الاثنين 13 تموز/يوليو 2020

تحدي البلاغة(3)..المفسد والسفيه (العلم والشعور)

الخميس 04 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

أوائل سورة البقرة ، والايتان:(12،13)
هناك رجلان في هذه الدنيا يخرّبانها ،الاول بقصد ولمنفعة والثاني بدون قصد وربما بلا منفعة ،،(احدهما لايشعر والثاني لايعلم) ،وقد يجمع رجلٌ الصفتين معا ولكنه في حال مختلفة مع كل واحدة،وكذلك في الدين، ..
فالمفسد يخرب.. ويعلم.. ويظن انه يفعل شيئا فيه منفعة له ،ولكنه قد يجادلك على صلاح هذا الامر ويقسم انه أمر فيه صالح للعباد والبلاد كذلك ،،وذلك لانه لايشعر انه مفسد وبهذا فلاتنفر نفسه من الافساد والفساد، فيعيش طبيعيا ويضحك مع الناس ويربي اولاده ويأكل ويشرب وقد ينام مطمئنا ايضا ،،وهذا من غرائب طبائع المفسدين او الفاسدين، وهؤلاء قريبون من قوله تعالى في الاخسرين اعمالا : ” الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”. فمنهم من ليس فقط “لايعلم” انه مفسد ، بل يظن انه يحسن صنعا ايضا ،وهذا امر فيه تفصيل اذا اعتبرنا الآية الاخيرة التي تتحدث عمّن افسدوا في الدين حصرا ،من الامم السالفة وكذلك بعض ممن نزل بحقهم القران ممن حرّفوا الكتب الالهية او من حاربوا وجادلوا الرسل وبضمنهم خاتم الرسل .
وفي الدنيا ايضا هناك من يخرب ولكن يظن انه يُحسن .والمفسدون أخطر مايكونون اثرا حين يكونون قادة للناس ومحط اتِّباعهم، عندها سيكون خطرهم عظيما ومورده وخيما ،،قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ () جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار”. ُ الطامة ان قومهم لايُعذَرون عند الله بفساد قادتهم ولذلك فمصير قومهم ايضا جهنم ،ولم يشفق عليهم الله كونهم غرر بهم ،فدار البوار في الدنيا وكذلك في الاخرة (عطف بيان ) لجهنم .
وهؤلاء قد يظنون انهم مؤمنون او يدعون ذلك :”وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ” انظر فهم “يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ”..ومرة اخرى (لايشعرون)، فهؤلاء يخادعون (اي يحاولون .وهذه الف التكرار والمحاولة زيدت على الفعل الثلاثي -خدع يخدع- ، فانت تقاتل اي تحاول ان تقتًُل وليس شرطا ان تنجح فقد تقتَل انت ..او (المشاكلة) “فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة ، ولا يجوز حملها على الحقيقة ، لأنه – سبحانه – لا يخفى عليه صنع المنافقين؛ بل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قال تعالى : “إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ “* اذن هؤلاء يحاولون خداع الله ، والحقيقة انهم يخدَعون (وهنا تغيرت الصيغة والتصريف الى فعل تنفيذ وليس محاولة) انفسهم، بل ما يخدعون احدا الا انفسهم ، فحتى المؤمنين ممن صدقوا بهم لم ينخدعوا ..فهم مؤمنون بعد كل شيء وفائزون وحصلوا ثوابهم واجرهم عند الله ورُزقوا الجنة ،ونجوا بآخرتهم من عذاب اليم ،، الا هؤلاء المفسدين فقد خدعوا انفسهم واوردوها الهلاك ..فبين – سبحانه – غفلتهم فقال : “وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ” وذهبوا الى مصير سيء ، وهذا مصداق كبير لكونهم (لايشعرون) ..فلو كانوا في شعورهم الحقيقي ووعيهم لما خدعوا انفسهم ، فلا يقبل الانسان المدرك لافعاله حقيقة وشعوريا، ان يخدع نفسه ويودي بها الى النار بيديه .
فالمفسدون اذن مخادعون (ولايشعرون) بما تجني ايديهم بحق الناس بل وبحق انفسهم :”وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ()أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُون ”
وهذا لا يعذرهم بل يزيد عذابهم ، فهو مرض في القلب والعياذ بالله :”فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖوَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ”. ومن طرائف هذه الاية الكريمة انها لم تقل (ورسوله) على غير المعتاد ، فلم تذكر مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة الله هي مخادعة لرسوله لزاما، ولذلك فكان الرسول يعلمهم ويعلم محاولتهم بتعليم الله له، “*لأنه هو الذي بعثه إليهم ، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه، قال تعالى *”: إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )فهؤلاء يسعون لخداع الله والمؤمنين” .
هذا عن المفسد ، اما السفيه فانه (لايعلم) ويظن ان الناس من حوله سفهاء ، فتاتي لترشده فيأبى ، وتقول له آمن كما آمن الناس ، ولاتفلسف الامور وتعقدها وتجادل فيها فتظن نفسك هاديا وذكيا ، (وهنا فرق –للمعترضين- بين ان تؤمن كما آمن الناس بمعنى تكون مهديا دون سفسطة وتشكيك ولاباس في السؤال والتمحيص-وبين ادعاء رفض الانقياد الاعمى كما يقولون حديثا) فالله نفسه رفض ذلك قبلك وحثك على التفكر والنقاش والسؤال: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ”.
ولكن السفيه تأتي لتدله على الطريق فيقول لك اتريد مني ان اسير مع الناس الذين لايعقلون! : “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ”. ويظن السفهاء عندما يشتد عليهم امر الطلب من قبل الناس ويهدي الله الجماعة فينكصون ويتاخرون، فيعلنون ايمانا كاذبا ، يظنون انهم بعقولهم “الراجحة”! هذه يستهزئون بالناس ،فلما يختلون الى انفسهم او الى شياطينهم يقولون شيئا آخر :”وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ” . فهم (لايعلمون) فعلا ، ولو كان يعلمون لفكروا : كيف نخالف الناس والفطرة والهدي والصلاح ودين يدعو الى حسن الخلق واداء الحقوق ،! ولكنهم لايعلمون ، ويطيعون شياطينهم وشيطان الهوى والنفس الذي يهيء لهم انهم لو كانوا على خطأ فلماذا يصبر الله عليهم ، وكذلك مَن حولهم يقولون مثل ذلك ! لماذا يصبر الله عليهم وهم يستهزئون او لو كانوا يستهزئون !؟ ،،ولكنهم (لايعلمون) ان :”اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ” ذلك جزاء وبالا لهم ، فهم : “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ”. فكل اولئك المارقين ، من المفسدين الذين (لايشعرون) ، والسفهاء الذين (لايعلمون) او ممن جمعوا الامرين معا وهم مطمئنون راضون ، جميعا حالهم حال من استوقد النار من حوله او كمن أُوقدت نارٌ من حوله فكان نورها ينفع الناس ويفتح الظلمة ويتقون بها الوحش والهوام ويعدون لانفسهم منها المؤونة والطعام ، ولكنه أعمى لايبصر من ذلك شيئا ولاينتفع او انه أغمض عينيه عنها او ان الله أذهبَ بصره وطمس بصيرته وأغلق سريرته فماعاد يرى ماحوله من نور ولاينتفع به لجهله وافساده وسفاهته فاولئك :”مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ” وصدق الله مولانا العظيم.




الكلمات المفتاحية
العلم والشعور المفسد والسفيه تحدي البلاغة

الانتقال السريع

النشرة البريدية