الخميس 16 تموز/يوليو 2020

الامام علي امير المؤمنين (ع) ومحنة العدالة

الجمعة 15 أيار/مايو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بمناسبة أستشهاده في (21) رمضان سنة 40 للهجرة
من يتجرأ ان يتحدثَ عن الامام علي(ع) ومن يريد ان يسمعَ عنه، عليه ان يدركَ ان المتحدث يتكلم عن شخصيةٍ عربيةٍ اسلاميةٍ فذة قل نظيرها بين شخصيات العالم نسبأ وأخلاقا وعظمة وعدلاً.فهو ليس أماماً لمن تنكروا لمبادئه اليوم ،بل هو أمام المتقين جميعاً.
فمن هو علي أمير المؤمنين (ع) :
———————————–
هو علي بن أبي طالب هاشمي من قريش،ولد بمكة قبل عشرين سنة من البعثة النبوية الشريفة ،واستشهد في الكوفة يوم الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة 40 للهجرة،وله من العمر ثلاثةُ وستون سنة،ولقب بشهيد المحراب ولم يلقب من بعده احد بهذا اللقب.هو وبنوه كانوا توجاً من تيجان الزمن التي رُصعت في هامات بني هاشم وأمة العرب ،وأمهُ فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف قرشية عدنانية.أصيل من الأب والام والفعل دوماً دليل الأصل.
قال فيه العلماء ما عجز القلم عن تدوينه ، قالوا فيه: قلة من الرجال الذين هم على شاكلته ،تتنهد بهم الحياة،موزعين على مفارق الاجيال أنارتها هدياً لمسالك العابرين.ومن بين أولئك الافذاذ يبرز أسم علي في هالةً من رسالةٍ، وفي ظل من نبوةٍ، فاضتا عليه أسجاماً وأكتمالاً ،كما أحتواها لوناً وأطاراً.
وحين التحدث عن هذه الشخصية المتكاملة ،ليقف الانسان خشوعاً والقلم خضوعاً الا من مداده الفذ ليخط كلمات يشعر بها القلم سيكون خالداً خلود من يكتب عليه. بهذا اللون البهيج عصي على الحرف بتصويره بقدر ما هو قصيُ عليه بمعانيه.
الناس يولدون ويموتون ويطويهم النسيان ،اما هو فلقد آتى الدنيا ،وكأنه آتى بها،ولما آتت عليه بقي وكانه آتى عليها.لقد جاء لا ليقتلع بوابة خيبر العصية من جذورها ،بل جاء ليقتلع حصون الشر والظلم والباطل من جذورها ،فهو منهج مدرسة أجيال بحاجة الى ان تتعلمها الاجيال وتطبقها.
كل الغيوم التي رافقت حياته العزيزة ،لم تستطع أن تطفأ شمسه المنيرة ،فأنه لم يمت ولم يطويه النسيان ،بل ظل جوهرةً متلألأةً خلفها تلبث الشمس خلف الغيوم.
من هنا أقول وانا المغرم به،أن كل قولٍ يحصره في مكان أو زمان يبقى حديثا له قيمة السرد ،لينير دروب الاخرين،ولبيقى حروفاً مقفلة لا تنفذ اليها آلوان المعاني،لأن الوانها ثابته لا تغيرها الظروف ،ولا تتأكلها الازمان كمنارته المتلألئة في النجف الاشرف ذهبا وياقوتا ومرجان،فباي ألاء ريكما تكذبان .وسيبقى أبا الحسن عنوان القيم والمبادىْ رائدا للحق والعدل متبرءأً من كل من خان المبادىء والمنهج القويم لمدرسة أهل البيت العظام ،التي ما جرأ احد ان ينفذ اليها بعثرة من عثرات الزمن.وستبقى الدنيا تغرف الطيب من فمه الطيب،يا صاحب الوجه المنير ، وياصاحب كل أستقامة.
كتب الامام علي سفره المعروف الذي سماه الشريف الرضي بنهج البلاغة ،ولم يكن ذلك السفر الا مقدمات أستخلص منها النتائج المحكمة بالحجة والبيان،وبهذا اتبع أسلوباً أستقرائياً في مجال العلم والعقيدة ،وهو ما يتماشى ومفهوم التطور العلمي للثقافة عبر الزمن،فمفهوم العقيدة عنده تحرر وتقرير مصير ،هذا الادراك هو الذي أحس به رسول الله (ص) فأحاط به الامام لما يستحقه من مكانة التكريم وعلم وتقدير ،حتى جعله بابا ومنطلقا لعلمه ومدركاته وسننه حين قال: “انا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتِ الباب”.

وبالمناسبة فأن السُنة النبوية اليوم بحاجة ماسة الى أعادة نظر في كل الاحاديث المروية عن الرسول (ص) سواءً من أهل بيته أو عامة الناس لقوله عند دخوله مكة نصيراً للمظلومين 🙁 يا قوم خلوا بيني وبين الناس ولا تنقالوا عني غير القرآن،انظر الواقدي،المغازي الطبعة الحجرية القديمة ). وهذه اشارة صريحة ان كل ما نقل عن الرسول بحاجة الى اعادة نظر،ناهيك عن ان الصحاح لابي مسلم والبخاري والمجلسي هي احاديث رواتها من العصرين البويهي الفارسي والسلجوقي التركي ،وكلها احاديث بحاجة الى أعادة نظر وصدق الاثبات. احاديث أدخلت الحابل بالنابل وفرقت العرب والمسلمين خدمة للسلطان البويهي والسلجوقي الغرباء عن الوطن.فهل نحن مدركون،أم نبقى في غينا سادرون؟
نشأ الامام علي وكله علمُ ومعرفة ،فقه وحكمة،فصاحةٍُ وبلاغة. لقد طغى عليه العلم فأخذ بمجاميع قلبه الوضاء،وحركات لسانه الكريمة، وأستنباط هواجسه الصافية. يدرك ما يحيط به،ويحيط بما يُدرك، يدركُ ادراك العالم المتطلع ،العامل بعلمه، المعتقد بما يلزم،ان يعمل لأصلاح مجتمعه ورفع مستواه،موظفاً طاقاته له، لا يحجمٌ عن درء خطأ وخطر، ولا يقف دون مشورة ، ولا يتلكأ في أبداء نصح.هذا الرجل المعجزة الذي لم يدركه من أهل زمانه ولا زماننا الا النزر القليل من الناس،ولو ادركه محبي أهل بيته وأخذوا به لما وهنوا، ولا ضعفوا، ولا أستكانوا، كما نراهم اليوم حين اعمتهم الدنيا بطمعها فتبلدوا.حث على طلب العلم حثاً لا يدانيه أحد قولا وصدقاً وعملاً حين قال: ( تعلموا العلم صغارا تسودوا كباراً) وقال: ( يا حملة العلم أتحملونه فأن العلم لمن علم ،ثم عمل به ورافق عمله علمهُ،وهنا يربط الامام العلم بالعمل،ولا أغالي أذا قلت لم أقرأ طيلة مدة دراستي وعملي من قبل مثل هذا النص الذي قاله علي 🙁 تعلموا العلم وان لم تنالوا به حظاً ). فالعلم في ميزانه عمل،وفي نظرته تطبيق،وفي أهدافه نفع لمن يحمله وللاخرين. وصدق رسول الله حين قال:(ان اشر أمتي العلماء أذا فسدوا).فالعالم اذا فسد يفسد البلد الذي يعيش فيه، أما الجاهل فأذا فسد لا يفسد الا نفسه والتجارب الحالية خير شاهد على ما نقول.
وفي مجال الحياة وتطبيقات السياسة وولاية العهد علينا ان نطلع على الرسالة التي كتبها الأمام (ع) لمالك الاشتر حاكمه عل مصر ستجد فيها كل تفاصيل الحكمة والعدل والالتزام بالمبادىء في حكم الناس.يقول الامام: يا مالك:
ان السلطة وسيلة لتحقيق حكم الله في الأرض ونشر العدالة الاجتماعية،وأحذر يا مالك فان القوانين لا تطبق الاخوفاً من العقاب ،ولا سبيل الى ذلك الا بالعقاب والثواب،وحدد في رسالته مهام السلطة في اربعة ابواب هي :الأمان والأطمئنان والكفاية والعدل لينعم بها الجميع فهي النهج القويم ،ويقول : على الحاكم المختار من الناس ان يكون منصفاً عدلاً ،فالعدل أساس الملك والله هو العدل الذي لا يجور (اعدلوا هو أقرب للتقوى ،المائدة 8).فلا كثرة الناس حولي تزيدني رفعة ،ولا بعدهم عني تزيدني ذلة،لكن كلمة الحق لم تبقِ لي من صاحب. (يقول :آيأك وظلم الرعية ،فأن الظلم حوَبُ عند الله،وواسي الرعية ولا تَدع معوزاً وأمامُك يحكم بين الناس). أين شعيتك اليوم يا ابا الحسن؟
ويقول في رسالته لمالك الاشتر:اسمع يا مالك :لا تكن عبدا لغير الله الحق، فليكن أحبُ الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح ، فالشرع مثبت وليس مخبر ولا يوجد شيء حسن او قبيح بذاته،لكنهما من صنع البشر. يقول:وأشعر قلبك الرحمة للرعية،والمحبة لهم،واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعأً ضارياَ تغتنم أكلهم،فأنهم صنفان:أما أخُ لك في الدين، أو نظيرُ لك في الخَلق. يا الله من قال هذا قبل علي، لقد أدركت الامم المتحدة فحوى رسالته الانسانية فأعتبرتها وثيقة من وثائقها المهمة ليعترف بها العالم اجمع،وهذا ما هو حاصل اليوم.
ويقول: كن حراً في علمك وعملك،فمن دان بالجبر فقد أبطل العقوبة على المذنب، ومنح الحرية لكل الناس دون تمييز ،فالحر يكون مسئولا عن الخطأ والصحيح،فالحق والعدل اساس الحكم في الاسلام، وان الدين والسياسة هما تعبيران عن الحكومة العادلة، واي خروج عليهما هو خروج عن البشرية والدين معا.وفي مسالة أموال الدولة يقول:أنتم عباد الله والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على احدٍ بقدر جهدكم وعلمكم وعملكم.
ويقول : الا ان كل قطيعة اقطعها ..فلان وفلان…… وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال فالحق القديم لا يبطله شيء ، فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق. انه كان يرى ببصيرته النافذة موازين الحق والعدل كما يراها الله ،انه كان يرى مشهدا يكاد ينطق بصوت الكارثة من وراء حجب الليل البهيم على ابناء أمة الاسلام بعد ما ينحرف عنها الحكام.أما يكن هذا درسُ للحاكمين؟
ويقول الامام الشافعي في كتابه الرسالة:( يا الله ما هذه المعجزة التي أسمها علي التي خلقتها للناس لأحقاق الحق وتحقيق العدل بينهم،فلا أحد بعده يستطيع الا قول الحق “لأن العقل مضطر لقبول الحق”.
كان الامام علي(ع) مدرسة فكرية بنظرته الثاقبة في الحكم اراد ان يعلم الناس ان الدنيا دار عمل وأمر ونهي ومحنة واختبار، والاخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا دار أمر ولا محنة ولا أختيار ، نظرية ما سبقه فيها أحد من العالمين. وكان يرى في العصمة هي عدم الوقوع في الخطأ والزلل والمعصية،وليست هي هبة من الله دون عمل.وهذا تأكيد منه على ان عصمة اهل البيت هي عصمة الحق والعدل وليست عصمة التقديس.
وفي مجال التربية كان يرى ان نوعية البشر لا قيمة لها ان لم تقترن بالفاعلية ، فالعلم لا يراد لذاته، بل لاجل التغيير والنمو في شخصية الفرد والمجتمع حيث يقول(ع): ( لا تجعلوا عملكم جهلا ويقينكم شكاً، اذا علمتم فأعملوا واذا تيقنتم فأقدموا، فمن عرف الله عرف نفسه ،ومن عجز عن معرفة نفسه ،فهو عن معرفة خالقه اعجز، وثقوا ان لن يؤتي الفكر ثماره الا اذا استند على الخبرة والعمل، لان غاية المعرفة هي الحياة ، وان قيمة كل فكرة او نظرية تقاس بمدى ما تحققه من نفع له ولمجتمعه والناس). وهكذا فان الامام وجد في التفكير القدرة على كشف الحقائق وتخليص العقل من الاوهام والاساطير،وقال 🙁 لاتقبل القول من أحدٍ الا اذا ثبتت لك صحته). لأن الشك هو أول الاثبات.
وفي الغلو والترفع على الاخرين يقول في وصيته لابنه الحسن المجتبى:( يا بُني أجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين الناس،فاحبب لنفسك ما تحب لأنفسهم وأكره ما تكره لها ,لا تظلم كما لا تحب ان تُظلم،واحسن كما تحب ان يُحسن اليك ،وأستقبح في نفسك ما تستقبحه من غيرك،وأرضي بين الناس،بما ترضى لهم من نفسك).ألم يرفض طلباً من أخيه عقيل بتوليته ولاية،فيقول له:يا عقيل أنها أمانة وأنت لست كفوءاً لها .كلمة موجهة للمسئولين اليوم الذين عليهم ان يقتدوا بأمامهم حتى مع أقرب الناس اليهم.
من يتصفح نهج البلاغة يجد ان الامام يطرح نظريات أنسانية وليست أفكارأً بحاجة الى آجابة كنظرية المصلحة ونظرية الحسن والقبيح ونظرية الأرادة الانسانية.،يطرح أسئلة بحاجة الى تحليل،وليست أفكارأً عامة للقارئين،فعندما سئل عن العدل قال:(العدل هو الله الذي لا يجور) وعندما سئل عن العقل قال:( العقل هو الحجة)وعندما سئل عن الحرية قال :(هي لب الحياة فمن دان بالجبرفقد أبطل العقوبة على المذنب ،فالحرية هي أن يكون الانسان مسؤولاً).يوجه رسائل لعماله في الامصاريطلب منهم التطبيق لنصرة المحكومين،وليست رسائل نصح وأرشاد على غرار الموجهين. يعدهم بالعقاب ان هم تخلوا عنها. ان عملية التجديد التي جاء بها الامام في الاسلام ،لا تعتبر مسألة في النظر والعمل بل فيهما معاً،وعلى مستوى الرؤية التاريخية،والعمل الصالح في اي زمان ومكان.،مادام الاسلام للناس جميعاً دون تفريق.
أن أول عمل عمله بأستلامه السلطة قد غير رجال حكم الولايات الفاسدين وغيرهم من الفاسقين، فجعل عثمان بن حنيف على البصرة،عمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيدلله بن عباس على اليمن، ومالك الاشتر على مصر، وسهيل بن حنيف على الشام، وكلهم من الخلص الاتقياء ،ومنحهم سلطة التصرف تحت الرقابة،ووضع قيوداً على بيت المال،فالمال السائب يفسد أخلاق الرجال- كما نرى اليوم- وليكن أحب الأمورأليك أوسطها في الحق،وأعمها في العدل. وبهذا التوجه بدأ المشروع الاسلامي يظهر الى الوجود في عهده.
وختاماً نقول كان الامام علي،ملكاً قي نفسه، متواضعاً في مجتمعه،،فقيراً في عيشه، بسيطاً في حياته، عظيماً في مدركاته، عزيزا في عدله، قديساً في أيمانه، نبياً في تجرده.
هذه هي ميزة المثل العليا لانسانية الانسان ،هذه هي حياة فيلسوف مؤمن بأسمى صور الفلسفة،ولكن من أين يأتي بالذي يريد،كان الموقف صعباً،ادركته الخطوب،وأحاطت به النوازل، وحاصرته الاحداث حتى قال له أصحابه الخلص: يا ابا الحسن أتدري ما انت فيه اليوم ،قال أدري ورب الكعبة والذي نفسُ علي بيده قالوا:( يا ابا الحسن لا تخرج الى مسجد الكوفة ، فالخوارج يتربصون بك الدوائر).فقال لهم بكلمته المشهورة(من لم يستطع ان يواجه الناس ويحميهم عليه ان يتخلى عن حكمهم).وهذا منتهى الصدق والوفاء من حاكم لمحكوميه في دنيا السياسة والحكم.
بعده توقفت نظرية الاسلام حين اصبحت الدولة تحتاج الى سند شرعي لا يعترف بشرعيتها ،فبعد حكم الامام،أصبحت ألسلطة محتكرة بيد أهل العرش، والثروة محتكرة بيد الكانزين لها ذهبا وفضة، والمعرفة محتكرة بيد الفقهاء والرجال الدين والقرآن يرفضهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، والسلاح محتكر بيد الخليفة يقتل به من يشاء، والخليفة يصفي خصومه السياسيين والقرآن يرفض قتل النفس بدون وجه حق،فهل بقي من منطق ينطبق علينا كمسلمين. لقد خانوا العهد ونكثوا الايمان. والقرآن يقول :ولا تنقضوا الآيمان بعد توكيدها.فلم يعد الاسلام الا أسلام سلطة لا دين؟
لقد أصبح الاسلام كالشجرة التي جفت عروقها وماتت قبل آوانها.بعد ان فقدت أستيفاء الجانب الشرعي من تكوينها بعد ان أقترفت جنايات بشعة في حق الحق والقانون والامة،وتلك التي كان يعمل الامام من أجل ان تكون الشرعية هي الاساس في حكم الناس.
سلام عليك يا امير المؤمنين ، وعلى كل من آمن بالانسان وحقوق الانسان ..ولعنةً ومذمةً لكل من ادعى بك ونكث العهد والايمان.




الكلمات المفتاحية
الامام علي امير المؤمنين محنة العدالة

الانتقال السريع

النشرة البريدية