجموعة قصص الأطفال (قطرة الماء) كتبتها في لبنان ، كتابي عن الفاشيةكتبته في لبنان. في منفاي الجبلي بكردستان كتبت رواية (مدن فاضلة) وأوراق جبلية. في منفاي بلندن كتبت  (المستبد) وروايتين (حافة القيامة)و( الخائف والمخيف). المكان في الروايتين عائم، هو اية رقعة وأي دكتاتور فيوطننا العربي.

وعن انعكاسات  كتابات المنفى على ابطال الروايات يقول (عميد المنفيينالعراقيين الروائي غائب طعمه فرمان يأمر نفسه بحزم  في رواية المخاضيجبأن تعود الى ذكرياتك..أن تتذكر كل شيء وتمثله حتى يخيل إليك إنك لم تغتربكثيراً وتنعكس إرادة الروائي المغترب على سلوك أبطاله، فاستحضار المكانينشط الفعل والمخيلة والذاكرة ). وعن تجربته في رواية ” باب الفرج” يقول الجزائري في مقالة له تحت عنوان ” المنفى والمكان “..كتبت نصف روايتي ( باب الفرج) في مقهى قريب من بيتي ، منه أطل على غابة زان تستقي الماء منثلج جبل لا أرى قمته الغارقة في الغمام . يتنازعني المكانان، الحاضر ومكانالرواية البعيد. انظر وقد انغلق المشهد في ذهني 🙁 أيهما، ما أراه بعيني ، أمما أراه بعين ذاكرتي ؟) إياهما وقد تواريان في الزاوية وقد تعرقت  أيديهما مناللهفةأراقب كل ذلك دون أن أرى فقد نفيت زماني الحاضر وبقيت في زمنالرواية. أجرد نفسي من زمني الحالي خلال الكتابة وأدفع ثمنا باهضاً لماضغير نافع ، مع ذلك فهو ماض زلق يفلت مني .

وعن لحظات عودته من منفاه الى بغداد يقول “بعد ٢٦ عاما في المنفى وبعدأربعة حروب وحصار ١٣ عاماً عدت الى البيت الذي فارقته يوم ٢٦-٤-٢٠٠٣ . عدت وجلاً من ثلاثة مخاوف بانتظاري : النسيان واللوم والموت . دخلت البيتبخطوات بطيئة ومرتبكة . الزمن ترك آثاره في كل مكان : الحيطان مشققة وقداكلت الرطوبة بياض السقوف . وحال لون الجدران المصفر . الأشياءالقديمةمتراكمة في  الزوايا كأن الناس هنا على اهبة الرحيل . وأنا أتفحص الغرف بدأالزمن يتحرك مليئا بالصور ، فالبيت هو الإطار الذي يحفظ الماضي ويؤطره . على الجدران صور الراحلين .أما الأحياء فقد جمعت صورهم على رفوف ، ليسبينهم أية صورة لي . الخوف من النظام أملى على العائلة إنكار وجودي كليا.

ريادة ” باب الفرج”

آخر نتاجك الروائي في المنفى ”  باب الفرجوصفها احد النقاد بان لهاقصب السبق والريادة في تقديم تجربة تعتمد على السرد اللساني والتصويريفي آن معاً، ريادة تطوع الخبر الصحفي والقصة الصحفية وحتى التقرير اوالتحقيق الميدانيين، بل تحاول مزجها لصالح السرد القصصي الوصفي..الىأي حد تتفق او تختلف مع هذا التوصيف ؟

*كما تعرف أنا كتبت كل أعمالي تقريبا في المنفى. استحضر المكان الذيفارقته من ذاكرتي وأنا في مكان اخر. الرواية الوحيدة التي كتبتها داخلالوطن( المغارة والسهل) ، وللمفارقة، كانت هذه الرواية عن مكان آخر هو عمانأيام حرب أيلول ١٩٧١. أن تكتب عن مكان فارقته  هو حفر في ذاكرة. رواية(باب الفرج) هي المفارقة مضاعفة.  فقد كتبتها بافتراق مكاني وزماني. فقدافترقت عن مدينتي النجف وأنا داخل الوطن بعد انتقالي وعائلتي الى بغداد ثمافترقت عن الوطن وصار بيني وبين المدينة سلسلة من المنافي. لكي استعيدالمدينة علي أن أعود اليها وأسترجعها. وهنا دخلت في مأزق التعارض بينالمدينة التي أراها الآن والمدينة التي أتذكرها. المدينة التي أراها الآن افترقتعن ذاتها. هذه مدينة أخرى. لكي أستعيدها وضعت مرتكزا مكانيا، هو الصحنالعلوي المركز المقدس للمدينة ورحت أنقب بين محلات المدينة عن الأمكنة الأخرىوأرمم الانقاض والإنثلامات في ذاكرتي. وفي الرواية افتراق زماني. زمن لمأعشه، هو الفترة بين احتلالين. يدخل المؤرخ هنا ليستعيد ذاك الزمان وأحداثه. المؤرخ كما تعرف بخيل، يختصر كثيرا من الأحداث بجمل قليلة ولذلك لجاتللمذكرات وهذا هو الجانب الصحفي الذي تتحدث عنه. أن تستنطق الموتى عنتجربتهم وعن الأحداث التي عاشوها وشاهدوها. وهنا أتفق معك  في أن السردعندي، وربما عند غيري أيضا، يتداخل فيه المرئي والمحكي، لكن السؤال، أيهماقبل الآخر؟ تأتيني الصور أولا. وفي داخلي دائما سينمائي يرى الأحداثبشكل لقطات. الكلمات هي كاميرتي ووسيلتي لجذب قارئ مشاهد. يقرأ فيرىصور.

تأريخ بلا شهود ..

فيباب الفرجالتي خصصت بها مدينة النجف توغلت في زمن بيناحتلالين ( العثماني والبريطاني ) وتحديداً المدة من 1906 حتى عام دخولالقوات البريطانية الى البصرة عام 1916 ، هل كنت تقدم قراءة مغايرة لهذهالفترة أم استخدمت التأريخ للغور في البنية الاجتماعية والسياسية لمدينةالنجف ؟

* في هذه الزاوية ( باب الفرج) كتبت عن تاريخ لم أعشه ولم يرويه لي شهودعاشوا الأحداث. التاريخ كان مادتي لكني لم أكتب رواية تاريخية ولم أكن أكاديميًا مخلصا للتاريخ. غزوة الوهابيين للمدينة والطاعون حدثا في زمانآخر. كنت أمسك بلحظات من هذا التاريخ وأحدد عناصر هذه اللحظة المعاشةوأشحن الآنية الحسية في مواجهة الواقع الموضوعي. الى جانب التاريخالموضوعي الذي كتبه المؤرخون صنعت في الرواية تاريخي المتخيل. راويةالرواية يطير فوق الأحداث ويرويها لنا ، وهو لا يطير فوق الأمكنة وحسب ، إنمافوق الأزمنة أيضا، فيرى أحداثا عاشها أجداده الموتى ويرى أيضا أحداثا لمتحدث بعد. أنا صنعت تاريخي الخاص وحاولت أن أكسو الأحداث التاريخيةبلحم ودم من عندي، من شخصيات أعرفها في زمان آخر.

التناقض خلال الكتابة ..

قلت في مكان ما ،أجرد نفسي من زمني الحالي خلال الكتابة وأدفع ثمناباهضاً لماض غير نافع ، مع ذلك فهو ماض زلق يفلت مني .هذه الذاكرةالتراجعية تعاكسها ذاكرة أخرى اكثر تلقائية، ذاكرة تجبرني على  أن ادبرحياتي الراهنة بدلا من نبش قبور الماضي..ماذا يعني هذا ؟ هل طلّقت الماضيبعدباب الفرج؟

* يحدث دائما هذا التناقض خلال الكتابة بين واقع اللحظة التي أنا فيها حينأهم بالكتابة وبين اللحظة الروائية التي سأكتب عنها . أنا جالس في مقهى فيلندن. الجلاس حولي كل منشغل بعمل ما، واحد منهم يغازل فتاة الى جانبهوآخر يرتب حسابات زبون وثالث شبه نائم يسمع موسيقى لوحدهخلفالزجاج في الشارع تنث السماء مطر لم ينقطع منذ البارحة ، وانا هنا أحاولاستحضار ما هو مناقض تماما للحظة الراهنة .. مكان صحراوي ومناخ قاريساخن مشحون بعواصف رملية وسرب من جمال تحمل محاربين بدوهذاالتناقض بين  فضاءين متعارضين تماما هو الكتابة في المنفى. أن تقسم نفسكالى نصفين، أنت هنا وهناك في نفس الوقت، هنا في المكان الحضر وهناك فيالماضي الذي لا يمضي. حين تكتب عن المكان الأول عليك أن تنفي منفاكوتمسك المكان الأول بذاكرتك. المكان مهم للمنفي، فهو الإطار الذي يحفظالصور الحقيقي منها والمتخيل. لا تأتيني الذكريات تلقائيا وعلى غفله. اناأذهب اليها بقصدية، فتهرب مني،ولذلك استعين بذاكرة عاشوا الحدث معي أوعرفوا عنه علي ان اعيش الزمن بالمقلوب لكي اكتب عن زمان ومكان غادرته.اللغةً تستطيع ان تستعيد الأشياء والأفعال الزائلة من خلال التسميةوالوصف.

سلسلة المنافي ..

غادرت العراق عام 1979 وتنقلت في بلدان وعايشت اماكناً وناساً وعلاقات لكنك في غالبية منجزك الروائي والصحفي تبدو اكثر تمسكا ومعالجة للمكانالذي ارتحلت منه منفيا ..الوطن ..لم يكن المنفى مناسباً لك ..صحيح ؟

* المشكلة إنه لم يكن منفى واحد، إنما سلسلة منافي، وعدة بيوت في كل منفى.  تتطبع على المكان والبيئة الاجتماعية ثم تقتلع منها، والاقتلاع ليس مغادرةطوعية، إنما قسر من خارجك. كل تطبع يتطلب نسيان المكان السابق، ثم اقتلاعقبل أن يكتمل التطبع. لم يعلق المنفى تماما ولم يكتمل في ذاكرتي. أنا في لندنقضيت الشطر الأكبر من حياتي، لكني لم أكتب سوى بضع صفحات عنالمدينة، كتبتها وأنا خارجها بعد عودتي للعراق. المشكلة إني وصلتها بعدالأربعين حين فات زمن التطبع.

بين فرمان وهلسا ..

قلت في مقال لكخلال تنقلي كنت أتردد بين مثالين ، بين العراقي  غائبطعمه فرمان و الأردني غالب هلسا. ينفي الأول منفاه بأن يمسك بذاكرته المكانالأول ، بينما يعالج الثاني النسيان بالفعالية الإيجابية وبالدراسة الإرادية لمنفاهالجديد بعلاقاته وتاريخه وطباع ناسه..يبدو من نتاجاتك انك اخترت الامساكبالمكان بالضد من فعالية النسيان ..هل هذا صحيح ؟

* فعلت مثل ما فعله غالب هلسا خلال فترة وجودي في بيروت، وهي منفايالأول، عشت أحداث الحرب الأهليه شاهدا منفعلا بها وفاعلا في حدود مهمةالكاتب. حين وصلت لندن في بداية التسعينات وجدت مدينة منجزة في غيابيلم أستطع أن أضيف لها حجرا. وصلتها حين بدأت الحرب على العراق، وكانسكان المدينة مشغولين بهذه الحرب. مظاهرات يومية ضد الحرب التي شغلتكل نشرات الأخبار، ولذلك عشت الحرب باعصابي. وعشتها جدلا مع أقربالناس الي.

الدكتاتور نفسه ..

في روايتيك (حافة القيامة) و( الخائف والمخيف) عوّمت المكان ، فبدا كأيرقعة والدكتاتور كأي دكتاتور في الوطن العربي . وعنهما قلتتوزعت الأمكنةوالأحداث  في الرواية الواحدة حتى أني نفسي أجد صعوبة في تحديد المكانهل غادرت فيهما منهجية الامساك بذاكرة المكان التي تميّزت بها أعمالكالروائية ؟

* خلال عملي كصحفي غطيت أحداثا كثيرة ورأيت عددا من الطغاة امتلاتبهم مخيلتي، كنت في السودان حين سقط النميري وسمعت ضحاياه يتحدثونعنه، وفي ليبيا شهدت القذافي يتمخطر كالطاووس وهو يستعرض الجماهيرالتي تمر أمام منصة التحية ، عشت أشهر في مصر وأنا أرى صور مبارك فيكل مكان ورأيت تملق المتملقينكل هذا إضافة لدكتاتورنا المميز بين الكل. عرفت المشترك بين كل هؤلاء الديكتاتورين والمفترق فيهم. القمع واشكاله، تصفيةالرفاق، النزعة الاستعراضية، الخوف من غدر الاقربين، وكل واحد هو ابن بيئته. كانت مخيلتي تطوف بينهم، هو واحد بينهم وهو كلهم في نفس الوقت

النسيان والموت واللوم !

بعد ٢٦ عاما في المنفى وبعد أربعة حروب وحصار ١٣ عاماً عدت الى البيتالذي فارقته يوم ٢٦-٤-٢٠٠٣ . عدت وجلاً ، كما وصفت انت بنفسك ،من ثلاثةمخاوف بانتظاري : النسيان واللوم والموت..ماذا وجدت منهم ؟ كيف تعاملت معهاو معهم ؟

* (تعاملت) كلمة لا تنطبق على حالي بعد عودتي. لو سألتني كيف (تهت)  بينهم. (تهت) هي الاقرب سأقول لك إني عدت في نظر نفسي وفي نظر أهليطفلا، لا يجيد التصرف.… أستطيع أن أقول إني لم أعد أصلا لأني دخلتمنفى آخر ، فالمكان ليس نفس المكان الذي تركته. كأن  أحداً  قلب الاتجاهاتفي غيابي بحيث لا أعرف الأمكنة، والناس غير الناس الذين تركتهم قبل  ٢٥ عاما فيها  هما حربين وحصار طويل. كل شىء في البداية ينكرني أنا العائدمتأخرا، وكل شىء يتنكر لي هناك طبقة سميكة من التراب بيني وبين البلد الذيتركته. كنت انقب تحتها لأجد ما يتطابق مع ذاكرتي. لقد تطلب الأمر كثيرا منطيبة القلب، وكثيرا من التأدب والكثير الكثير من الأسئلة وتقويم اللسان لكياتطبع واقبل.

دراما الرئيس الهارب

سؤال ربما يبدو خارج السياق ، لكنّي أراه غير ذلك ، أود ان تصف لناشعورك ورؤيتك للحظة اعدام صدام المستبد والهارب كما في روايتك القصيرةوراء الرئيس الهارب. هل كانت لحظة تشفي أو فرح أو حزن انساني في لحظةفارقة خارج سياقات المعدوم ؟

* في روايتي وراء الرئيس الهارب صورت صدام في ايام هروبه واختفائهوانتهيت في اللحظة التي ارتفع فيها غطاء الحفرة. بدى لي الهروب حالة درامانموذجية.…البلد الذي كان يحكمه ينتفض عليه. البلد نفسه تائه حين غاب عنهحاكمه المستبد، يفلت من قوانينه ويتشظى بكل الاتجاهات. الصور كلها مبتورةليس لها بداية ولا نهاية لأن الرئيس يراها من ثقب وهو مختف في شاحنةويراها وهو عابر. الندم يسيطر على الدكتاتور وهو يستعيد ماضيه. بعد أنخرج من قصره ومنصته بدأ يرى ما كان يجهله ويعرف ما كان يخفيه عنهأتباعه. نحيت كراهيتي تماما وانا اكتب عنه محاولا تلبس حالته. أقول لكبصراحة إنني لم أشعر بفرح وانا ارى لحظة إعدامه، فالطبقة التي أتت بعدهلديها من قلة الذوق في اختيار التوقيت وطريقة التنفيذ بحيث يحل القرف محلالفرح. يجسد قلة ذوقها هذا الرجل الذي احتفظ بالحبل والرأس منحوتا ووضعهفي ركن غرفة الضيوف للتباهي به أمام الإعلام وضيوفه

اختلافات أدب المنفى

زهير ، هل هنالك عناصر عمل روائي تشترك فيها روايات المنفى ، بالتحديد ،هل لها هوية خاصة ؟ هل تشعر ان ماكتبته في المنفى مختلف عمّا كتبته فيالداخل ؟

* هناك اختلافات في أدب المنفى تفوق الاختلافات في أدب الداخل. روايةغائب طعمه فرمان كتبت في المنفى، لكنها أقرب الروايات الى الداخل فيحواراتها وبيئتها المحلية. غائب هو عميد المنفيين وأطولهم مكوثها في المنفى ،لكنه الأكثر محلية بين الروائيين العراقيين. وقد قرأت لروائيين وشعراء لم يغادرواالوطن، لكن الشعور بالغربة عندهم اكثف وأثقل من كتابات لمنفيين.

المنفى هو انفصال روحي عن مكان ومجتمع، قد يستولي عليك وانت داخلالمكان. العسف والخوف يمنعك من الاندماج ويزيد غربتك اكثر حين تكون فيالداخل وانت عاجز عن الفعل.

في المنفى، خاصة حين يطول النفي ويتعذر الاندماج يصبح التذكر غاية وليسوسيلة للمعرفة. تذكر المكان الساكن وتصبح النوستالجيا وسيلة للتواصل مع مافقدناه. هذا الحنين المنكسر موجود في أدب المنفى وفنه. لكن المنفى أعطاناحرية في التعبير افتقدها الكتاب الذين بقوا تحت وطأة الخوف في الداخل.

الانتفاضة في مواجهة سلطة الفساد

اتيت آخر مرّة  الى بغداد وساهمت في انتفاضة تشرين ، او الحراك الشعبيفي مواجهة سلطة الفساد والفشل كما رآها المنتفضون ، وكتبت عنه ايضا ،ماهو تقييمك لدور المثقف العراقي في هذه القضية ؟ هل تعامل معها كنشاطسياحي اعلامي ام كان في عمق الحراك كدور فاعل او محرض من أجل عراقمختلف ؟

* اتحدث أولا عن نفسي. لقد كان الحدث بالنسبة لي مفاجئاً بكل المقاييس. مفاجئا بجمهوره وتوقيته واستمراره. ومفاجئاً في العنف الذي وجه إليه. قبلهشاركت في مظاهرات عديدة بعد ٢٠٠٣. ولكني كنت دائما مع مجموعة مدنيينويساريين أعرفهم. هذه المرة كنت وسط جمهور آخر تماما. جيل عجيب لديهإصرار ، لا يعرف الخوف الذي عشناه تحت سلطة دكتاتورية، جيل يتواصلأفقياً خارج الأحزاب. لم أكن قائداً ولا موجهاً، ولا حتى ناصحاً، فقد عرفالشباب بأنفسهم كيف يوجهون بعضهم ويخففون الغلواء فحل العقل محل الغضب.رأيت بعيني خلال الأيام المجيدة في تشرين ٢٠١٩ كيف تجسدتانعطافة في وعي الشباب. خلال وجودي في الساحة طوال شهرين ونصفتعرفت على شباب الساحة من خلال المشاهدة وأحاديث مطولة تحولت الى كتابسيصدر عما قريب. مواقف المثقفين من الانتفاضة متفاوت تماما، بعضهممشارك فعلي فيها ومن داخلها محرض ومنظم، بعضهم الآخر سجل حضوراأخذ صورة ثم توارى، وهناك من اتخذ موقفا معاديا لها مع السلطة حيث مصدررزقه.




الانتقال السريع

النشرة البريدية