الأربعاء 15 تموز/يوليو 2020

النشأة والاعتقاد (1)

الأربعاء 03 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كنت معجبا ببطل رواية جعله المؤلف البارع محبوبا بطريقة احترافية – رغم انه قاتل ومجرم- ..علقت هذه الشخصية صغيرا ،،فلما كبرت ووعيت الامور وصار عندي اذى الانسان والحيوان خطيئة لايمكن تقبلها،،وقد نسيت ذاك البطل.، ثم وبعد سنين طويلة شاهدت نفس الرواية كفلم سينمائي وشاهدت بطلي يقتل الناس ويظلم ضعفائهم بمعاذير شتى ، ووجدتني ادافع عنه وابرر افعاله امام صدمة المراة النقية التي تحبني وتتخذني مثالا يحتذى في الانسانية والتعاطف ..وهنا سألت نفسي وعذلتها وحاولت معها ان اكره الشخص فلم استطع ..استغربت وانا الذي انادي بالموضوعية ويعدني البعض “ناقدا محايدا” ..!
كيف اذن نطلب من ناس تربوا وترعرعوا على محبة اشخاص احياء او اموات كرموز دينية وكانوا يزورونهم صغارا ويقدسونهم كبارا ولامسوا مشاعر طفولتهم ومرابع نشاتهم ، ومعهم كل ذكريات العائلة والمناسبات ؟، كيف نطلب ان يتخلوا عن كل ذلك بسهولة..؟! وهؤلاء اناس عاديون ، ليسوا فلاسفة ولامنظرين ولامثقفين ولامتعلمين حتى..!
ملايين من العوام الذين حفرت في ضمائرهم وفي ذاكرتهم كل تلك الرموز ومعانيها ، وتفاصيل اخلاقها القدوة وتفانيها ، وقصص تضحياتها او مشاهد موتها المرة -الصادق منها والمختلق-..ثم تعاليمها الدينية والخلقية التي اصبحت مع الوقت مقدسة .
ويساعد على ذلك في المعتاد كون تلك الواجبات الدينية غير مرهقة او متعبة عمليا ، اي ليست كالتعاليم التي تلزمك بترك مايسري النفوس كما في بعض المذاهب المتشددة او الصارمة ،، شعائر يكون في اغلبها مناجاة لروح الكبير ووجدانه ،وتسلية لعقل الصغير وجنانه، امر غرس وزرع في الوجدان وانتشر في البدن والجنان، من الصعب على النفس مفارقته ، ومن المتعب للروح الاقلاع عنه او مخالفته ..لذا فانه لايمكن ان يفلت من هذا الهوى المتشبث بالنفس والبدن الا من اوتي حظ عظيم ، ومن غادره الفهم السقيم ،ومن هيأ لعقله فرصة التحقق والاختيار ، واعطى لنفسه فسحة المراجعة واتخاذ القرار..
رجال بل ونساء وطنوا انفسهم على مراجعة النشأة وفحصها ودراسة الاعتقاد وتمحيصه ..ليفلتوا من قبضة التلقين الابوي والبيئي الى التحقيق البحثي والعقلي ..فان وجدوا ماكان ومانشاوا عليه صحيحا صريحا ،نافعا معقولا لايعارض نصوص الله ولايخالف الفطرة السليمة للناس ، ولايشكل هزؤا عقليا بين العقلاء من بني البشر اخذوا به واستمروا عليه، وشذبوه وزادوه بعلومهم، واطاعوه بحلومهم ..وان كشفوا خطأه وزيفه ، او تلفيقه من اجيال مضت او تاليفه من نفوس هوت فضلت ، رجعوا عنه وتركوا مناصرة عمياء وطقوس خرافية خرقاء ،وعداوة جاهلية بغضاء،،واختاروا لانفسهم طريقا اسلم واسلوبا اكرم وقدوات اعلم.
فللنشأة فعل السحر على الاعتقاد، وفعل السيف المسلط على رقاب العباد، فمحّص معتقدك من نشأتك قبل حلول شيبتك ..فانك ان تركته الى مابعد الكهولة والنضوج، اصبح تغييره متعذَّر، وتمحيصه متعثَّر، وحيث لاعذر لك في آخرتك ان رايت من يعذرك او يسايرك في دنياك ، فالتفت الى نفسك وتفحص تعاليم من أنشأك ورباك، فان الاعتقاد امر جلل ، وان من الحب ماقتل.




الكلمات المفتاحية
الاعتقاد النشأة

الانتقال السريع

النشرة البريدية