تخافون علينا .. ام تخافون منا ..؟

ما قدمته اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية من جهود خيرية.. ومقارنة لما يجري في الدول المجاورة ، ودول العالم التي انتشر فيها وباء كورونا بشكل سريع ومخيف ..لا ترتقي ابدا الى المستويات المقبولة ، لانها ظلت متواضعة في عملها ، و متهافتة في بياناتها . ومتلكئة في مسيرتها ، و لم تكن موفقة في خططها .. بسبب غياب الرؤية الواضحة ، وتردي المنظومة الصحية البائسة .. مع اعترافنا بالجميل ، وتقديرنا لجهود اطبائنا ، و جميع الطواقم الصحية العاملة في مستشفياتنا .

انتشار الوباء.. اي وباء / يعني ازدياد في عدد الوفيات ، ويعني تعطيل الحياة العامة ، وشلل في النشاط الاقتصادي ، وتهميش النشاط الاجتماعي ، و غياب النشاط الثقافي .. والانكى من هذا وذاك ، التوظيف السياسي لهذا الوباء الفتاك .
ما اسهل .. ان نرفع شعار (خليك بالبيت) وليس مهما ، ان يكون البيت كبيرا ، ام صغيرا ، قصرا ام صريفة .. فبيوت التنك في حي طارق ، ليست مثل قصور الجادرية ، وبعض بيوت الفقراء لا تتجاوز الخمسين مترا ، ويسكن في داخلها العشرات .. و قصور المنطقة الخضراء الباذخة الفارهة ، لا تستخدم الا للاجتماعات والاستحقاقات .

ثم .. لماذا تميل الحكومات ، و في كل العهود والسياسات ، للاجراءات القمعية ، ولماذا ظلت روح الانتقام ، تعشعش في عقل السلطة السياسية .. من انقلاب ١٤ تموز الى الانقلابات الفوضوية ، فما اسهل من عسكرة المجتمع ، واستخدام ادوات العنف والتعسف ، بدلا من خيارات اللين والتلطف .

جميع البيانات ، والارشادات ، التي تصدر عن وزارة الصحة ، ومعظم اجراءات التمديد .. لا تحمل معها املا ، ولا ودا ، ولا تبديلا ، كلها ( لطمية بلطمية ) و تشديد في تشديد ، و وعيد في وعيد ، وكأن الشعب العراقي هو الذي جاء بالوباء ، وليس الصين الشعبية ، و كأن مدينة ووهان ، هي الحبيبية .. وروح القمع ، والاستهانة ظلت موجودة ، وطرق الامل والانفتاح باتت مسدودة .. بينما اصحاب الباجات الخاصة ، و عناصر الاحزاب الصاكة .. تسرح ، وتمرح في الشوارع المفتوحة.

ولو راقبنا .. اي سيطرة ، لوجدنا عدم الجدية في تنفيذ واجباتها ، والتمييز بين من يسمح له بالمرور ، ومن لا يسمح له ، ومن يحمل بطاقة تجيز له التجوال ، ومن يستقل سيارة مضللة ، ويتصل بالهاتف الجوال .. فحالات المزاج ولقب الحاج ، و لون الباج ، كثرت ، وتعددت ، وتمردت على السيطرات ، و زادت من الازمات .. والمواطن ووسط هذه الفوضى ، خرج هو الاخر ، ضاربا عرض الحائط ، التقيد بالتعليمات ، ولانه وببساطة قد شبع من الخوف والتمرد ، والاهمال والتردد ، بعد ان فقد الثقة بمن يدير البلاد ، وبمن يتحكم بمصير العباد .

خلاصة القول.. ان اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية ( حنديرية) التوجه في اجراءاتها ، احادية النظرة في تفكيرها وخططها .. فهي تعالج مشاكل الخروج الى الشوارع ، و تتجاهل ما يحدث في البيوت من فواجع .. فالامراض النفسية استوطنت ، وحالات العنف استبدت ، والمشاكل العائلية زادت .. حتى وصلت لحدود القتل والحرق والانتحار .. وفاتها تاكيد صندوق الامم المتحدة للسكان في العراق .. الذي حذر من ازدياد حالات التوتر و العنف الاسري داخل المنازل ، بسبب الضغط النفسي ، وغياب الحلول العلمية لانهاء الازمة ، والبدء بالانفراج التدريجي .. املا بتجنب حالات العصيان ، وسيتجاهل المواطنون مستقبلا ، كل حضر شامل ، وهذا ما حصل ، وسيحصل في ارجاء البلاد .. واولها كان امس الاول في الديوانية.. ضد الحكومة المحلية التي استفزت العباد.

ان كنتم تخافون علينا حقا .. فانتبهوا الى ما يحدث في البيوت ، فلا تحاربوا رزق الناس في تمديد جائر و مرير ، ولا تدمروا نفسية شعب ، ذاق الحصار ، والعوز ، والتهجير .
ان عدد الذين يموتون قهرا او جوعا بالحجر المنزلي ، هم اكثر بكثير من الذين يموتون بمستشفيات الحجر الصحي .. وكل ما فقدناه من ارواح بريئة ، بسبب تباطؤ في ادارة الازمة ، وعدم فعالية النظام الصحي ، لم يتجاوز المئتين فقيد .. فماذا ستفعلون بالعراقيين
لو ان الاعداد تخطت الالاف ، لا سامح الله .. فالموازنة مطلوب ، والمعالجة محسوبة .

ما نشاهده في مدن العالم .. وعلى الرغم من استمرار الاصابات ، انها قد نوعت في اساليبها و خططها ، و غيرت من اجراءاتها ، وخففت من شروطها ، تماشيا مع تحسن الحال ، و ارضاء واحتراما لشعوبها .. فبدأت جميعها ، بانفتاح تدريجي ، مع التقيد بالاجراءات الاحترازية ، الى ان نجحت بجعل مواطينيها يتفاءلون بامل المغادرة من كارثة كورونا .. هذا ما يحدث الان في الكويت والسعودية التي سمحت بالرحلات الداخلية ، وايران التي اتاحت الصلاة في اماكن العبادات .. وفي فرنسا ، وايطاليا ، و الولايات الامريكية .. عادت المدارس ، وفتحت المقاهي وا لمطاعم .. فلماذا انتم تقطعون عنا شريان الامل والنجاة ، وكاننا لا نستحق العيش في هذه الحياة ..؟

اما خوفكم من تجدد المظاهرات .. فهي آتية لا ريب فيها ، فلا الاوبئة توقفها .. ولا مزاج السلطة وامراضها تمنعها .. فلا تجعلوا من انتشار الوباء حجة للتغطية على الازمات السياسية والاقتصادية . وما عليكم الا الخوف من الشعب يوما ..كي لا تخافوا منه دهرا ..

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png
كاظم المقدادي
باحث وإعلامي

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
806متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في الامتحان يكرم مقتدى أو يُدان

لمقتدى الصدر، منذ تأسيس جيش المهدي وتياره الصدري في أوائل أيام الغزو الأمريكي 2003، عند تلقيه شكاوى من أحد الفاسدين، وخاصة حين يكون قياديا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مظلومية العراقيين… من لها ؟

تعددت المظلوميات التي حُكمنا بها ! بعضها أُعطيت لها أبعاداً طائفيةتاريخية ومنها معاصرة, أُسكتت بالسلاح الكيمياوي لإطفائها ووأدها. مدّعو هذه المظلوميات, الذين أدخلهم المحتل الأمريكي...

التحولات الاجتماعية والنظم الثقافية في ضوء التاريخ

1     نظامُ التحولات الاجتماعية يعكس طبيعةَ المعايير الإنسانية التي تتماهى معَ مفهوم الشخصية الفردية والسُّلطةِ الجماعية . والشخصيةُ والسُّلطةُ لا تُوجَدان في أنساق...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كاتيوشيّاً

طَوال هذه السنين الطِوال , يستغرب بل يندهش المرء لا من اعداد صواريخ الكاتيوشا التي جرى اطلاقها هنا وهناك < دونما اعتبارٍ للمدنيين الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الرئاسة بين الألقاب والأفعال!

لم يتعود العراقيون أو غيرهم من شعوب المنطقة إجمالا على استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم على الطريقة التركية أو الإيرانية في مخاطبة الما فوق الا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إنبوب النفط العراقي الى الأردن.. ضرورة أم خيانة؟

لكل دولة سياسات ومواقف عامة وثابتة، تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وإن تعددت أساليبها في إدارة الدولة منها: حماية اراضي الدولة وسياداتها، رسم السياسات المالية...