الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2020

مدينة الملح…

الأربعاء 10 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ما كان حريا به أن يخوض في قيض مدنه التي رام أن يكون سيدها، شارفت رحلته علىالنهاية بعد ان لفحت وجهه حرارة شمس طمست ظلها بعيدا كي تثير حفيظته التي ما أنتمسك تلابيب ثوبه حتى تمزقه، تكشف ستر العورة التي لا يريد لأحد أن يراها، هكذا اعتادان يكون فحل صحراء تتلاعب رمال الكثبان بخصيتيه كي تثيره وقد مل الوحدة كانمحيترش أحد أمهر أدلة الصحراء الشباب ببواطن خباياها، رافقها مذ كان والده يسوقهأمامه، يصف له تلك الأنثى التي عافر أن تكون له خليلة أكثر من أمهالمرأة التي شدتعصابتها وهربت عند أهلها بعد اول أشهر من معاشرته فهو رجل لا يطاق جلف فما أنيعود من رحلاته التي كان فيها حتى أهلكها ركوبا وصعودا كأن لا هم له سوى انيضاجعها كالبهائم، كانت تلك الفترة التي طرح حيمنه محتريش في رحمها الذي تمزقبولادته، ماتت رغم الملاذ البعيد عند أهلهافي تلك المدة رموه بعيدا لكن هناك من تلقاه رأفة به وأوصلوه الى والده رجعان ليأخذه منهم، فهم لا طاقة لهم بلقيط يسود وجوههم ولا حاجة لتربيته وهم أصلا لا يعترفون به او بأبيهأخذه حيث جدته التي واكبت علىرعايته بإرضاعه من الابل.. قوي عوده وشب سريعا.. رافق والده أغلب رحلاته الطويلةالتي يغيب فيه كدليل مع القوافل التي تنشد التجاره لأشهر طويلة وتمتدة بعض الأحاينالى سنين أو غزواته الماجنة، مدن صغيرة خبرها محتريش مع والده لكن رحلة واحدةعلقت بذاكرته يستعرضها كلما مر بأي مدينة غيرها، إنها المدينة التي اغلب القوافلتتوقف عندها لما فيها من وفرة مياه وبضائع.. تشتهر ايضا بوجود مرسى للسفن التيتجلب الملح من مدن بعيدة لذا سميت بمدينة بالملح، ظهر على أبيهه المرض إلا ان عنادهجعله يكابر ويذر كل اوجاهه بوجه رياح سموم تشقق جيوب رحم الألم، كانت تلك المدينةهي التي قَصَهُ والده عنها بأنه يتمنى أن يموت فيها بعيدا عن خيام ألفها خشنة وبيوتشعر طالما نتفتها الرمال وأطاحت بشعرها حتى أصلعت وكشفت عورة من يختبئون بيندلة وهرج لا طائل منه، بيوت جعلت من الشيخ أميرا و واليا وهو أشبه بتيس، همسهمعمعة يهرج به يلوكه مثلما تأكل التيوس نواة التمر اليابس، تشتاق نفسه إن طمعبالتغيير الى غزوة أو صيد ضب او حبارى أهلكها الحر فسقطت ميتة قبل ان يصطادهاكلاب الصيد هي من تجوب الأماكن الصعبة أما هو فيسير فارسا وخلفه من يسايرونهطمعا في ثريد او عطاء متيبس، هذا لا يعني يا محيترش أنه لا يوجد رجال ذوي نخوة وصولات بلى يوجد لكنهم رحلوا بعد ان ملوا الحياة التي تجبرهم أن يكونوا قطاع طرق اومدافعين لغزاة مثلهحياة صعبة الرجال فيها أشد قسوة وجلافة، اما النسوان فلا هم لهنسوى الرعي او الطبخ والنوم بالفراش تالي الليلأنت يا محيرتش محظوظ يا وليدييمكنك ان تبقى في هذه المدينة تتعلم وتكون من اصحاب المال فإذا رغبت دليتك على منيعينك وتعمل معاه في كاره، هو صديق لي منذ سنين طوال وانا في كل رحلة اكون فيهافي هذه المدينة ازوره واخبي عنده بعض الدنانير التي أحصلها من السفر، علم محيترشبفراسته أن سقطة أبوه ستكون نهايته لاشك، فملك الموت حط رحله عند راسه ولابد يأخذهمعاه، فقال له: عين خير يبا أنا معاك في كل الذي قلته، لكن أول شي خلي ناخذك للعارفاو العارفة حتى يطببوك وبعدين نشوف

أيام قليلة كان محيترش قد وارى والده في المكان الذي قال له عنه بأن يدفنه فيه، ثم ذهبالى العمل مع صديق والدهلم يحزن على شيء تركه وراءه فليس هناك من يحن له حتىجدته التي إن شعر بالحنين لحضنها تذكر غربته بين تلك العشيرة التي طرحته بعيداوتركوه مع جدته في اطراف بيوت الشعر التي نتفها الجفاف والقحط، كان صاحب القافلةالتي صحبها والده قد غاب لفترة حيث مدن قريبة عن مدينة الملح ولما عاد من بيع بضاعتهجاء الى محيترش كي يكون دليله في طريق العودة بعدما علم أن رجعان قد مات وذاك كانوعد والده لم يخبره عنه، مما حدا بمحيترش الى الرفض والعراك غير ان صديق والدهأباح له بالحقيقة وأنه كان شاهدا على وعده حيث قال إن تكن الحياة قد فارقتنيمحيترش سيعود بك، كون هذه رحلة التاجر الأولى الى مدينة الملح وقد دفع لوالدك يامحيترش الضعف

راغ محيترش بعد ان تنعم بالثياب والطعام والبيئة فقال: سأرد لك ما اعطيت لوالدي هووعدك وقد مات ,انا في حل من وعده لك فأنا لم أكن حاضرا بينكما عندما وعدك.. غير أنصديق والده قال له: هذا ليس من شيمة تربية والدك فلا تجعله يزعل عليك او تسيء له بعدموته، لزاما عليك ان تعود مع التاجر وكن مطمئن حلالك ومكانك مضمون عندما تعودبالسلامة إن شاء الله، ولا تظن الناس ما تعرف او ما تسمع فالرجل كلمة وسمعة و والدكاعطى كلمته عليك تنفيذها وطاعته حتى يبقى أسمه وأسمك مثل الليرة الذهب..

محيترش شاب خبر الصحراء ولهيب رمالها مثل اي دليل غير أنه اشترط ان يكون السير منبعد الغروب حتى الفجر رغم أن الليل خطر ولا يخلو من الذئاب او قطاع الطرق وسلابةالقوافل لكنه بذلك يضمن للتاجر ومن معه لهم الآمان ولبضائعهم، خاصة أن أكثر الجمالبطيئة في السير وهي تحمل الملح، وافق التاجر ومن معه إلا ان من رافقوهم لم يكونواموافقين  وخروجهم كان للصحبة والأمان  فلا حيلة لهم خاصة أنهم عرفوا محيترش رجلالصحراء والدليل الذي يعلم السير بطرق مختصرة حتى لو في هندس الليل، غلب علىالتاجر المشقة والتأخير فقال الى محيترش وهو في خلوة معه.. يا محيترش إن سيرنالنصف يوم لا تكفي ستكون المدة أطول والمونة تكاد تخلص ومثلك عارف لنا عوائل ومعنابعض النساء ايضا وهناك رجال ملوا وأخذوا يتذمرون ويطالبون ان يسيروا حتى فيالنهار ويطلبون منك وانا معاهم ان نستريح لبعض الوقت للضرورة في الامان التيتعينها فأنت خبرت الصحراء ودروبها يا محيترش يا ولدي لقد خرجنا ولا نعلم اين نحنيدخلنا ليل ويطلع علينا ليل، والنهار الذي نجلس فيه لا شغل ولا عمل بس هذرة وأكلوشرب وهذا ينقص من المونة خلي نتحرك ليل مع نهار ابرك لنا وانت ابصر بعد يا ولدي اللهيرحم والدك كان ذيب ولا يخاف الصحراء ويعرف شلون يطوع المسافة ويخليها قصيرة..

دار حيث رغبتهم وسار بهم كما رغبوا، يَجِد في السير حتى تذمروا لعدم التوقف أوالراحة إلا لساعات قليلة لكنهم لم يجرؤا على البوح فهذا كان طلبهم، الغريب أنه طولالرحلة لم يجالس أيا منهم حتى مأكله ومشربه لوحده لا يرونه نائما ابدا حتى وإن نامكانت عيناه مفتوحة يبصر بها رغم كثرة الغبار يلوذ بهضبة التلال يراعي الجمال اكثر مناصحابه وعندما يسألونه يقول لهم: لولاها كنا متنا من زمان عليها الماء والحلال وفيهااللبن كان بعيره قريب إلى نفسه فهو ورثه عن والده، استغربوا كثيرا عندما يسمعونهيحدثه ويقول له: شور علي أمشي ولا اتوقفوالاغرب ان البعير يجوابه كأنه يفهم ما قالله

وصلوا بعد ان شارفت مؤنتهم على الإنتهاء فرحوا بالسلامة شكروا الله وشكروا محيتريشالذي ما ان وصل حتى قال: بعد ثلاث ليال راج ارجع اللي يحب يسافر معاي في الذهابفقط انا حاضر لكن لا وعد عندي في الرجعة لقد قررت ان اعيش في مدينة الملح عمري كله..

ذهب الى جدته التي كحلت عيونها في شوفته وقالت له: وين ابوك فأخبرها عنه فحزنتساعتها وصرخت وطاحت دون ان تقوم، ماتت فصاح لا حول الله كأنك يا جدة تنتظرينتموتين وادفنك مثل ابوي لا حول ولا قوة إلا باللهمرت الليالي الثلاث وهو في كمد وحزنفقد كل من له صلة في هذه الدنيا أمه و والدة واخرهم جدته، لم ينتظر أكثر فما ان انتهىالعزاء حتى ركب بعيره وقد لحق به بعض ممن رغبوا السفر معه حيث مدينة الملح، يعرف اغلبهم لكن القليل كان لأول مرة يراهم، يجرف الصحراء جريا كأنه يحدثها بأن هذه رحلته الاخيرة التي لا يراها بعد فيها وهذا وعد منه، ستكونين مجرد ذكرى أعيشها او اقصها على من يسألني عنك، سأغتسل كل يوم في مدينة الملح التي احببت، سأعيد صياغة حياتي، اقسم لك أن افضل ما ترك لي أبوي هو ان قادني حيث مدينة الملح، مات وترك لك الإرث الذي احلم به بعيد عن تلك الضباع أجلاف الصحراء وقطاع الطرق تلك الصحاري التي ما ان تجوبها حتى تشعر أنك حيوان ارتاد العيش على السلب والنهب، الريادة فيها للجهلاء وهم الذين يأمرون وينهون… صعب ان تعيش في مأمن من غدر او خيانة أو دسيسة، الفقير فيها فقير دائما وذليل… سأبني لنفسي اسما مثل السندباد العراقي سأكون تاجرا في مجالات البحر حيث مدن أخرى لا أخاديد فيها ولا تيه..

دلف البعض إليه وقد رغبوا ان يكون معهم في جلسة سمر مساء، فرأوه سارحا يشم النسيم وهو يحدث نفسه هاهي ريحك يا مدينة الملح اشمها لقد عدت إليك بإذن الله يومينوليلة اكون في حضنك وضيافتك وأول شي افعله ازور قبر والدي اشكره على ما تركه لي فيك.. جفل ويده على زناد البندقية لكنهم ردوا على كيفك يا محيترش جئناك نطلبك تجلس معنا للتسامر؟ لم يرغب لكنه وافق فما أن قام حتى طعنه أحدهم وهو يصيح… هذا ثار أختي من ابوك المعفن يا محيترش سلبها وعافها ثم تركها لين ماتت يوم ولدتك…

مات ولم يعلم محيترش ان والدته كانت سبية من أحد الغزوات التي شارك والده فيها واخذها غصبا حتى هربت منه دون علمه بعد أن عادت حيث اهلها وماتت بينهم وهي تلده ثم  رموا به الى الصحراء لكم هناك من رحم به واوصله حيث والده الغاصب.




الانتقال السريع

النشرة البريدية